الأذان: اسم من قولك آذنت فلانا بأمر كذا وكذا اوذنه ايذانا أي: اعلمته وقد أذن يأذن أنذنا إذا علم فالاذان: الإعلام بالصلاة يقال: أذن المؤذن تأذينا وأذانا أي: اعلم الناس بوقت الصلاة فوضع الاسم موضع المصدر وقال الله ﷿: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ﴾ ١ أي اعلام وأصل هذا من الأذن كأنه يلقي في آذان الناس بصوته ما إذا سمعوه علموا انهم ندبوا إلى الصلاة.
وأما قول المؤذن في الاذان: حي على الصلاة وحي على الفلاح فمعنى حي: هلم وعجل إلى الصلاة والفلاح هو الفوز بالبقاء والخلود في النعيم المقيم ويقال للفائز: مفلح ولكل من أصاب خيرا: مفلح وقال عبيد بن الأبرص:
أفلح بما شئت فقد يدرك بالضعف وقد يخدع الأريب٢
يعني: إبق بما شئت من حمق أو كيس ويقال للسحور الذي يستعين به الصائم على صومه فلاح وفلح لأنه سبب للبقاء وعن ابي ذر انه قال: "صلينا مع رسول الله ﷺ حتى خشينا أن يفوتنا الفلح".
وأما التثويب في صلاة الصبح: فهو أن يقول المؤذن بعد قوله حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين سمي ذلك تثويبا لأنه دعاء بعد دعاء فكأنه دعا الناس إلى الصلاة بقوله: حي على الصلاة ثم عاد إلى دعائهم مرة أخرى بقوله: الصلاة خير من النوم وكل من عاد لشيء فعله فقد ثاب إليه، ومنه
_________________
(١) سورة التوبة، الآية ٣
(٢) البيت في "ديوانه" "ص ١٤ – نصار" وشرح القصائد العشر "١٥٩ – للتبريزي" وجمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي "٢٢٥" وغيرها من مجمهرته التي أولها: أفقر من أهله ملحوب فالقطبيات فالذنوب وأفلح: عش، من الفلاح أي: البقاء والمعنى: عش كيف شئت فقد يدرك الضعيف بضعفه مالا يدرك القوي، وقد يخدع الأريب العاقل عن عقله والأريب: العاقل.
[ ٥٤ ]
قول الله ﷿: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ ١، فالبيت بيت الله الحرام جعله الله مثابة للناس لانهم يثوبون إلى زيارته حاجين ومعتمرين مرة بعد أخرى أي يعودون إليه.
ومثابة مفعلة من ثاب يثوب ولوقيل مثاب بغير هاء كان جائزًا. وانشد الشافعي - ﵀ - بيتا في هذا المعني:
مثابا لأفناء القبائل بعدما تخب إليه اليعملات الذوامل٢
لافناء القبائل: يعني لجماعتها والذوامل٢ يعني بها الضعاف يقال: ذمل٢ يذمل٢ ذمولا٢: إذا ضعف تخب: تسرع وقد يكون التثويب في غير الفجر وهو أن يقول المؤذن بين الاذانين: الصلاة رحمكم الله.
وقال عمر - ﵁ – لمؤذنه: "اذا أذنت فترسل ثم ثوب أذانك"
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٢٥.
(٢) البيت في المخطوط هكذا: مثابا لا فنا القبائل بعدما تخب إليه اليعملات الذوابل ففيه كما ترى بعض التحريف والحمد الله صوبتها. والبيت نسب في "اللسان" "ثوب" لأبي طالب وهو خطأ. فالصواب أن البيت لورقة بن نوفل كما أنشده الشافعي نفسه في "الأم" "٢/١٢٠" والبيت لورقة ضمن أبيات طويلة في "البداية والنهاية" "٢ / ٢٩٧" وقبل البيت ولكن يقافية الحاء المهمله: فمتبع دين الذي أسس البنا وكان له فضل على الناس راجح وأسس بنيانا بمكه ثابتا تلألا بالظلام المصابح مثابا اليعملات الطلائح. والبيت في "تفسير الطبري" "١/٤٢٠ – بولاق" وتفسير القرطبي "٢/١٠٠" "وتفسير أبي حيان "١/٣٨٠". وأفناء القبائل: أخلاطهم ونزاعهم من هنا وهناك وخبت الدابة تخب خبأ: وهو ضرب سريع من العدو واليعملات: جميع يعمله وهي الناقة السريعة المطبوعة على العمل اشتق اسمها من العمل والعمل الإسراع والعجلة والطلائح: جمع طليح ناقة طليح أسفار: جهدها السير وهزلها فهي ذاملة: ناقة ذمول وذاملة: وهي التي تسير سبرا لينا سريعا.
