باب القسمة والفيء
القسمة "١": ما أوجف عليه بالخيل والركاب فاخذ عنوه والايجاف مأخوذ من وجف الفرس يجف وجيفا إذا عدا واحضر واوجفته ايجافا والركاب: الرواحل التي تعد للركوب والغنيمه إذا حصلت عزل عنها الخمس لاهل الخمس المسمين في كتاب الله ﷿ واربعة اخماسها تكون للموجفين وهم المقاتله للفارس ثلاثة اسهم وللراجل سهم يقال غنم القوم الغنيمه يغنمونها غنما والغنم عند العرب ضد الغرم والاصل في الغنم الربح والفضل وللغنيمه عند العرب اسماء شتى منها الخباسه والهباله والغنامى والجدافاه يقال اختبست خباسه واهتبلت هباله واغتنمت غنيمه.
واما الفيء فهو المال الذي افاء الله على المسلمين ففاء اليهم أي رجع اليهم بلا قتال وذلك مثل الجزيه وكل من صولح عليه المسلمون من اموال من خالف دينهم من الارضين التي قسمت بينهم أو حبست عليهم بطيب من انفسهم وعلى من بعدهم من أهل الفيء كالسواد وما اشبههه وخراج السواد من الفيء واصل هذا من فاء يفيء إذا رجع ومنه قيل للظل من آخر النهار فيء لان الشمس فاءت عنه إذا رجعت والظل بالغداه وهو ما لم تنله الشمس.
واخبرني المنذري عن ابن فهم عن ابن سلام عن ابي عبيده قال قال رؤبه كل ما كانت عليه الشمس فهو فيء وظل وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل يعني الظل بالغداه وجمع الفيء افياء وفيوء.
واما الانفال فهي على ضربين سمى الله ﷿ الغنائم التي اوجف عليها المسلمون بخيلهم وركابهم انفالا واحدها نفل قال الله ﷿: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ "٢". وهي الغنائم
_________________
(١) ١ المراد: قسم الغنيمة. ٢ سورة الأنفال، الاية.
[ ١٨٧ ]
ها هنا وإنما سألوا عنها النبي ﷺ لأنها كانت حراما على من كان قبلهم كانت تنزل نار فتحرقها فأحلها الله تعالى لهذه الأمة تفضلا منه وتطولا"١" ولذلك سماها أنفالا لأن أصل النافلة والنفل ما تطوع به المعطى مما لا يجب عليه ويقال تنفلت بالصلاة إذا تطوعت بها.
والضرب الثاني من الأنفال ما نفل النبي ﷺ قاتل المشركين من سلبهم وقد نفل السرايا بعيرا بعيرا من الغنائم سوى سهمانهم ويقال أن تنفيله السرايا كان من خمسه وكل ذلك من فضل الله ﷿ فلذلك سميت انفالا، ورجل نوفل إذا كان كثير العطايا وأنشد أبو عبيده:
يأبى الظلامة منه النوفل الزفر"٢"
الزفر: الذي يحمل الحمالة. وفي حديث أبي قتادة أنه بارز رجلا من المشركين فضربه على حبل عاتقه ضربة فأعطاها النبي ﷺ سلبه قال فابتعت به مخرفا وأنه لأول مال تأثلثه. حبل العاتق عرق يظهر على عاتق الرجل ويتصل بحبل الوريد في باطن العنق وهما وريدان وقوله ابتعت به مخرفا يعني نخلا والمخرف في غير هذا الموضع الطريق ومنه قوله:"عائد المريض على مخارف الجنة".٣ وقوله: "إنه لأول مال تأثلته" أي اقتنيته واتخذته عقده تغل على ويبقى لي أصلها واثله كل شيء أصله.
وأفادني أبو الفضل عن ثعلب إن سئل عن قول الله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ ."٤"وعن قوله: ﴿وَاللَّهُ
_________________
(١) ١ على هامش المخطوطة. تفاؤلا. ٢ عجز بيت لأعشى باهلة، وصدره: أخو رغائب يعطيها ويسألها والبيت فرغنا منه في "الاشتقاق" للأصمعى.. ٣ صحيح: أخر مسلم "٢٥٦٨"، وأحمد "٥ / ٢٨٤،٢٨٣،٢٧٩،٢٧٧،٢٧٦ "، من حديث ثوبان. والمخرفة: سكة بين صفين من نخل يجتنى من أيهما شاء. ٤ سورة الأنفال، الاية ٤١
[ ١٨٨ ]
وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ "١". فقال: ادخل الله رسوله فيه تعظيما للنبي ﷺ الا ترى أنه يقول: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ "١".
