الحج في اللغة: القصد وأصله من قولك حججت فلانا أحجه حجا إذا عدت إليه مرة بعد أخرى فقيل حج البيت لأن الناس يأتونه في كل سنة ومن قول المخبل السعدي١:
وأشهد من عوف حلولا كثيره يحجون سب الزبرقان المزعفرا٢
يقول: يأتونه مره بعد أخرى لسؤدده وسبه عمامته يقول وقال ثعلب حججته أي قصدته ومحجه الطريق هي المقصد قال الشيخ وسميت الحجه حجه لانها تحج أي تقصد لان القصد لها واليها وأما العمره فلأهل اللغة فيها قولان يقال اعتمرت فلانا أي قصدته قال العجاج:
لقد سما ابن معمر حين اعتمر مغزى بعيدا من بعيد وضبر٣
معناه: قصد مغزى بعيدا وضبر جمع قوائمه فوثب وقيل اعتمر زار يقال أتانا فلان معتمرا أي زائرا وقال أبو اسحاق انما خص البيت الحرام بذكر اعتمر لأنه قصد
_________________
(١) هو: ربيع بن مالك بن ربيعة ويكنى أبا زيد ولقبه المخبل وذلك لضعف كان في مفاصله شاعر فحل مخضرم عمر في الجاهلية والإسلام ومات في آخر خلافة عمر بن الخطاب وهو شيخ كبير انظر ترجمته في: " الشعر والشعراء" "٤٢٠" وهامشه.
(٢) البيت في "المجهرة" "١ / ٣١، ٤٩، ٣ / ٤٣٤" "والاشتقاق" "١٢٣، ٢٥٤" كلاهما لابن دريد والبيان والتبين "٣ / ٩٧" وتفسير الطبري "٢ / ٢٧ – بولاق" والمعاني الكبير لابن قتيبة "٤٧٨" وتهذيب الألفاظ "٥٦٣" وإصلاح المنطق "٤١١" وتهذيبه "٢ / ٢٥٩" والخزانة "٣ / ٤٢٨" والأغاني "١٢ / ٣٨" وتهذيب اللغة "٣ / ٣٨٨" وشرح أدب الكاتب للجواليقي "٣١٣" وللبطليوسي "٤٠٥" وسمط الآلي "١ / ١٩١" وغيرها كثير. وقبله: فهم أهلات حول قيس بن عاصم إذا أدلجموبالليل يدعون كوثرا الحلوب: جمع خلة ويجوز أن يكون جمع حال والسب: العمامة هذا مذهب ابن دريد وابن قتيبة والجاحظ والتريزي أما أبو عبيدة وقطرب فقالا في: "السب": هنا هي: الاست وقولهما هو الصواب وذلك لأن المخبل بذئ اللسان وكان من أهجي العرب
(٣) الشطران من قصيدة له في مدح عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي، ديوانه "١٩" و"تفسير الطبري" "٢ / ٢٧" وغيرهما. وقوله: "مغزى" أي غزوا وضبر: جمع قوائمة لثبت ثم وثب وهو يصف بعده جيش عمر ابن عبيد الله وكان فتح الفتوح الكثيرة وعظم أمره في قتال الخوارج. هامش الطبري "٣ / ٢٢٩ لمحمود شاكر"
[ ١١٧ ]
بعمل في موضع عامر فلذلك قيل معتمر وقد مر ذكر التلبيه وتفسيرها في ابواب الصلاة.
واما قوله: "لبيك إن الحمد والنعمة لك" فانه يجوز كسر الالف من إن الحمد وفتحها فمن كسر فهو استئناف كلام ومن فتحها أراد لبيك بأن الحمد لك والكسر اجودها والاهلال بالحج رفع الصوت بالتلبيه ومنه قيل للصبي إذا فارق امه أهل واستهل لرفعه صوته والاحرام الدخول في حرمة الحج والعمره اللذين يحرم فيهما الطيب والنكاح والصيد ولباس ما لا يحل لبسه.
قال الشافعي: في قول الله ﷿: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١.