(٣) في المخطوط: "الذوابل، ذبل يذبل ذبولا" وكل هذا تحريف.
[ ٥٥ ]
ويقال: ثوب الداعي إذا دعا مرة بعد أخرى وقالت جنوب الهذليه:
وكل حي وإن طالت سلامته
يوما له من دواعي الموت تثويب١
قال الشافعي: - ﵀ -: "وأحب أن يكون المؤذن صيتا وأن يؤذن مترسلا بغير تمطيط ولا بغي فيه وأن تكون إقامته إدراجا مبينا"٢
فالصيت بوزن السيد والهين وهو الرفيع الصوت وهو فيعل من صات يصوت كما يقال للسحاب الماطر صيب وهو من صاب يصوب ويقال: ذهب صيت فلان في الناس أي ذهب ذكره وشرفه.
وأما الصوت فهو الذي يسمعه الناس والمترسل هو الذي يتمهل في تأذينه ويبين كلامه تبيينا يفهمه من يسمعه وهو من قولك جاء فلان على رسله أي: على هينته غير عجل ولا متعب لنفسه.
والتمطيط: الافراط في مد الحروف يقال: مط كلامه إذا مده فإذا افرط فيه فقد مططه والبغى فيه أن يكون رفعه صوته يحكى كلام الجبابره والمتكبرين المنفيهقين.
وأصل الفهق: والصواب أن يكون صوته بتحزين وترقيق ليس فيه جفاء كلام العرب ولا لين كلام المتماوتين والبغى في كلام العرب الكبر والبغى الظلم والبغى الفساد وكل شيء ترامى إلى فساد فقد [بغى] ٣ يقال: قد بغى فلان ضالته إذا طلبها.
وأما إدراج الاقامه: فهو أن يصل بعضها ببعض ولا يترسل فيها ترسله في الاذان.
_________________
(١) رواية البيت في "ديوان الهذليين" وشرح أشعارهم: وكل حي وإن طالت سلامتهم يوما طريفهم في الشر دعبوب وانظر: "ديوان الهذليين" "٣ / ١٢٤" وشرح أشعارهم للسكرى "٥٧٨" وتخريج البيت في "١٤٤٢ – ١٤٤٣". والدغبوب: الطريق المسلوك الموطوء للناس.
(٢) مختصر المزنى "١/٦٢".
(٣) ما بين المعقوفين سقط بالمخطوط واستدركه من سياق الكلام.
[ ٥٦ ]
وأصل الادراج الطى يقال: ادرجت الكتاب والثوب ودرجتهما ادراجا ودروجا إذا طويتهما على وجوههما.
وروى الشافعي حديثا رفعه إلى النبي ﷺ انه قال: "الأئمه ضمناء والمؤذنون أمناء" ١.
فأما ضمان الأئمه: فان القوم أمروا أن يأتموا بهم ويتبعوهم ولا يبادروهم فان اتم الامام ما ضمن من امامتهم تيسر للمأمومين اتمام صلاتهم على ما أمروا به وإن عجل الامام فارهق المأمومين عن اتمام الركوع والسجود وغيرهما لم يف بما ضمن لهم فعلى الأئمة أن يتحروا اتمام ما ضمنوا في تخفيف وقصد وألا يعجلوا القوم عن اتمام ما يلزمهم.
وأما امانة المؤذنين: فانهم ائتمنوا على المواقيت ومراعاتها وامروا الا يفرطوا فيؤخروا الاذان عن وقته ولا يعجلوا فيؤذنوا قبل دخول الوقت حتى لا تجزيهم الصلاة.
_________________
(١) صحيح: أخرجه الشافعي في "المسند" "١/١٢٨" والترمذي "٢٠٧" وأحمد "٢/٤١٩" وغيرهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
[ ٥٧ ]