باب التيمم
التيمم في كلام العرب: القصد يقال: تيممت فلانا ويممته وأممته وتأممته إذا قصدته وأصله كله من الأم وهو: القصد.
والصعيد في كلام العرب على وجوه: فالتراب الذى على وجه الأرض يسمى صعيدا ووجه الأرض يسمى صعيدا والطريق يسمى صعيدا وقد قال بعض الفقهاء: إن الصعيد وجه الأرض سواء كان عليه التراب أو لم يكن ويرى التيمم بوجه الصفاه الملساء جائزا وان لم يكن عليها تراب إذ يمسح بها المتيمم قال: وسمى وجه الأرض صعيدا لأنه صعد على الأرض ومذهب أكثر الفقهاء أن الصعيد في قوله ﷿: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ١ إنه التراب الطاهر وجد على وجه الأرض أو أخرج من باطنها ومنه قوله ﷿: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ٢.
البطحاء:
والبطحاء: من مسايل السيول المكان السهل الذى لا حصى فيه ولا حجاره وكذلك الابطح وكل موضع من مسايل الأوديه يسويه الماء ويدشه فهو الأبطح والبطحاء والبطح وذكر الشافعي - ﵀ - قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ٣ بالفاء وظاهر التنزيل يدل على أن التيمم بأي شرط شرط في الآية ولم يجد الماء سواء كان مريضا فلم يجد الماء أو كان مسافرا أو جاء من الغائط أو لمس النساء ولم يجد الماء فله التيمم. ومذهب الفقهاء أن المريض غير المسافر له التيمم وان كان
_________________
(١) سورة المائدة، الآية ٦.
(٢) سورة الكهف، الآية ٤٠.
(٣) مختصر المزنى ١/٢٧ - ٢٨" والآية من سورة المائدة ٦.
[ ٣٤ ]
واجدا للماء وان من تغوط أو لمس النساء ولم يكن مسافرا فأعوزه الماء فليس له التيمم والآية تحتاج إلى شرح يوافق اجماع الفقهاء في الامصار فقد ذهب طائفة من الخوارج وهم الاباضيه إلى أن الإنسان إذا اعوزه الماء مسافرا كان أو حاضرا مريضا كان أو صحيحا فله التيمم ووجه الآية عندي - والله اعلم - أن الحاضر إذا كان مريضا المرض الذي يخاف على نفسه التلف إن توضأ أو اغتسل أن له أن يتيممه.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قال: نزل هذا في الرجل يكون به الجدري أو القروح يخاف إن هو توضأ أو اغتسل أن يؤذيه أذى شديدا فليتيمم. فابن عباس وقد شاهد التنزيل جعل التيمم لبعض المرضى دون بعض والصحابى الذي شاهد التنزيل إذا بين أن نزول الآية كان لسبب انتهى إلى قوله: ووجه تفسيرها على تفسيره وصدق على ما بين وكان أولى بالتأويل من غيره ممن بعده فقد خرج المريض من الجملة بما وصفنا لما روى عن ابن عباس حدثنا محمد بن اسحاق السعدي حدثنا أبو زرعة عن قبيصة عن عمار بن زريق عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قال: هذا في الرجل يكون به الجدري أو القروح يخاف إن توضأ أو اغتسل أن يؤذيه أذى شديدا فليتيمم١.
وحدثنا أبو عبد الله محمد بن اسحاق حدثنا الرمادي حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج: أخبرني يعلى عن سعيد بن جبير عن عباس٢ في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ ٣.
قال عبد الرحمن بن عوف: كان جريحا قال أبو عبد الله وهو يعلى بن مسلم مكي روى عنه ابن جريج وغيره.
_________________
(١) صحيح: وانظر تفسير الطبري ٥/٦٤".
(٢) كذا في الأصل، والصواب: ابن عباس.
(٣) سورة النساء الآية ١٠٢.