قال: فالاستطاعة لها وجهان أحدهما أن يكون مستطيعا ببدنه واجدا من ماله ما يبلغه والوجه الاخر أن يكون مغصوبا في بدنه لا يقدر أن يثبت على مركب بحال والمغضوب الذي خيل اطرافه بزمانه اصابته حتى منعته عن الحركه واصله من عضبته اعضبه إذا قطعته والعضب شبيه بالخبل ويقال بنو فلان يطالبوننا بدماء حنبل والخبل قطع الايدي والارجل فيما ذكر ابن الاعرابي ومثله العضب ويقال للشلل يصيب الإنسان في يده ورجله عضب قاله ابن برى٢ وغيره.
وقال شمر: يقال عضبت يده بالسيف إذا قطعتها: ويقال: لا يعضبك الله ولا يخبلك وانه لمعضوب اللسان إذا كان عيبا فدما وفي مثل للعرب: "ان الحاجه ليعضبها طلبها"٣ قبل وقتها يقول يفسدها ويقطعها قال وتدعو العرب على الرجل فتقول ما له عضبه الله إذا دعوا عليه بقطع يده ورجله وقول الشافعي: "كان السلف يستحبون التلبيه عند اضطمام الرفاق" أي عند اجتماعهم وانضمام بعضهم إلى بعض وهو افتعال من الضم والرفاق جمع رفقه ورفقه وهي الجماعة
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ٩٧.
(٢) وفي اللسان: قاله أبو الهيثم
(٣) المثل في اللسان [عضب] والمراد: يطقعها ويفسدها.
[ ١١٨ ]
يترافقون فينزلون معا ويحتملون معا ويرتفق بعضهم بمعونة بعض.
وقوله وحرم المرأة في وجهها فلا تخمره وتسدل عليه الثوب وتجافيه عنه فتخميرها الوجه تغطيه وقد امرت الا تغطيه ما دامت محرمه وسدلها الثوب عليه أن ترسله ارسالا لا يلصق بوجهها ويكون سترا بينها وبين من ينظر اليها.
وقوله: "لا تحرم وهي غفل" أي لا تحرم الا وقد تقدمت قبل الاحرام بالاختضاب بالحناء وارض غفل لا اعلام فيها وبعير غفل لا سمة عليه وكره للمرأه ترك الخضاب لئلا تتشبه بالرجال ويكره لها التطاريف أي لا تخضب اطراف اصابعها ولكن تغمس اليدين في الخضاب غمسا.
وقوله: "ويجلس المحرم عند الكعبه وهي تجمر" أي تبخر بالعود قال النبي ﷺ في صفة أهل الجنه: "ومجامرهم الألوة" ١ أي بخورهم العود الجيد ويقال للعود نفسه مجمر ومنه قول الشاعر٢:
لا تصطلي النار الا مجمرا أرجا قد وقصت من يلنجوج لها وقصا٢
يصف إمرأة لا تصطلى نارا الا موقدة بالعود الهندي.
وقوله: أن ابن عباس دخل حمام الجحفه وهو محرم وقال ما يعبأ الله بأوساخكم شيئا معناه ما لأوساخ المحرمين عنده وزن فيبالى بها ومنه قول الله ﷿: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ ٣ المعنى أي وزن لكم لولا دعاؤه اياكم إلى توحيده اعذارا وانذارا ويقال ما عبأت بفلان
_________________
(١) صحيح: جزء من حديث طويل أخرجه مسلم "٢٨٣٤" وابن ماجه "٤٣٣٣" وأحمد "٢ / ٢٥٣" وغيرهم من حديث أبي هريرة.
(٢) هو: حميد بن ثور الهلالي والبيت كما في المصادر الآتية: البيت في" ديوانه" "١٠١ – صنعه الميمنى" والمخصص "١١ / ٢٣" والإصلاح "٨٧" وتهذيبه "١ / ٢٣٥" ومجالس ثعلب "١ / ١٨٣" واللسان [جمر، قص] . والبيت يصف امرأة لا تصطلي النار حتى يكون على النار ما تتبخر به والأرج: الطيب الريح واليلنجوج: العود الوقص: كسار العيدان.
