قال الله ﷿: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١ فجعل الشافعي - ﵀ - القروء الاطهار واحتج فيه بما روى عن عائشه وابن عمر وزيد بن ثابت ﵃ وباللسان وما ذكره من حججه قال أبو منصور: من جعل القروء من قولك قرأت الناقه أي حملت كما قال عمرو بن كلثوم:
هجان اللون لم تقرأ جنينا ٢
وكما قال حميد بن ثور
اراها غلاماها الخلا فتشذرت مراحا ولم تقرأ جنينا ولا دما٣
أي لم تحمل علقه ولا جنينا فقد جعل القرء طهرا وكذلك المرأة إذا طهرت حملت الدم الذي يرخيه الرحم فجمعته فسمى الطهر قرءا ذات الرحم الدم وجعل الاعشى الاقراء اطهارا في شعره حيث يقول:
مورثة مالا في الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا٤
فهذا هو الاكثر في كلام العرب واشعار المشهورين من الشعراء
ومن جعل الاقراء حيضا ذهب بها إلى الوقت يقال هبت الريح لقرئها وقارئها أي لوقت مهبها فجعل القرء حيضا لأنه يجيء لوقته واحتج بالحديث المروى عن
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية ٢٢٨. ٢ عجز بيت وصدره: ذراعي عيطل او ما بكر وهو من معلقته المشهورة النظر: شرح المعلقات للزوزنى ص ١٤٠ وغيره كثير. ٣ انظر قصيدته الميمية بأول ديوانه صنعة العلامة عبد العزيز الميمني رحمه الله تعالى وهناك تجد تخريجه. ٤ البيت في ديوانه ١٣٤، ومجاز القرآن ١/٧٤، وتفسير الطبري ٤/٥١٢- شاكر، وغيرهما كثير من كلمة له في مدح هوذة بن علي الحنفي، وقد ذكر فيها من فضائله ومآثره ما ذكر. ويقول له في هذا البيت: تعزيت عن كل متاع فهجرت نسائكفي وقت طهرهن فلم تقربهن وآثرت عليهن الغزو، فكانت غزواتك غنى في المال ورفعة في الذكر وبعدا في الصيت.
[ ٢٢٥ ]
النبي ﷺ: "دعي الصلاة ايام أقرائك أي ايام حيضك" ١.
وأخبرني المنذري عن ابن فهيم عن محمد بن سلام عن يونس بن حبيب انه سأله عن ثلاثة قروء فاختار الاطهار وقال أبو عبيد الاقراء من الاضداد في كلام العرب تكون الحيض وتكون الاطهار وقال أبو عبيده القرء يصلح للحيض والطهر قال واظنه من أقرأت النجوم إذا غابت وذكر عن ابي عمرو ابن العلاء قال القرء الوقت وهو يصلح للحيض ويصلح للطهر قال ويقال هذا قارئ الرياح لوقت هبوبها وأنشد:
شنئت العقر عقر بني شليل اذا هبت لقارئها الرياح٢
والذي عندي من حقيقة اللغة أن القرء هو الجمع وان قولهم قريت الماء في الحوض وان كان قد الزم الياء فهو بمعنى جمعت والقرء اجتماع الدم في البدن وإنما يكون ذلك في الطهر وقد يجوز أن يكون اجتماعه في الرحم وكلاهما حسن ليس بخارج عن مذاهب الفقهاء فإن كانت الاقراء تكون طهرا كما قال أهل الحجاز فإن الكتاب والسنه يدلان على انه اريد بها الاطهار لان الله ﷿ قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ٣ وامر النبي ﷺ ابن عمر أن يطلق امرأته حين تطهر حتى يكون مطلقا للعده كما امر الله ﷿. واخبرني المنذري عن ابي الهيثم انه قال القرء والعده والاجل في كلام العرب واحد وهذا الذي قاله أبو الهيثم صحيح بدلالة الكتاب والسنه واللغة المعروفه عند العرب فإن قال قائل انما امر النبي ﷺ ابن عمر أن يطلق امرأته في طهرها لان المرأة لا تستوعب الحيضه الاولى من حيضها حتى يتقدمها طهر وامر الله ﷿ بثلاثة قروء ولفظ الثلاثه يوجب استيعاب القروء بكاملها ومن جعل ذلك الطهر قرءا فقد خالف الكتاب وما توجبه اللغة من استيعاب
_________________
(١) ١ الأم للشافعي ٥/١٩٢. ٢ البيت لمالك بن الحارث الهذلي، كما في ديوان الهذليين ٣/٨١، وشرح أشعارهم للسكري ١/٢٣٩، وتخريجه في ٣/١٤٠٠. وشنئت: أبغضت، وشليل: جد جرير بن عبد الله البجلي، لقارئها: لوقتها، والعقر: القصر. ٣ سورة الطلاق، الآية ١.