والسلب: ما على القتيل من سلاحه واداته وإنما سمى سلبا لان قاتله يسلبه فهو مسلوب وسلب كما يقال نفضت ورق الشجر وخبطته والورق المخبوط خبط ونفض.
وقوله: "ويرضخ من الغنيمه قبل القسم لاهل الذمه والنساء وغير البالغين من المسلمين
أي يعطيهم شيئا قليلا دون سهام المقاتلين" وهو ماخوذ من الشيء المرضوخ وهو المرضوض المشدوخ.
قال الشافعي: "وينبغي للامام أن يتعاهد الخيل فلا يدخل الا شديدا ولا يدخل حطما ولا قحما ضعيفا ولا ضرعا ولا اعجف رازحا".
يقول: لا يدخل في الخيل التي يقسم لها الا فرسا ذا غناء يقاتل صاحبه عليه والحطم: الذي تحطم هزالا والفخم: الذي قد كبر حتى ضعف فصار كالشيخ الهم الذي لا حراك به والضرع الصغير الضعيف والرازح الذي هزل حتى لا حراك به.
وقوله: "وكلهم ردء لصاحبه" أي عون له وقد اردأته أي اعنته قال الله ﷿: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ "٢". أي عونا.
قال: "ويعطى المنفوس شيئا ثم يزداد كلما كبر على قدر مؤنته".اراد بالمنفوس المولود ساعة تضعه امه ويقال لامه نفساء وللمولود منفوس لانها وضعته نفسا أي دما.
وقوله: "وقد يكون الاخوه منفاضلي الغناء عن الميت فيسوى بينهم في الميراث وكذلك يسوى القسم بين من حضر الوقعة وان كان فيهم من يغني غاية الغناء".والغناء بفتح الغين والمد الكفايه والاجزاء يقال غنيت عنك مغنى فلان ومغناته وأجزأت عنك مجزأ فلان ومجزاته أي كفايته
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الاية ٦٢ ٢ سورة القصص، الاية ٣٤
[ ١٨٩ ]
وبلاءه والغزو: أصله الطلب يقال ما مغزاك من هذا الامر أي ما مطلبك منه وسمى الغازي غازيا لطلبه العدو وجمع الغازي غزاه وغزى على فعيل وغزى على فعيل وقد اغزى الرجل غيره بماله ونفقته إذا جهزه واغزاه إذا حمله على الغزو ويقال للناقه التي تلقح آخر الابل وتنتج آخرهن مغزيه لا تحمل صاحبها وقت النتاج على لبن غيره. اوالسريه: سميت سريه لانها تستخفي في قصدها فتسري ليلا وهي فعليه بمعنى فاعله يقال سرى الرجل بالليل واسرى لغتان ولا يكون السرى الا بالليل..
ولما حمل إلى عمر ﵁ كنوز كسرى نظر اليهم فقال اللهم اني اعوذ بك أن اكون مستدرجا فاني اسمعك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ "١".
قيل في تفسير قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ . أي سنأخذهم قليلا قليلا ولا نباغتهم وأصله من درج الغلام يدرج إذا مشى قليلا أول ما يمشي وقال أبو الهيثم امتنع فلان من كذا وكذا حتى جاء فلان فاستدرجه أي خدعه حتى حمله على أن درج في ذلك كما يدرج الصبي إذا دب واستدرجت الريح الحصى إذا هبت بها حتى صيرتها تدرج على وجه الأرض من غير أن ترفعه يقال درجت الريح بالحصى واستدرجته وفيه وجه آخر وهو أن يجعل الاستدراج من الادراج وهي الطي يقال ادرجت الثوب ادراجا يطوى على وجهه فكأن الكافر إذا عصى ربه واغتبط بما هو فيه فتح الله ﷿ عليه الدنيا وزينتها وطوى عنه خبر عاقبته وما اعد له من عقوبه فأخلد إلى الدنيا وسكن اليها ونسي الاخره وهو مسوق إلى اجله فطوى عنه خبر انقضاء مدته فذلك استدراجه.
قال الشافعي: "وانفق عمر ﵁ على أهل الرماده حتى احيوا".الرماده: سنه مجاعه كانت في خلافة عمر لقبت الرماده لما رمد فيها من الناس والحيوان أي هلك والرمد الهلاك يقال: رمد
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الاية ١٨٢، سورة القلم، الإية ٤٤
[ ١٩٠ ]
القوم وارمدوا إذا هلكوا وقال أبو وجزه"١":
صببت عليكم حاصبي فتركتكم كاصرام عاد حين جللها الرمد"٢".
الرمد: الهلاك.