(٣) سورة الفرقان الآية ٧٧.
[ ١١٩ ]
أي ما كان له عندي قدر ولا وزن والعبء الثقل مأخوذ من هذا وعبأت المتاع إذا جعلت بعضه على بعض.
وقوله: "المحرم إذا نظر إلى البيت يقول اللهم انت السلام ومنك السلام" فالسلام الاول اسم الله تعالى لان الخلق أجمعين سلموا من ظلمه.
وقوله: "ومنك السلام" أى من أكرمته بالسلام فقد سلم فحينا ربنا بالسلام أي سلمنا بتحيتك ايانا من جميع الافات.
واستلام الحجر يجوز أن يكون افتعالا من السلام وهو التحيه كأنه إذا استلمه أقترأ منه السلام وهو التحيه فتبرك به وهذا كما يقال لا بد لمن خادم له أن يختدم أي يخدم نفسه وأهل اليمن يسمون الركن الأسود المحيا وهذا يدل على أن استلامه من السلام الذي هو التحيه وكان التقيبي يذهب باستلام الحجر إلى السلام وهي الحجاره واحدتها سلمه وسلمه واستلمت الحجر إذا لمسته كما يقال اكتحلت إذا اخذت من الكحل وادهنت إذا اخذت من الدهن وسمعت المنذري يحكي عن ثعلب عن ابن الاعرابى قال الاستلام اصله استلام مهموز قال وأصله من الملأمه وهو الاجتماع.
وقال الشافعي: "استلام الركن باليد وإنما يستلم اليماني ولا يقبله ويقبل الأسود واستلامه واليمانى كأنه يسلم بيده عليه إذا صافحه" وقول الشافعي - ﵀ - دليل على القول الاول وهو الذي اختاره
والرمل في الطواف الجمز والاسراع ولذلك قيل لخفيف الشعر: رمل
الملبج والضافر والعاقص:
وقال عمر - ﵁ -: "من لبد أو ضفر أو عقص فعليه الحلق" فالملبد الذي لبد شعره يلزوق يجعله عليه حتى يتلبد ويلزق بعضه ببعض لئلا يشعث ولا يصيبه التراب والضافر الذي ادخل شعره بعضه في بعض كأنه نسجه نسجا عريضا كما يضفر الحبل المنسوج. والعاقص الذي لوى شعره ليا وادخل اطرافه في اصوله ومنه قيل للشاه الملتوية القرنين عقصاء وهي
[ ١٢٠ ]
عقائص المرأة وعقاصها واحدتها عقيصه وعقصه وإنما جعل عليه الحلق في هذه الاشياء دون التقصير لان هذه الاشياء تقي شعره من الشعث والغبار فجعل عليه الحلق عقوبة له.
"واشعار الهدى أن يطعن في أسنمتها بمبضع أو حديدة حتى يسيل منه الدم". وقيل له اشعار لأنه جعل علامه للهدى وكل شيء اعلمته بعلامه فقد اشعرته يقال للملك إذا اصيب وقتل وقد اشعر وكانت العرب تجعل دية الملك الف بعير إذا قتل ويقولون دية المشعره الف اقرع وكرهوا أن يقولوا قتل الملك فقالوا: اشعر.
وشعائر الله متعبداته واحدتها شعاره ويقال شعيره وإنما هي اعلام لطاعته وقيل في قول الله ﷿: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ ١ انها الهدايا المشعره أي المعلمه بتقليد أو تدمية وغيرها.
قال الشافعي: "ويضطبع للطواف" الاضطلاع افتعال من الضبع وهو العضد وكان في الأصل اضتبع فقلبت التاء طاء فقيل اضطبع وهو أن يدخل الرداء الذي يحرم فيه من تحت منكبه الايمن فيلقيه على عاتقه الايسر وهو التأبط والتوشح ايضا وحاشية المطاف ناحيته وقاصيته وحاشية كل شيء طرفه الاقصى وكذلك حشا كل شيء ناحيته وحشا الوادي ناحيته ومنه يقال حاشا لله إذا استثنى حاشا من الحشا وهو الناحيه وإذا استثنى شيئا فقد نحاه عما حلف عليه قاله أبو بكر ابن الانباري ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ ٢ بمنزلة معاذ الله وهو مأخوذ منه فيما ذكر أهل اللغة وقولهم اللهم اجعله حجا مبرورا أي حجا متقبلا يقال بر الله حجة يبره أي تقبله واصله من البر وهو اسم لجماع الخير وبررت فلانا ابره برا إذا وصلته وكل عمل صالح بر جعل لبيد البر التقوى فقال:
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٢.