[ ٢٢٦ ]
القروء الثلاثة لان المعتدة على قوله تعتد بقرأين كاملين وبعض قرء قال ولا يشبه قوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ قوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ لان لفظ العدد يقتضي الكمال ولو قال ثلاثة اشهر كانت كوامل.
فالجواب لما قال هذا القائل أن أهل النحو والعربيه من الكوفيين والبصرين اجمعوا أن الاوقات خاصه وان حصرت بالعدد جائز فيها ذهاب البعض وذلك كقولك له اليوم ثلاثة ايام مذ لم اره وإنما هو يومان وبعض الثالث وكذلك تقوم له اليوم يومان مذ لم اره وإنما هو يوم وبعض يوم وهذا غير جائز في غير المواقيت.
وقال الفراء في كتابه في معاني القران واعرابه في قول الله ﷿: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ١ قال وهي شوال وذو القعده وعشر من ذي الحجة.
قال وإنما جاز أن يقال اشهر وإنما هو شهران وعشر من ثالث لان العرب إذا كان الوقت الشيء جعلوه.
بالتسميه للثلاثه وللاثنين إن كانا كما قال الله ﷿: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ ٢ وإنما يتعجل في يوم ونصف وكذلك هو في اليوم الثالث من ايام التشريق ليس فيها شيء تام قال وكذلك تقول له اليوم يومان مذ لم اره وإنما هو يوم وبعض آخر قال وهذا ليس بجائز في غير المواقيت لان العرب قد تفعل الفعل في اقل من ساعه ثم يوقعونه على اليوم وعلى العام والليالي والأيام والايام فيقال زرته العام وأتيتك اليوم.
قال أبو منصور: فأرى الفراء لم يفرق بين الأشهر المتعريه من العدد وبين الثلاثه والأثنين وعلى هذا قول أهل النحو وهو قول الشافعي - ﵀ - وكان ابن داود ادخل على الشافعي في الثلاثة الاشهر ما قدمت ذكره وخالفه أهل اللغة فخطئوه فيما ذهب إليه وقول الشافعي بحمد الله صحيح من جهة اللغة وجهة الكتاب
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٩٧، وانظر: الطبري٤/١١٤-١٢١. ٢ سورة البقرة، الآية ٢٠٣.
[ ٢٢٧ ]
والسنة ولو لم يكن فيه الا ما قالت عائشة - ﵂ -: أتدرون ما الاقراء؟ إنما هي الاطهار لكان في قولها كفايه لان الاقراء منأمر النساء وكانت ﵂ من العربيه والفقه بحيث برزت على أكثرأصحاب رسول الله ﷺ حفظا وعلما وبيانا وفهماأنار الله برهانها ولقاها واباها رضوانه ومغفرته قال الشافعي: ولا تنكح المرتابه وان أوفت عدتها لانها لا تدري ما عدتها وان نكحت لم نفسخ ووقفنا أمرها فإن برئت من الحمل فهو ثابت وقد أساءت وإن وضعت بطل النكاح.
قال أبو منصور: أراد بالمرتابه: التي طلقت فشكت في حملها وحاضت في ذلك ثلاث حيض وهي مع ذلك مرتابه بالحمل فليس لها أن تنكح ما لم تدر ما عدتها لانها إن كانت حاملا فعدتها وضع الحمل وان لم تكون حاملا فعدتها الاقراء فما لم تستيقن البراءه من الحمل لم تتزوج.
واما قول الله ﷿: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ١ فهذا الارتياب غير الارتياب الذي قدمنا ذكره وقال أهل التفسير أنهم سألوا فقالوا قد عرفنا عدة التي تحيض فما عدة التي لا تحيض والتي لم تحض بعد فقيل لهم إن ارتبتم أي إذا ارتبتم فعدتهن ثلاثة اشهر والارتياب على هذا السؤال للمستفتين، وقال مالك وقد روى عن عمر ﵁ نزل هذا في المرأة ينقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها فعدتها ثلاثة اشهر وذلك بعد أن تمكث تسعة اشهر بمقدار الحمل ثم تعتد بعد ذلك ثلاثة اشهر فإن حاضت في هذه الثلاثه اتمت ثلاث حيض والا فقد انقضت عدتها ولها أن تتزوج.