وقوله: "حتى أحيوا" يقال للقوم إذا غيثوا ومطروا قد حيوا وذلك إذا عاشوا بالحيا وهو المطر فإذا اردت أن مواشيهم عاشت بالحيا وسمنت قيل احيوا.
قال الشافعي: قال الله ﷿: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ "٣". أما الشعوب والقبائل فقد مر تفسيرها والمعنى انا خلقناكم من آدم وحواء وكلكم بنو أب واحد وام واحده اليهما ترجعون في انسابكم. ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ "٣" يقول لم نجعلكم كذلك لتتفاخروا بآبائكم الذين موضوا في الشعوب والقبائل وإنما جعلناكم كذلك لتتعارفوا أي ليعرف بعضكم بعضا وقرابته منه وتوارثه بتلك القرابه ولما لكم من معرفة القبائل من المصالح في معاقلكم، ثم قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ أي ان أرفعكم منزلة عند الله أتقاكم، وفي هذه الآية نهى عن التفاخر بالانساب وحض على معرفتها ليستعان بها على حيازة المواريث ومعرفة العواقل في الديات والله اعلم.
وذكر الشافعي - ﵀ - أن معنى قوله: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ أي ليتعارف الناس في الحروب وغيرها فتخف المئونه عليهم باجتماعهم. قال أبو منصور: وما قاله الشافعي داخل في مصالح التعارف ولا يخرج منها ما قدمنا ذكره.
_________________
(١) ١ في الأصل: "أبو وخرة"، وهو تحريف، والصواب ماأثبته، وهو: يزيد بن عبيد من بنى سعد ابن بكر بن هوازن، كان شاعر مجيدا، وكان ثقة قليل الحديث، انطر ترجمته في "الشعر والشعراء" "٢/٥٩١"، ومشاهير علماء الأمصار لابن حبان برقم "٥٦٦". ٢ البيت في "إصلاح المنطق" "٥٦"، وتهذيبه "١/١٦٠"، واللسان "رمد"، وغيرها. يريد: أنه صيب عليهم الهجاء فأهلكهم بت كما هلكت عاد، وجعل هجاءه كالحاصب، وهى الريح التى فيها حصى صغار، وجللها الرمد: أى عمها الهلاك، وأصرام جمع صرم، أى بيوت مجتمعة، والرمد: يكون في العين. ٣ سورة الحجرات، الاية ١٣
[ ١٩١ ]
وذكر الشافعي بني أسد بن عبد العزى وانهم من المطيبين وقال بعضهم هم حلفاء من الفضول.
قال أبو منصور: روى الزهرى عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النبي ﷺ انه قال: "شهدت حلف المطيبين وما احب أن انكثه وان لي به حمر النعم" ١
قال شمر: سمعت ابن الاعرابي يقول المطيبون هم خمس قبائل عبد مناف كلها وزهره واسد بن عبد العزى وتيم والحارث بن فهر.
قال: والاحلاف خمس قبائل عبد الدار وجمح وسهم ومخزوم وعدى بن كعب سموا بذلك لان بني عبد مناف لما ارادوا اخذ ما في ايدي بني عبد الدار من الحجابه والرفاده"٢" واللواء والسقايه وابت بنو عبد الدار عقد كل قوم علىامرهم حلفا مؤكدا على الا يتخاذلوا فاخرجت بنو عبد مناف جفنه مملوءة طيبا فوضعوها لاحلافهم عند الكعبه ثم غمس القوم ايديهم فيها وتعاقدوا ثم مسحوا الكعبه بايديهم توكيدا فسموا المطيبين وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤهم حفا آخر مؤكدا على الا يتخاذلوا فسموا الاحلاف وقال الكميت يذكرهم:
نسبا في المطيبين وفي الاحلاف حل الذؤابه الجمهورا"٣
وقال غير ابن الاعرابي حلف المطيبين وحلف الفضول واحد وسمي ذلك الحلف حلف الفضول لأنه قام به رجال من جرهم اسم كل واحد منهم الفضل وهم الفضل بن الحارث والفضل بن وداعه والفضل بن فضاله والفضول جمع فضل كما يقال سعد وسعود.
_________________
(١) ١ صحيح: أخرجة أحمد "١/ ١٩٠، ١٩٣"، والبخارى في "الأدب المفرد" برقم "٥٦٧"، والبزار برقم "١٠٠٠"، والحاكم "٢/٢١٩ - ٢٢٠"، والشاشى في "مسنده" برقم "٢٣٨" من طرق عن الزهرى به.٠ ٢ في المخطوط: "الوقارة"، وهو تحريف، انظر اللسان "حلف". ٣ البيت في اللسان "٢/٩٦٤/منسوبا له" مادة "حلف".
[ ١٩٢ ]