(٢) سورة يوسف الآية ٣١.
[ ١٢١ ]
وما البر الا مضمرات من التقى وما المال الا معمرات ودائع١
قوله: "المضمرات" يعني به الخفايات من التقى وقوله: "وما المال الا معمرات" أي المال الذي في أيديكم ودائع مدة عمركم ثم يصير لغيركم وأما قول عمرو بن كلثوم:
نجذ رءوسهم في غير بر٢
فمعناه في غير طاعة قال شمر: الحج المبرور الذي لا يخالطه من المآثم شيء قال والبيع المبرور الذي لا شبهه فيه ولا كذب ولا خيانه ويقال بر الله حجه وابره وبرت يمينه تبر وابرها الحالف إذا لم يحنث فيها وفلان تبرر بعمله ونذره أي يطلب الطاعه لله والخير والفجور نقيض البر والفاجر الجائر عن الطريق وفجر الرجل إذا كذب وانشد:
قتلتم فتى لا يفجر الله عامدا ولا يجتويه جاره حين يمحل٣
أي لا يكذب الله ﷿ عامدا ويقال معناه لا يفجر امره فيميل عنه وجاء في تلبية أهل الجاهيه يبرك الناس ويفجرونك ومعنى يبرك الناس أي يطيعونك والاخرون يفجرونك أي يعصونك.
وقوله: "اجعله سعيا مشكورا" أي اجعله متقبلا يزكو لصاحبه ثوابه وهو معنى المشكور والسعي بين الصفا والمروه شبيه بالعدو والاسراع يقال سعى يسعى سعيا إذا عدا واسرع والسعي ايضا المشي والمضي ومنه قوله تعالى:
_________________
(١) البيت من قصيدته برقم "٢٤" وهي من جيد شعره والبيت في: الشعر والشعراء" "١ / ١٩٨" واللسان [عمر] . وانظر تخريجه في: "الديوان" "٣٧٨ – نشر الدكتور إحسان عباس".
(٢) صدر بيت من معلقته وعجزه: ولا يدرون ماذا يتقونا انظر: شرح المعلقات للزوزني "١٧٥" وجمهرة أشعار العرب "١٨٧" وغيرهما كثير.
(٣) البيت في " اللسان " [فجر] بلا نسبة.
[ ١٢٢ ]
﴿فَاسَعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ١ أي امضوا ومساعى الرجل أعماله الصالحة واحدتها مسعاة.
قال الشافعي: "واذا غربت الشمس يوم عرفه دفع الامام وعليه الوقار فإذا وجد فجوه اسرع" في الحديث أن النبي ﷺ كان إذا وجد فجوة نص وانه اوضع في وادي محسر معنى دفع أي مضى سائرا والفجوه ما اتسع من الأرض وجمعها فجوات وقال ابن الاعرابي رجل افجى وافج وهو المتباعد ما بين الفخذين الشديد الفجج اخبرني بذلك أبو الفضل عن ثعلب عنه قال وأنشد:
الله أعطانيك غير أجدلا لا هجرعا رخوا ولا مشكلا
ولا أصك أو أفج فنجلا٢
الفنجل، والأجدل، والنص:
الفنجل هو: الأفج أيضا والهجرع الجافي الغليظ والاجدل المائل العنق ومن هذا يقال رجل افجى إذا تباعد ما بين رجليه في مشيته والنص اقصى السير وهو ارفعه وكذلك نص البيان ابينه وارفعه واصله من نص السير وهو ارفعه وانتص الرجل إذا انتصب مرتفعا على الناس ومنه منصة العروس.