[ ٣٥ ]
وأما قوله ﷿: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فإن أو في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ بمعنى واو الحال كأنه قال أوكنتم على سفر وجاء أحد منكم من الغائط أو جامعتم ولم تجدوا الماء فتيمموا فان قال قائل: فهل جاءت أو بمعنى الواو في شيء من كلام العرب؟ قيل: نعم: اثبت لنا عن أحمد بن يحيى أنه قال: أو تكون بمعنى تخيير وتكون بمعنى حتى وتكون بمعنى اختيار وتكون بمعنى بل وتكون شكا وتكون بمعنى الواو وقال الكسائي: وتكون شرطا قال: وأنشد أبو زيد فيمن جعلها بمعنى الواو:
وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها١
معناه: وعليها فجورها. قال وأنشدني سلمه عن الفراء:
إن بها أكتل أو رزاما خويربان ينقفان الهاما٢ ٣
قال: أراد بها اكتل ورزاما. قال الأزهري: ولا يجوز في قوله ﷿: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ غير معنى الواو حتى يستقيم التأويل على ما أجمع عليه فقهاء الأمصار. وما علمت أن أحدا شرح من معنى هذه الآية ما شرحته فتبينه تجده كما فسرته إن شاء الله.
[تنبيه] *:
وذكر الشافعي - ﵀ - الكوع في هذا الباب وهو طرف العظم الذي يلي رسغ اليد المحاذي للابهام وهما عظمان متلاصقان في الساعد،
_________________
(١) البيت لتوبة بن الحمير في ليلى الأخيلية كما في أمالي القالي ١/١٣١" والأغاني ١٠/٦٩" وغيرهما كثير.
(٢) على هامش المخطوطة: قوله خويربان يعني السارقين يقال للذي يسل الإبل فيسرقها خارب وينقفان الهام أي يضربان الهام ويستخرجان الدماغ.
(٣) الرجز من شواهد الكتاب ١/٢٨٧" وشرح الشواهد للشنتمري، ١/٢٨٧" وللنحاس ص ١٢٥" وهو لرجل من بني أسد. * ما بين المعقوقين من المحقق للتوضيح.
[ ٣٦ ]
أحدهما أدق من الآخر وطرفاهما يلتقيان عند مفصل الكف فالذي يلي الخنصر يقال له: الكرسوع والذي يلي الابهام هو الكوع وهما عظما ساعد الذراع.
الإعواز:
وقوله: "ليس للمسافر أن يتيمم الا بعد أعواز الماء"١ واعوازه: تعذر وجوده ورجل معوز: لا شيء عنده والعوز القلة والمعوز: الثوب الخلق٢ وجمعه معاوز.
الضنى:
وقوله: "ولا يتيمم مريض الا من به قروح أو به ضنى من مرض يخاف التلف إن مس الماء معه"٣
الضنى: هو المرض المدنف الذي يلزم صاحبه الفراش ويضنيه حتى يشرف على الموت وقد ضنى يضنى ضنى ورجل ضنى ورجلان ضنى وامرأة ضنى لفظ المذكر والمؤنث والواحد والجماعة سواء لأنه في الأصل مصدر أقيم مقام الإسم والصفة كما يقال رجل عدل والمعنى رجل ذو ضنى وامرأة ذات ضنى ومثله رجل دنف ورجال دنف إذا كان مريضا أو ضعيفا ورجل حرض ورجال حرض قال الله ﷿: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ ٤ أي: مريضا مشرفا على الموت ويجوز ان يقال: رجل ضنى٥، ورجلان ضنيان ورجال أضنياء.
_________________
(١) مختصر المزنى ١/٣٣".
(٢) انظر: "الكامل" للمبرد ١/٦٦" واللسان عوز".
(٣) مختصر المزنى ١/٣٤".
(٤) سورة يوسف الآية ٥٨.
(٥) على هامش المخطوطة: ضنى الصواب ماهو مثبوت.
[ ٣٧ ]
الحش والجبائر والزند:
قوله: "وان كان الرجل محبوسا في حش أو موضع نجس"١.
الحش في الأصل: البستان من النخيل وكان الناس يتبرزون إلى حسان النخيل فقيل للمستراح حش والاصل ما أعلمتك.
وقال في الكسير: "يوضع على موضع الكسر الجبائر"٢. والجبائر: خشبان تسوى وتوضع على موضع الكسر وتسد عليه حتى ينجبر على استوائها واحدتها: جبارة٣ والجبائر أيضا: الأسوره واحدتها جبارة أيضا٤. وفي حديث علي - ﵁ - انه انكسر أحد زنديه. فالزندان عظما الساعد اللذان يقال لطرفيهما الكوع والكرسوع.
_________________
(١) مختصر المزنى ١/٣٤".
(٢) السابق ١/٣٤".
(٣) بفتح وكسر الجيم.
(٤) ومنه قول الأعشى [ديوانه: ص ١٢٨]: وأرتك كفا في الحضاب، وساعدا مثل الجبارة
[ ٣٨ ]