ذكر قول الله ﷿: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال الشافعي: أي لا يكثر من تعولون.
قال أبو منصور: ذهب أكثر أهل التفسير إلى أن قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ معناه الا تجوروا ولا تميلوا واخرج ابن داود الأصبهاني على الشافعي في جملة حروف نسبة إلى الخطأ فيها من جهة اللغة وكان في جملة الحروف قوله - ﵀ - في الاقراء وما ذهب إليه وقد مضى فيها من الحجج ما يقنع وتبين فيها ما كشف خطأ ابن داود واتفاق أهل اللغة على غير ما ذهب اليه. وأما ما قاله الشافعي في قوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ بمعنى لا يكثر من تعولون فإن أحمد بن يحيى ثعلبا روى عن سلمه عن الفراء عن الكسائي أنه قال سمعت كثيرا من العرب يقول عال الرجل إذا كثر عياله ثم قال واعال أكثر من عال وإذا قال مثل الكساني في كثرته وثقته في عال انه يكون بمعنى كثر عياله ولم بخالفه الفراء ولا أحمد بن يحيى فهو صحيح ولغات العرب كثيره والشافعي لمن يقل ما قاله حتى حفظه وقد روى عن عبد الرحمن بن زيد بن اسلم مثل قوله والذي يقرب عندي في قول الشافعي: لا يكثر من تعولون انه أراد ذلك ادنى الا تعولوا عيالا كثيرا تعجزون عن القيام بكفايتهم وهو من قولك فلان يعول عياله أي ينفق عليهم ويمونهم ومنه قوله ﷺ: "وابدأ بمن تعول". فحذف العيال الكثير لان في الكلام دليلا عليه لان الله -﷿- بدأ بذكر: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ ١ جماعة تعجزون عن كفايتهن وهو معنى ما قاله الشافعي فلا مطعن لابن داود عليه فيه بحمد الله ومنه.
_________________
(١) ١ سورة النساء الاية ٣.
[ ٢٣٢ ]
وقوله: "يفرض لها في الصيف درع وملحفة".
اراد بالملحفه: ازار تلتحفه بالليل مثل الملاءه يقال تلحف فلان بملاءته إذا اشتمل بها ولم يرد الملحفة المحشوه فاعلم.
وقوله: "فإن كانت رغيبه فلها كذا وان كانت زهيده فعلت كذا" فالرغيبه الكثيرة الاكل والرزء من الطعام والرزء الاصابه من الطعام يقال انا أرزأ يوم رغيفا أي اصيب والرغب كثرة الاكل ورجل رغيب وامرأة رغيبه الموسع الكثير المال والمقتر القليل المال في قوله ﷿: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ ١ وأما قوله جل ذكره: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ٢ فمعناه انا جعلنا بينها وبين الأراضي سعة.
وقوله ولو أعطيناها بقول النساء ثم انفش اليس قد اعطيناها من ماله ما لم يجب عليه معنى انفش أي ذهب الريح الذي كان في البطن يقال للقربة إذا كان فيها لبن اوكيت عليه فامتلأت ريحا فششتها افشها فشا أي أخرجت ريحها منه وقد انفشت القربة إذا ذهب ريحها.
وقوله "إذا كانوا لا يغنون انفسهم". أي لا يكفونها والغناء الكفايه.
وقوله: "ومن أجبرناه على النفقه بعنا فيها العقار": العقار خيار المال من الضياع والنخيل ومتاع البيت ويقال انشدني عقار هذه القصيده أي انشدني خيار ابياتها وعقر الدار اصلها وعقرها ايضا واخبرني أبو الفضل المنذري عن ثعلب عن ابن الاعرابي قال عقار البيت ونضده متاعه الذي لا يبتذل الا في الاعياد والحقوق الكبار قال ويقال بيت حسن الاهره والظهره والعقار وكلام العرب في العقار ما وصفته ولا انكر أن يكون الشافعي أراد بقوله بعنا فيها العقار أي الضياع والدور دون متاع البيت فإنه اشبه بكلام المفتين في هذا الباب.
وقوله: "ويكون الولد مع أمه لأن الأم أحنى عليه
معناه أشفق عليه واعطف والحنو الشفقه والعطف والحدب.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية٢٣٦. ٢ سورة الذاريات، الآية٤٧.
[ ٢٣٣ ]
وقوله: "والجواري إذا كانت لهن فراهة وجمال". معنى الفراهه: ها هنا الوضاءة سمعت عن بعض العرب يقول فلانة أفره من فلانة عنى به صباحة وجهها وكذلك في الغلمان فلان افره غلماننا أي اوضؤهم وجها وجوار فرهه إذا كن ملاحا حسانا ولم ارهم يستعملون هذه اللفظه في الحرائر ويجوز أن يكون الاماء قد خصصن بهذا اللفظ كما خص البراذين والبغال والهجن دون عراب الخيل بالفاره والفراهه لا يقال للفرس العربي فاره ولكن يقال جواد وإنما يقال يرذون فاره وبغله فارهه والطعام الجشب الغليظ الذي لم يؤدم
وقوله ﷺ: "اذا كفى احدكم خادمه طعامه وولى حره ودخانه فليدعه فليجلسه معه فإن ابي فليروغ له لقمه" ١ قال أبو منصور: بلغني أن بعض من لا يعرف العربيه سئل عن قوله فليروغ له ذهب به إلى معنى الروغان ومعنى ترويغ اللقمه ترويتها بالسمن أو بالدسم قال أبو عمرو الشيباني يقال للرجل إذا روى دسم الثريده قد سغسغها وصغصغها وسغبلها وروغها ومرغها ولغلغها ومعمغها ورولها وأهنأها ومرطلها قال أبو منصور: وليس في هذه الحروف اعرف من روغها الا يتكلف تفسيره بما يشينه
وقوله "إذا أكل النقى٢ والوان الدجاج".
أراد بالنقى الحواري٣ ومنه حديث النبي ﷺ: "يحشر الناس يوم القيامه على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقى ليس فيها معلم لأحد" ٤ العفراء البيضاء ليست شديدة البياض
وقال: يطعم الناس إذا ما امحلوا من نقى فوقه ادمه أي من خبز محور.
وقوله: "ولا يجعل على امته خراجا الا أن تكون في عمل واجب".
_________________
(١) ١ الأم للشافعي ٥/٩٠. وتمامه: فليناوله إياه. ٢ النقي الخالص والمراد: البر سمن وجري فيه الدقيق. ٣ الحواري: الدقيق الجيد. ٤ متفق عليه: أخرجه البخاري ٦٥٢١، ومسلم ٤/٢١٥٠ برقم٢٧٩، وغيرهما من حديث سهل بن سعد.
[ ٢٣٤ ]
اراد بالخراج صريبة يضربها عليها لا يرضى منها بدونها كالضرائب المضروبه على ارض الخراج والخراج اصله الغله.
والعمل الواجب: الدائم أراد صناعة يخرج منها على الدوام ما توفره على مالكها مثل الخياطه والخرازه وغيرهما.
وقوله: إذا اجدبت الأرض فلم يكن فيها متعلق امر صاحب الماشيه ببيعها أو ذبحها.
العلقة والعرقة: من الشجر ما له أصل تتبلغ به المواشي في الجدوبه.
[ ٢٣٥ ]