قوله: "اوضع في وادي محسر" أي: اعدى بعيره وركضه وقد وضع أي عدا يضع وضعا وانشد أبو عبيد:
إذا اعطيب راحله ورحلا فلم أوضع فقام على ناعى٣
قال الشافعي: "يرمي بما يقع عليه اسم حجر مرمر أو يرام أو كذان" فالمرمر الرخام الذي يخرط منه الالواح والعمد وتبلط به الدور وهو من الين الحجاره واقلها خشونه وكل حجر املس لين مرمر ومنه قيل للجاريه الناعمه مرموره ومرماره والبرام جمع البرمه ويجمع برما والذي يسويها يدعى مبرما والكذان الحجاره الرخوه التي تتفتت إذا حتت
_________________
(١) سورة الجمعة الآية٩
(٢) الشطران الأول والثالث في "اللسان" [فج] بلا نسبة.
(٣) البيت في اللسان [وضع] بلا عزو
[ ١٢٣ ]
الواحدة كذانه والصوان من الحجارة الذي إذا مسته النار فقع وتشقق وحصى الخذف الصغار مثل النوى يرمى بها بين اصبعين وقد نهى النبي ﷺ عن الخذف وقال: "لا تقتل صيدا ولا ينكأ عدوا" ١واما الحذف بالحاء فهو بالعصا.
قال الشافعي: "وان وقعت حصاة على محمل ثم استنت فوقعت في موضع الجمار اجزاه" واستنانها أن تمضي على حموتها من غير أن يدفعها صاحب المحل يقال استن فلان يعدو إذا مضى على سننه فلا يعرج يمينا ولا شمالا ومنه قول الشاعر يصف طعنة فاح دمها:
ومستنه كاستنان الخروف قد قطع الحبل بالمرود٢
اراد بالمستنه طعنه فاحت بدم شديد السيلان غالب والخروف المهر واستنانه مضيه في عدوه مستقيما واستنت الطعنه إذا فارت بدم غالب شديد السيلان.
وفي الحديث: "ان النبي ﷺ امر أم سلمه أن تعجل الافاضه". أي تعجل الدفع من منى إلى مكه للطواف قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ٣ أي ادفعوا سائرين يقال افاض البعير بجرته إذا دفعها وافاض الناس في الحديث إذا اندفعوا فيه والجمرات واحدتها جمره وهي مجتمع الحصى التي ترمى وكل كومه من الحصى جمره وجمرات العرب سميت جمرات لاجتماع كل قبيله منها على حده لا تحالف ولا تجاور قبيله اخرى وقال الاصمعي جمر بنو فلان يجمرون إذا اجتمعوا فصاروا البا على غيرهم وبنو فلان جمره إذا كانوا أهل منعه وشدة يقال عد فلان ابله جمارا إذا عدها مجتمعه وعدها نظائر إذا عدها مثنى مثنى قال ابن أحمر:
_________________
(١) متفق عليه: من حديث عبد الله بن مغفل.
(٢) البيت برجل من بني حارث وبعده كما في "اللسان" [خرف]: دفوع الأصابع ضرخ الشمو س نجلاء مؤسة العود والخروف: ولد الفرس إذا بلغ ستة أشهر أو سبعة
(٣) سورة البقرة الآية ١٩٩.
[ ١٢٤ ]
وظل رعاؤها يرعون فيها وإن عدت نظائر أو جمارا١
وجمر القائد الجيش إذا جمعهم في ثغر من الثغور فاطال حبسهم ولم يأذن لهم في القفول مأخوذ من هذا قال:
نك قد جمرتنا عن نسائنا وإومنيتنا حتى نسينا الأمانيا٢
وجمر ثوبه إذا بخره واجمر اجمارا إذا عدا عدوا شديدا وجمائر المرأة ضفائرها.
والنسيكة: الذبيحة وجمعها نسك والمناسك متعبدات الحجيج واحدها منسك ومنسك قال ابن الاعرابي النسيكة والصليجة السبيكة من الفضة المصفاة ومنه اخذ النسك لأنه صفا من الرياء.
