ما جاء في الصيد والذبائح
قال الشافعي: وكل معلم من كلب وفهد ونمر فكان إذا اشلى استشلى وإذا اخذ حبس ولم يأكل فهو معلم. معنى اشلى أي دعى واستشلى أي اجاب كأنه يدعوه للصيد فيجيبه ويعدو على الصيد قال أبو عبيد اسدت الكلب ايسادا أي هيجته واغريته واشليته دعوته قال الشاعر:
اشليتها باسم المراح فأقبلت رتكا وكانت قبل ذلك ترسف١
يصف ناقة دعاها فأقبلت نحوه يقال رتك يرتك رتكا إذا اسرع وروى اعن ابن عباس انه قال كل ما اصميت ودع ما انميت الاصماء أن يأخذه الكلب بعينك وانت تراه يصيده وينيب فيه ويسيل دمه فتلحقه وقد قتله فهذا يؤكل والاصل في الاصماء من الصميان وهو السريع الخفيف والمعنى كل ما قتله كلبك وانت تراه ومعنى ما انميت أي غاب عن عينك ولم تره فلست تدري أمات بصيدك أو عرض له عارض اخر فقتله يقال نمت الرميه إذا مضت والسهم فيها وانميتها انا. وقال الحارث بن وعله:
قالت سليمى قد غنيت فتى فالان لا تصمى ولا تنمى
قال أبو منصور: قوله: قد غنيت فتى قد عشت حدثا تصمى إذا رميت أي تقتل على المكان والان قد شخت فليس فيك اصماء للصيد ولا انماء والانماء أن يرمي الصيد فيغيب عن عينه ثم يدركه ميتا.
وقول الله ﷿: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ٢ أي الا ما ادركتم ذكاته من هذه التي وصفتها
ومعنى التذكيه: أن يدركها وفيها بقية تشخب معها الاوداج وتضطرب اضطراب الذي ادركت ذكاته.
_________________
(١) ١ البيت في اللسان شلا لحاتم الطائي وليس في ديوانه الذي بين يدي. ٢ سورة المائدة، الآية ٣.
[ ٢٦٢ ]
وأصل الذكاء في اللغة تمام الشيء وكماله، ومن ذلك الذكاء في السن والفهم تمامها وفرس مذك إذا استتم قروحه وذلك تمام قوته ورجل ذكي أي تام الفهم سريع القبول وذكيت النار اتممت وقودها وكذلك قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أي ذبحتموه على التمام. وقيل للنبي ﷺ: "انا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى فبأي شيء نذبح"؟ فقال ﷺ: "انهروا الدم بما شئتم الا الظفر والسن وسأحدثكم أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبش" ١.
وفي حديث عدي انه سأل النبي ﷺ انا نصيد الصيد ولا نجد ما نذكي به الا الظرار٢ فقال "امر الدم بما شئت" ٣.
وقال ابن عباس كل ما افرى الاوداج غير مثرد٤.
فاما قوله: انهروا الدم بما شئتم فمعناه سليوه حتى يجري كالنهر الذي يجري فيه الماء ومعناه قطع الاوداج والمبالغه في استيعاب قطعها وكل شيء وسعته فقد انهرته ومنه قول الشاعر يصف طعنة:
ملكت بها كفى فانهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها٥
والسن والظفر كل سن وكل ظفر كانا منزوعين أو غير منزوعين لا يجوز الذكاة بهما
والظرار واحدتها ظرر وهو حجر محدد صلب ويجمع الظرر ظرانا ومنه قول لبيد بن ربيعة:
بجسره تنجل الظران ناحية اذا توقد في الديمومة الظرر
_________________
(١) ١ متفق عليه: من حديث رافع بن خديج، وانظر إرواء الغليل برقم ٢٥٢٢. ٢ الظرار: حجر مضرس له حد كحد السكين. واحدته ظرة. ٣ حسن لغيره: أخرجه أبو داود ٢٨٢٤، والنسائي، وابن ماجه ٣١٧٧، وغيرهم، وانظر المصدر السابق ٨/١٦٦. ٤ الثرد: الذبيحة ذبحها بحجر أو عظم أو حديدة غير حادة فقتلها من غير أن يقطع أو داجها. ٥ البيت لقيس بن الخطيم ٣، وديوان المعاني ٢/٥١، وتأويل مشكل القرآن ١٧٤، وحماسة أبي تمام بشرح التبريز ١/١٧٨، وبشرح المرزوقي ١/١٨٤، والبحر المحيط ٨/١٨٤، واللسان نهر، وغيرها. وفي الديوان: ترى قائما من خلفها بدلا من: يرى قائم من دونها.
