قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ ١ معنى يظاهرون ويتظاهرون واحد إذا ادغمت التاء في الظاء فصيرتا ظاء مشددة فقيل يظاهرون واصل الظهار مأخوذ من الظهر وخصوا الظهر دون البطن والفخذ والفرج وهي اولى بالتحريم لان الظهر موضع الركوب والمرأة مركوبه إذا غشيت فكأنه إذا قال أنت علي كظهر أمي أراد ركوبك للنكاح حرام علي كركوب أمي للنكاح فأقام الظهر مقام الركوب لأنه مركوب وأقام الركوب مقام النكاح لأن الناكح راكب وهذا من استعارات العرب في كلامها.
وأما قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ فقد اختلف أهل العلم في تفسيره فمنهم من قال أن الظهار كان طلاق أهل الجاهليه فنهوا في الإسلام عن الطلاق باللفظ الجاهلي وأوجب عليهم الكفارة إن طلقوا بالظهار.
ومعنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ في الجاهليه من الظهار وهذا حسن وكلام مستقيم ولكن سياق الكلام يدل على غير هذا وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ ولم يقل: والذين كانوا يظاهرون من نسائهم ثم يعودون.
ومعنى الكلام والله اعلم والذين يظاهرون منكم يا معشر المسلمين من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة فأوجب الكفارة بالظهار المبتدأ في الاسلام والعود لما قالوا
واختلف الناس في العود فمنهم من قال إذا جامع فقد عاد لما حرم وعليه الكفارة والله تعالى أمر بالتكفير قبل الجماع فهو ناقض لما تأول غير مستقيم فيه الا أن يكون العود لما قال غير الجماع وهو ما قال الشافعي: - ﵀ - من أن الظهار من المظاهر تحريم بالقول باللسان والعود لما قال امساك المرأة لأنه رجوع إلى ما حرم بالقول ويعودون لما قالوا وإلى
_________________
(١) ١ سورة المجادلة الآية٣.
[ ٢١٨ ]
ما قالوا واحد بمعناه الرجوع إلى ما قالوا من التحريم بالظهار بأن يمسك المرأة ولا يطلقها والتأويل الرجوع إلى ما حرموا وقال بعض الناس انه إذا ظاهر لم تجب الكفارة حتى يقول ثانية انت علي كظهر امي وهذا قول من لا يعرف العربيه ولا يعرج عليه وفيه قول الاخفش وهو أن يجعل لما قالوا من صله فتحرير رقبه والمعنى عنده والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون فتحرير رقبه لما قالوا أي من اجل ما قالوا ويجعل لما قالوا مقدما معناه التأخير وهذا القول جائز في اللغة الا أن فيه استكراها للتقديم والتأخير الذي يقع فيه.
وقوله ﷿: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ١ فيه إضمار أي فعليهم تحرير رقبة وكأن الظهار من طلاق أهل الجاهليه فأمر المسلمون بالا يطلقوا نساءهم بهذا اللفظ وابيح لهم تخليتهن باسم الطلاق والفراق والسراح واعلموا أن من طلق بلفظ الظهار في الاسلام فهو محرم لها بلا طلاق يقع عليها فإن اتبع الظهار طلاقا فقد طلق كما امره الله ولا شيء عليه وان امسكها ولم يطلقها لزمه لتحريمه اياها الكفارة للاثم الذي ركبه في تحريمه اياها بلفظ الظهار المنهى عنه.
وقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ١
الذين بالابتداء وخبره فعليهم تحرير رقبه ولم يذكر عليهم لان في الكلام دليلا عليه وقوله من قبل أن يتماسا كناية عن الجماع.
_________________
(١) ١ سورة المجادلة الآية ٣.
[ ٢١٩ ]