قال الشافعي: في باب من لا يرث "ومن عمى موته فانه لا يرث".
معناه: الرجل يسافر فيفقده ولا يوقف له على موت ولا حياة فيموت له موروث لم يورث المفقود الذى عمى موته منه ونحو ذلك قال محمد بن الحسن فيما حدثنا محمد ابن اسحاق عن علي بن خشرم انه سمع محمد بن الحسن يقول: "المفقود حي في ماله ميت في مال غيره"١ وهذا هو المعنى الذي ذهب إليه الشافعي.
والعصبة سموا عصبة لأنهم عصبوا بنسب الميت أي احاطوا به واستداروا فالاب طرف والابن طرف والعم جانب والاخ جانب والعرب تسمى قرابات الرجل اطرافه ولما احاطت به هؤلاء الاقارب قيل قد عصبت به وواحد العصبه عاصب على القياس مثل طالب وطلبه وظالم وظلمه وعصب القوم بفلان إذا استكفوا به وكل شيء استدار حول شيء واستكف به فقد عصب به ومنه قيل للعمامه عصابه لانها استكفت برأس المعتم والكلاله من دون الوالد والولد من القرابات يدخل فيهم الاخوه والاخوات والاعمام وبنو الاعمام ثم من دونهم من سائر العصبات سموا كلاله لتكللهم النسب يقال للواحد كلاله للجماعه كلاله لانهم سموا بالمصدر وتقع الكلاله على الوارث والموروث.
قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ ٢ نصب كلالة على الحال المعنى إن مات رجل في حال كلالته أي لم يخلف والدا ولا ولدا وورثه أخ أو أخت أو ماتت إمرأة كذلك وورثها أخ وأخت فلكل واحد منهما السدس وكذلك قوله عز جل: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ ٣
_________________
(١) إسناده ضعيف: وذلك لتدليس ابن اسحاق..
(٢) سورة النساء الآية ١٢.
(٣) سورة النساء الآية ١٧٦.
[ ١٧٩ ]
يعني من أب وأم ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ١ فكل من مات عن ورثة ولم يخلف فيهم أبا ولا ولدا فهو كلالة والكلالة في هاتين الآيتين الميت لا الوارث وقد يقال للورثه الذين يرثون الميت وليس فيهم أب ولا ولد كلالة أيضا الا ترى أن جابر بن عبد الله قال مرضت فأتيت النبي ﷺ وقلت إني رجل لا يرثني الا كلالة٢ فجعل الكلالة ورثته فأما الآيتان فالكلالة فيهما الموروث لا الوارث وهذه آيه غامضه وقد أوضحت لك من غامضها وجملة تفسيرها ما يقف بك على تفهمها إن شاء الله.
قال الشافعي: "وأكثر ما تعول به الفريضه ثلثاها". أصل العول الارتفاع والميل فالفريضه لما ارتفع حسابها عن أصلها وزادت على جذرها سميت عائله يقال عال الميزان يعول عولا إذا شال ومال قال أبو طالب يتميز وإن صدق لا يعل شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل. ومعنى قوله إن أكثر ما تعول به الفريضه ثلثاها إنها ترتفع من السته إلى العشرة فالأربعة الزائدة على الستة ثلثا السته ويقال عالني الشيء يعولني أي غلبني ومنه قولهم عيل صبره أي غلب صبره وروى عن النبي ﷺ انه قال: "يقسم المال بين أهل الفرائض فما بقي فهو لاولى رجل ذكر" ٣ أراد لاقرب رجل من ذكران الورثه إلى الميت والولاء والقرب٤ وليس قوله لاولى من قولهم هو أولى بهذا من فلان أي أحق.
_________________
(١) سورة النساء الآية ١٧٦.
(٢) انظر البخاري "٥٦٥١ – كتاب المرضى – باب عيادة المغمى عليه" ومسلم "١٦١٦ / ٥" وأبو داود "٢٨٨٦" والترمذي "٢٠٩٧" وتفسير النسائي برقم "١٥٤" وهامشه رواية جابر
(٣) متفق عليه: من حديث عبد الله بن العباس ﵄ وانظر تخريجه في "الإرواء" برقم "١٦٩٠".
(٤) فراغ بالمخطوطة مقدار كلمة. لعلها: "واحد".
[ ١٨٠ ]