[ ٢٦٣ ]
وقوله: امر الدم بما شئت أي سيله واجره ومنه قيل مريت الناقه فانا امريها إذا مسحت ضرعها ليدر ومن روى امر الدم فمعناه اجعله كاللبن المرى تشخب إذا حلبت وقد رواه بعضهم امر الدم بما شئت أي اجره واسله يقال مار يمور مورا إذا جرى وسال وامرته انا وقال:
سوف تدنيك من لميس سبنتا امارات بالبول ماء الكراض١
الكراض: جمع الكرضه وهي حلقة الرحم للناقه والسبنتي: النمر والسبنتاء: الجزية. قال:
ان الذي مارت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد٢
يقول كل الذين قتلوا بفلج وفلج قريه من قرى اليمامه ومارت دمائهم أي سالت على الأرض من كثرتها يقال: امرت الدم اميره أي اسلته فمار أي سال.
وقوله: هم القوم كل القوم هذا تعجب من كرمهم وفضلهم وقوله الذي معناه الذين وقوله: كل ما افرى الاوداج غير مثرد يقول كل شيء من الظرار وشقة العصا إذا افرى الاوداج اي شقها وسيل دمها فهو غير مثرد والمثرد ما قتل بثقله وهشمه ولم يقتل بحده وشقه يقال افريت الثوب وغيره وإذا شققته وافريت الجلد إذا شققته تشقيقا ليس على وجه الصلاح والتقدير فإذا قدرت وقطعت على وجهه الصلاح فقد فريت وقال زهير:
ولأنت تفرى ما خلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفرى٣
_________________
(١) ١ البيت للطرماح كما في ديوان ٨١، والكامل ١/١٦٧، واللسان كرض، وغيرها كثير. ٢ البيت لأشهب بن رميلة، كما في اللسان فلج والمؤتلف والمختلف للآمدي ٣٨، ومجاز القرآن ٢/١٩٠، والبيان والتبيين ٤/٥٥، وسمط اللآئي ١/٣٥، والخزانة ٢/٥٠٨، وتأويل مشكل القرآن ٣٦١، والكتاب ١/٦٩، وشرح شواهد المغني ٢/٥١٧، وغيرها كثير. وبعده: هم ساعد الدهر الذي يتقي به وما خير كف لا ينوء بساعد ٣ البيت في ديوانه ٨٨، ومختارات ابن الشجري ٢/١٠، والكتاب ٢/٢٨٩، ٣٠٠، وشرح أبياته للنحاس ١٨٨، وتأويل مشكل القرآن ٥٠٧، والصناعتين ٣٨٦، والحيوان ٣/٣٨٣، وتفسير الطبري ١٨/٩، والبحر المحيط ١/٩٣، ٢/٤٦٥، واللسان فرا، وغيرها كثير.
[ ٢٦٤ ]
خلقت: قدرت يقول: إذا قدرت شيئا سويته ثم قطعته وغيرك لا يفعل كذلك.
قال: ولو وقع الصيد على جبل فتردى عنه كان مترديا لا يؤكل. والتردي: أن يقع من رأس جبل أو يطيح في بئر واصله من رديت أي رميت اردى رديا.
والمداة: حجر يرمى به ويكون تردى بمعنى هلك، من ردى يردى ردى، والمترديه في القرآن من رديت أي طرحت فتردى أي سقط، والموقوذة والوقيذة التي تقتل بشيء ثقيل مثل الحجر المدملك والعصا الضخمه.
[ ٢٦٥ ]