وقول أهل التفسير أنها نزلت في التي لا تحيض من صغر أو كبر أصوب وبظاهر القران أشبه والله اعلم.
والاستبراء للأمة بحيضة إنما هو طلب براءتها من الحمل فإذا حاضت
_________________
(١) ١ سورة الطلاق، الآية٤.
[ ٢٢٨ ]
علم أنها برئت من الحمل الا أن يقع ارتياب بالحمل لعلامه تظهر من حركه في البطن مع الحيض فحينئذ تؤمر بالاحتياط والا تتزوج حتى تستيقن البراءه من الحمل.
واحداد المتوفى عنها زوجها هو منعها نفسها من الزينه والطيب وكل من منعته من شيء فقد حددته ومنه الحدود بين الارضين والحدود التي أنزل الله ﷿ تنكيلا للجانين وقيل للبواب حداد لمنعه الناس من الدخول. قال الشافعي: وتنتوي البدويه حيث ينتوي أهلها لان سكنى أهل الباديه أنما هي سكنى مقام غبطه وظعن غبطه١ وانتواؤها انتقالها مع أهلها إذا انتجعوا مرعى بعد مرعى يقال: حدت المرأة واحدت فهي حاد ومحد بغير هاء.
روى الشافعي في كتاب العدد في حديث عن مالك باسناد له أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينيها افتكحلهما؟ فقال النبي ﷺ: "لا مرتين أو ثلاثا انما هي أربعة أشهر وعشرا وقد كانت أحداكن في الجاهليه ترمي بالبعرة على رأس الحول" قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ قالت لزينب: كانت المراة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولم تمس طيبا حتى تمر بها سنه ثم تؤتى بدابة فتقبص به فقلما تقبص بشيء الا مات٢. قال أبو منصور: هكذا رواه الشافعي٣ تقبص بالباء والصاد.
قال الشافعي: الحفش البيت الصغير الذليل من الشعر والبناء وغيره والقبص أن تأخذ من الدابه موضعا باطراف اصابعها والقبض الاخذ بالكف كلها
_________________
(١) ١ نص الأم: وإن كان المتوفى عنها أو المطلقة طلاقا بائنا بدوية لم تخرج من منزل زوجها حتى ينتوي أهلها فإن انتوى أهلها انتوت وذلك أن سكن أهل البادية إنما سكنهم سكن مقام ما كان المقام غبطة. ٢ الام ٥/٢١٢، ٢١٣، وانظر: فتح الباري ٩/٣٩٩- ٤٠٠. ٣ انظر مسند الشافعي ص٣٠٠- ٣٠١، والموظأ لمالك ص٥٩٧- ٥٩٨، وهو حديث صحيح، ومتفق عليه.
[ ٢٢٩ ]
وروى عن الشافعي هذا الحرف عن مالك في هذا الحديث: فتفتض به فقلما تفتض بشيء الا مات بالتاء والضاد.
وسمعت المنذري يقول: سئل ثعلب عن قوله: تفتض بدابة إن شاة فقلما تفتض بشيء الا مات فقال ثعلب هذا كلام مستو ومعناه من الفض وهو الكسر يقول قلما تفتض بشيء أي تمسه وتنظر إليه بخروجها فتفضه بذلك الا مات. وقال القتبي: سألت الحجازيين عن الافتضاض فذكروا أم المعتدة كانت لا تغتسل ولا تقلم ظفرا وتنتف شعرا من وجهها ثم تخرج بعد الحول باقبح منظر ثم تفتض بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش كأنها تكون في عدة من زوجها فتكسر ما كانت فيه وتخرج منه بالدابة.
واخبرني المنذري عن ثعلب عن ابن الاعرابي قال الحفش البيت الصغير القريب السمك من الارض.
قال: وتحفشت المرأة على زوجها أي أقامت عليه ولزمته.
قال الأزهري: والدرج الصغير يقال له الحفش شبه البيت الصغير به. وقول ﷺ: "الا جلس في حفش أمة" من هذا.
قال الشافعي: وكل كحل كان زينة فلا خير فيه قال وكذلك الدمام. يقال للمرأه إذا طلت حول عينها بصبر أو زعفران قد دمت عينها تدمها دما وكذلك إذا طلت غير موضع العين وقال:
تجلو بقادمتي حمامة أيكة بردا تعل لثاته بدمام١
يعني النوور أنها طليت به حتى رسخ ويقال للقدر إذا طليت بالدم أو الطحال بعد الجبر قد دمت تدم دما وهي قدر مدمومة.
_________________
(١) ١ البيت في اللسان دمم بلا نسبة.
[ ٢٣٠ ]