التفليس: أن تتوى بضاعة الرجل التي يتجر فيها فلا يفي ما بقي منها في يده بما بقي من الديون فإذا ثبت عند الحاكم ذلك وسأله الغرماء الحجر عليه ومنعه من التصرف فيما بقي في يديه فلسه ومأخذه من الفلوس التي هي اخس مال الرجل الذي يتبايع به كأنه إذا حجر عليه منعه من التصرف في ماله الا في الشيء التافه الذي لا يعيش الا به وقد افلس الرجل إذا اعدم وتفالس إذا ادعى الافلاس.
قال الشافعي: "فان أراد الغرماء بيع الزرع الذي للمفلس بقلا فلهم ذلك" أراد بيعه اخضر قبل أن يدرك ونصب بقلا على الحال يقال اخضر باقل والبقل عند العرب كل زرع ناعم اخضر وكذلك كل عشب رطب وعوام والناس إنما يعرفون من البقول ما يزرع من مثل الكراث والخس والنعنع والهندباء١ والبقل في كلام العرب ما فسرته لك واللعاعه عندهم كل بقله بريه تنبت في آخر الشتاء مثل البسباس وهو نبت طيب يحمل من بلاد الهند والجرجير البري والحماص والحمصيص وما اشبهها من البقول التي تطبخ.
قال الشافعي: "وذو العسره نظره إلى ميسره" أراد ذو العسره له نظره أي انظار وامهال إلى أن يوسر يقال انظرته انظارا ونظره والنظره الاسم يوضع موضع المصدر الحقيقي والميسره اليسار.
قال فان مات كفن من رأس ماله وحفر قبره ومين بأقل ما يكفيه.
قوله مين أي تحمل مئونة دفنه جاء على ما لم يسم فاعله على فعل وكسرت الميم من اجل الباء كما قال الله ﷿: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ ٢
_________________
(١) الهندباء: بقل زراعي حولي ومحول من الفصيلة المركبة يطبخ ورقه، أو يجعل في الشلطة وانظر صورته في "المعجم الوسيط" "٢ / ٩٩٧ – هندبا".
(٢) سورة هود الآية ٤٤.
[ ١٥١ ]
و﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ١ وبهم و﴿سِيءَ﴾ بهم وما اشبهها يقال منت فلانا امونه إذا قمت بمئونة طعامه وغيره مما يقتاته.
وقوله حتى تقوم بينه أن قد افاد مالا معناه استفاد والافاده في كلام العرب له معنيان متضادان يقال افاد غيره مالا إذا اعطاه وافاد مالا أي استفاده لنفسه والمفيد المعطى والمفيد المستفيد.
وذكر الشافعي في كتاب التفليس حديثا رفعه إلى النبي ﷺ انه قال: "نفس المؤمن معلقه بدينه" ٢. نفس الإنسان لها ثلاثة مواضع احدها بدنه قال الله ﷿: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ٣.
والنفس الروح الذي إذا فارق البدن لمن تكون بعده حياه وهو الذي أراد النبي ﷺ بقوله: "نفس المؤمن معلقة بدينه" كأن روحه تعذب بما عليه من الدين حتى يؤدى عنه والنفس الدم الذي في جسد الحيوان وقال أبو اسحاق ابراهيم بن السرى٤: لكل انسان نفسان أحدهما نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام فيزايله عقله يتوفاه الله تعالى كما قال والاخرى نفس الحياه التي إذا نام الإنسان تنفس بها وتحرك بقوتها وإذا توفى الله تعالى نفس الحياه توفى معها نفس التمييز وإذا توفى نفس التمييز لم يتوقف معها نفس الحياه وهو الفرق بين توفى انفس النائم وتوفى انفس الخي وسميت النفس نفسا لتولد النفس منها ومعنى الحجر المنع في كلام العرب يقال حجر الحاكم على المفلس ماله إذا منعه من التصرف فيه وقيل للحرام حجر لأنه شيء ممنوع منه وهو بمعنى المحجور كما يقال طحن للمطحون وقطف للمقطوف.
_________________
(١) سورة الزمر الآية ٧٣.
(٢) صحيح: أخرجه الترمذي "١٠٧٩" وابن ماجه "٢٤١٣" وغيرهما من حديث أبي هريرة وهو مخرج في "قرة العين" للإمام العراقي برقم "٦٨ / بتحقيقي".
(٣) هكذا جاء لفظ الكتاب المخطوط، والصواب: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٥]
(٤) هو: الزجاج العالم المعروف.
[ ١٥٢ ]
وقوله ﷿: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ ١ معناه فإن علمتم منهم رشدا أي صلاحا في امر دنياه ودينه
واصل الايناس الابصار فوضع موضع العلم كما وضعت الرؤيه موضع الابصار واصل الايناس من انسان العين وهي الحدقه التي يبصر بها.
وقوله ﷿: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ ٢، فالسفيه القليل العقل الضعيف التمييز والضعيف العين الذي يعجز عن الاملاء لضعف بيانه والعرب تقول للذي لا بصر له ضعيف وللذي لا نطف له ضعيف وللذي لا عقل له ضعيف.
وقال في باب الصلح: "ولا انظر إلى من إليه الدواخل ولا الخوارج ولا انصاف اللبن ولا معاقد القمط"
ومعنى الدواخل والخوارج أي ما خرج من اشكال البناء إلى الناحيه التي لا يملكها صاحب البناء مخالف لاشكال ما يلي ناحيته وذلك تحسين وتزيين لا يدل على ملك يثبت وحكم يجب.
ومعاقد القمط تكون في الاخصاص التي تبنى وتسوى من الحصر وسفائف الخوص والقمط هي الشرط وهي حبال دقاق تسف بها الحصر التي تسقف بها الاخصاص وحواجزها فلا نحكم بمعاقدها في دواخلها وخوارجها لانها لا تثبت ملكا وان كان العرف جرى أن ما دخل يكون احسن مما خرج.
قال: "وله أن يبيع زرعه اخضر ممن يقصله" أي يقطعه ويجزه من ساعته والقصيل ما جز ويقال سيف مقصل وقصال إذا كان قاطعا.
.htm'
_________________
(١) سورة النساء الآية ٦.
(٢) سورة البقرة الآية ٢٨٢.
[ ١٥٣ ]