وقوله: "ان تدارك عليه رميان" أي تتابعا عليه لتفريط كان في رمى الاول في وقته يقال تدارك القوم واداركوا إذا تتابعوا وهو لازم ومتعد يقال تداركته واداركته أي ادركته قال الله ﷿: ﴿حَتَّى إذا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ ٣ أي تتابعوا وكذلك ادرك لازم ومتعد وسمي اليوم الذي يلي يوم النحر يوم القر لان الناس يقرون فيه بمعنى لا يبرحونه وقيل لليوم الذي يليه يوم النفر الاول لان من أراد أن يتعجل الصدر نفر في ذلك اليوم نفر ينفر نفرا ونفورا ومن تأخر نفر في اليوم الثاني ويوم النفر الثاني بعد الاول ويوم القر بين يوم النحر ويوم النفر الاول سمي يوم القر لان الحجيج يوم الترويه وعرفه والنحر في تعب من الحج في الذهاب والمجيء فإذا كان الغد من يوم النحر قروا بمنى فلهذا سمي يوم القر وسميت المزدلفه مزدلفه لان الحاج إذا رفعوا من عرفه
_________________
(١) البيت في اللسان [جمر] معزوا إليه. والنظائر: أن تعد مثنى مثنى والجمار: جماعة.
(٢) البيت في "اللسان" [جمر] بلا عزو. ورواية صدره في اللسان هكذا: وجمرتنا تجمير كسرى جنوده
(٣) سورة الأعراف الآية ٣٨.
[ ١٢٥ ]
نزلوا بها وتزلفوا أي تقدموا اليها يقال زلفت القوم ازلفهم زليفا إذا تقدمتهم.
وفي الحديث: "ان النبي ﷺ اتى ببدنات خمس فطفقن يزدلفن" أي يقتربن ويتقدمن إليه وقال الله ﷿: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ ١ أي قدمنا وقربنا وزلف الليل ساعات اوله واحدتها زلفه ويقال للمزدلفه جمع ايضا ووداع البيت سمي وداعا لأنه اسم وضع موضع المصدر من ودعت وداعا وتوديعا واصل التوديع ترك الشيء قال الله ﷿: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٢ أي ما تركك ولا ابغضك والعرب قلما تقول ودعته بالتخفيف أي تركته ولكنهم يقولون دعه ولا تدعه ثم يقولون تركته بدل ودعته فالحاج يودع البيت ومشاعره بعد فراغه من مناسكه أي يتركها وينصرف إلى اهله وسميت حجة الوداع لان النبي ﷺ حج تلك الحجه ولم يعد إلى مكة بعدها.
البدنة والأشيب والهدى:
والبدنه سميت بدنه لسمنها وعظمها يقال بدن الإنسان يبدن فهو بادن إذا سمن وبدن يبدن تبدينا إذا اسن ويقال للرجل المسن بدن ومنه قوله:
هل لشباب فات من مطلب ام ما بكاء البدن الاشيب٣
الأشيب: يقول إذا شاب رأس الرجل بكى على شبابه لنفار النساء عنه فقال أي منفعة في البكاء على الشباب.
والهدى أصله الهدى مشدد من هديت الهدى أهديه فهو هدى ثم خفف
_________________
(١) سورة الشعراء الآية ٦٤.
(٢) سورة الضحى الآية ٣.
(٣) رواية عجز البيت في الديوان هكذا: أم ما بكاء البائس الأشيب والبيت في دياونه "٨" والاقتضاب "٣٧٤" والصحاح "٥ / ٢٠٧٧" ومقاييس اللفة "١ / ٢١١" وأدب الكاتب "١٢٠" والمخصص "١ / ٤٤" وإصلاح المنطق "٣٦٤" وتهذيبه "٢ / ١٨٥" وسمط اللآلئ "٢ / ٩٣٩" واللسان "بدن" ومعنى البيت: هل يطلب الشباب الماضي أحد على جهة التوجع والتفجع لفقد الشباب وقاتل البيت يعاتب نفسه على تحسرها على فقد الشباب.
[ ١٢٦ ]
فيقال هدى والواحد هديه وكلام العرب اهديت الهدى اهداء وهديت العروس هداء فهي هدى واهديت الهديه اهداء والبدنه لا تكون الا من الابل خاصة فأما الهدى فإنه يكون من الإبل والبقر والغنم.
المراهق:
قال الشافعي: "والمراهق إذا وطئ قبل عرفة ثم احتلم اتم حجه ولم يجز عنه" المراهق الذي قارب الحلم ولما يحتلم بعد وهو مأخوذ من قولك رهقت الشيء إذا غشيته ودنوت منه وقال الاصمعي في فلان رهق أي غشيان للمحارم وقال الفراء رهقني الرجل رهقا أي لحقني وغشيني والمرهق المتهم في النساء والمرهق المعجل ومنه قول الله ﷿: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ ١ أي لا تعجلني ويقال أيضا أرهق فلان صلاته إذا أخرها وقال الفراء: رهقني الرجل: لحقني.
الصرورة
قال: "ولا يحج الصرورة عن الرجل" الصرورة الرجل الذي لم يحج يقال رجل صرورة وامرأة صرورة إذا لم يحجا ويقال ايضا للرجل إذا لم يتزوج ولم يأت النساء صرورة قال النابغه:
لو انها عرضت لاشمط راهب عبد الاله صرورة متهجد٢
وقيل للذي لم ينكح صرورة لصره على ماء ظهره وابقائه اياه وقيل للذي لم يحج صرورة لصره على نفقته التي يتبلغ بها الحج.
وقال: "في جزاء الصيد في الارنب عناق" وهي الأنثى من أولاد
_________________
(١) سورة الكهف الآية ٧٣. ٢في الديوان: صرورة متعبد والبيت في "ديوانه" "٤١" واللسان "صرر" والشعر والشعراء "١ / ٩٦" و"ماتلحن فيه العامة" للكسائي "١٢٥" وغيرها من قصيدة أولها: امن آل مية رائح أو مغتد عجلان ذا زاد وغير مزود وهي في وصف المتجرده امرأة النعمان. الراهب: العابد والأشمط: الذي خالطه الشيب والصرورة الذي لم يتزوج.
[ ١٢٧ ]
المعزى قبل استكمالها الحول والجفره من اولاد المعزى التي فصلت عن امها والذكر جفر والحلان الذكر من اولاد المعزى إذا قوى وهو بمنزلة الجدي وقال بعضهم الحلان الحمل والارويه الأنثى من الوعول وجمعها اروى.
قال الشافعي: "في الارويه عضب ذكرا كان أو أنثى"١ العضب العجل الذي قد طلع قرنه وقيض عليه ولم يجدع وإنما يجذع الثور لتمام سنتين.
وقال في الظبي تيس من الغنم والتيس من اولاد المعزى الذي اتت عليه سنه وقوى على الضراب وإذا اثنى فهو تيس ايضا وذكر عن عثمان ﵁ انه قضى في أم حبين بجدى صغير وفي حديث آخر انه قضى فيها بحلان والحلان والجدي واحد وأما أم حبين فهي دابه من حشرات الأرض تشبه الضب ورأيت الاعراب يعافون أكلها وهي الأنثى من الحرابى سميت أم حبين لعظم بطنها وقال رجل من الحاضره لبدوي ما تأكون قال نأكل دب ودرج الا أم حبين قال لتهنأ أم حبين العافيه والأحبن من الناس الذي به السقى.
وقال الشافعي: - ﵀ -: "في الأصل إن كانت العرب تأكل الوبر ففيه جفره" قال ابن الاعرابي الوبر الذكر والانثى وبره وهي في عظم الجرذ الا انها انبل واكرم وهي كحلاء لها اطباء* وجمعها وبار وهي من جنس بنات عرس قال والجرذ الضخم من الفأر يكون في الفلوات ولا يألف البيوت.
قال الشافعي: "والحمام كل ما عب وهدر وان تفرق به اسماء فهو الحمام واليمام والدباسي والقماري والفواخت وغيرها" قال أبو عبيد سمعت الكسائي يقول الحمام هو البري الذي لا يألف البيوت قال وهذه التي تكون في البيوت هي اليمام قال:
_________________
(١) متفق عليه: من حديث عائشة رصى الله عنها انظر "الإرواء برقم "١٠٣٦" فقد أفاد وأجاد. * طحلاء: الطحل: هو لون بين الغبرة والبياض بسواد كلون الرماد أطباء: جمع طبي وطبى: وهي للحيوان الحلمات وعند الأنثى من الناس الثدي.
[ ١٢٨ ]
وقال الاصمعي كل ما كان ذا طوق مثل القمرى والفاخته واشباهها فهو حمام قال الأزهري ولا يهدر الا هذه المطوقات هديره تغريده ترجيعه صوته كأنه يسجع ولذلك يقال سجعت الحمامه إذا طربت في صوتها وأما عب الحمام فان البري والاهلي من الحمام يعب إذا شرب وهو أن يجرع الماء جرعا وسائر الطيور تنقر الماء نقرا وتشرب قطره قطره وتقول العرب إذا شربت الماء فاغنث ولا تعب معنى فاغنث أي اشرب نفسا من نفس ولا تعب أي لا تشربه بجرعة واحده لا تتنفس.
وفي الحديث: "أن النبي ﷺ رخص للمحرم في قتل الحداء والكلب والعقور" فالحداء بكسر الحاء مقصور مهموز الواحده حدأه وهو هذا المصرصر الذي يصيد الفأر ويقع على الجيف ويقال عقاب ملاع ايضا والحدأه حد الفأس بفتح الحاء وجمعها حدأ والرخمه طائر يأكل العذره ولا يصيد صيدا وجمعها رخم ولا يأكله احد ولا يجزيه المحرم إذا قتله والكلب العقور كل سبع يعقر مثل الاسد والنمر والفهد والذئب وذكر الحلم انه لا يجزى يقال للقراد اول ما يكون وهو صغير قمقام ثم يصير حمنانا ثم يصير قرادا ثم حلمه إذا سمن وكبر وجمعها حلم.
وقول الله ﷿: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ١ قال أهل اللغة يقال للرجل الذي يمنعه الخوف أو المرض من التصرف قد أحصر فهو محصر ويقال للذي حبس قد حصر فهو محصور وقال الفراء لو قيل للذي يمنعه المرض أو الخوف قد احصرلانه بمنزلة الذي قد حبس لجاز ولو قيل للذي حبس احصر لجاز كلام العرب هو الاول وعليه أهل اللغة وقول ابن عباس: "لا حصر الا حصر العدو"٢
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٩٦.
(٢) الخبر في "تفسير الطبري" "٤ / ٢٤ – طبعة دار المعارف"
[ ١٢٩ ]
ويدل على ما قاله الفراء١.
قال الشافعي: "إن كان الهدى شاة قلدها خرب القربة" خرب القربة والمزاده عراها واحدها خربة ويقال للثقب المستدير في الاذن خربة أيضا تشبيها بخربة المزادة قال ذو الرمة:
او من معاشر في آذانها الخرب٢
وقول الله ﷿: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ ٣ فكلوا منها يقول إذا نحرت البدن وذبح الهدى واسبطرت للموت وسقطت جنوبها فكلوا منها يقال وجب الحائط يجب وجبه إذا سقط ووجب القلب يجب وجيبا إذا اضطرب من الفزع ووجب البيع يجب وجوبا إذا انعقد.
_________________
(١) اسمه: أبو زكياء يحي بن زياد بن عبد الله الديلمي الفراء كان أبرع الكوفين في عملهم توفي سنة ٢٠٧ هـ. انظر: "طبقات النحويين" للزبيدي "١٣١ – ١٣٣" و"معجم الأدباء" لياقوت "٢٠ / ٩ – ١٤" وغيرهما.
(٢) عجز بيت، وصدره: كأنه حبشي يبتغى أثرا والبيت ضمن قصيدة طويلة جدا وهي من الملحمات انظرها في ديوانه وجمهرة أشعار العرب "٤٣٥ – ٤٤٩" والبيت في "اللسان" [خرب] وغيرها.
(٣) سورة الحج الآية ٣٦.
[ ١٣٠ ]