أصل النيه مأخوذ من قولك: نويت بلد كذا أي: عزمت بقلبي قصده ويقال للموضع الذي يقصده: نية - بتشديد الياء - ونية - بتخفيفها - وكذلك الطيه والطيه قال ابن الاعرابي وانتويت موضع كذا: أي قصدته للنجعه انتواء ويقال للبلد المنوي نوى أيضا والنوى: الفراق ويقال: نواك الله أي حفظك الله وكأن المعنى: قصدك الله بحفظه إياك، فالنية: عزم القلب على عمل من الاعمال فرض أو غيره.
وقوله: "فيغرف غرفة لفيه وأنفه"١، فالغرفة: أن يغرف الماء بكفه مجموعة الأصابع مرة واحدة - هذا بفتح الغين - وأما الغرفه - بالضم - فالماء المحمول بالكف ومثله: خطوت خطوه واحده والخطوة ما بين القدمين وقول الله ﷿: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٢. فالمرافق واحدها: مرفق ويقال: مرفق لغتان وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه قال: المرفق: ما جاوز إبرة الذراع التي من عندها يذرع الذراع قال والقبيح رأس العضد الذي يلي المرفق قال: وزج المرفق ما بين القبيح وبين إبرة الذراع وهو المكان الذي يرتفق عليه المتكئ إذا ألقم راحته رأسه وثنى ذراعه واتكأ عليه وهو الحد الذي ينتهي إليه في غسل اليد والكعبان هما: المنجمان وهما العظمان النائتان في منتهى الساق مع القدم وهما ناتئان عن يمنة القدم ويسرتها وامرأة درماء الكعوب إذا كان اللحم قد غطى نتوء الكعب وهذا قول الأصمعي٣ وهو قول الشافعي ﵀.
فأما معنى قوله: ﴿إِلَى﴾ في قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ و﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فقد أخبرني المنذري عن أبي العباس أحمد بن يحيى أنه قال: "إلى" ها هنا
_________________
(١) مختصر المزنى ١ / ٦"
(٢) سورة المائدة الآية ٦.
(٣) انظر ترجمته في مقدمتي لكتاب: "الاشتقاق" له وهو قيد الطبع.
[ ٢٤ ]
بمعنى "من"١ واحتج بقول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ ٢ أي مع أموالكم وبقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى اللَّهِ﴾ أي: مع الله.
وقال الزجاج: "إلى" في هذا الموضع بمعنى مع غير متجه لما يكون تحديدا لأنه لو كان معنى الآية "اغسلوا أيديكم مع المرافق" لن يكن في المرافق فائده وكانت اليد كلها يجب أن تغسل من أطراف الأصابع الابط لانها كلها يد ولكن لما قال ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أمرنا بالغسل من حد المرافق إلى أطراف الأصابع كأنه لما ذكر اليد كلها أراد أن يحد ما يغسل مما لا يغسل فجعل حد المغسول المرافق وما وراء ذلك غير داخل في حد المرافق فالمرافق منقطعه مما لا يغسل من اليد وداخله فيما يغسل وهذا كما يقول الرجل: قطع فلان أصابع فلان من الخنصر إلى المسبحه فقد علمنا أنه أخرج المسبحه مما لم يقطع وأدخلها فيما قطع فان قال قائل: إن المرافق والكعبين غير داخله في الغسل لأن إلى نهاية واحتج بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ﴾ ٣ والليل غير داخل في الصيام فكذلك المرافق والكعبان غير داخله في الغسل قيل له: فرق بينهما ما قدمت ذكره وهو أن المرافق تحديد داخل في المحدود والمحدود الأيدي والليل غير داخل في محدود النهار لأن الليل غير النهار فهما مختلفان لهذا المعنى ولو أن رجلا قال: وهبت لك هذه المشجره من هذه الشجره وأشار إليها إلى أقصاها شجره لدخل ذلك كله في الهبه لدخول في محدود المشجرة قال أبو منصور: الأزهري: وهذا الذي قاله الزجاج صحيح وهو قول محمد بن يزيد المبرد.
_________________
(١) وله قول آخر ففي "مجالسه" ١/٢٢٦" قال: "إلى المرافق". قال: هي مثل "حتى" للغاية والغاية تدخل وتخرج يقال: ضربت القوم حتى زيدا يكون زيد مضروبا وغير مضروب فيؤخذ هاهنا وبالأوثق" اهـ. وانظر: "تفسير الطبري" ١ / ٢٩٨ – ٢٩٩"، ٦ / ٤٤٣، ٤٤٤" طبعة المعارف.
(٢) سورة النساء، الآية ٢.
(٣) سورة البقرة، الآية ١٨٧.
[ ٢٥ ]
النزعتان والإستطابة:
قال الشافعي: - ﵀ -: "والنزعتان من الرأس"١.
النزعتان: هما الموضعان اللذان ينحسر الشعر عنهما في مقاديم الرأس يقال: نزع الرجل ينزع نزعا فهو أنزع.
والاستطابه: الاستنجاء بالحجارة أو بالماء يقال للرجل إذا بال أو تغوط ثم تمسح بثلاثة أحجار أو بمدر قد استطاب فهو مستطيب وأطاب فهو مطيب.
قال الأعشى:
يا رخما قاظ على مطلوب يعجل كف الخارئ المطيب٢
يهجو رجلا شبهه بالرخم الذي يرفرف في السماء فإذا رأى إنسانا يتغوط انتظر قيامه من غائطه ثم نزل إلى الغائط فأكله وقوله: "قاظ على مطلوب" أي قام في القيظ وهو حمراء الصيف ومطلوب موضع. وأخبرني الأيادي عن شمر أنه قال: الاستنجاء بالحجارة مأخوذ من نجوت الشجره وأنجيتها واستنجيتها إذا قطعتها كأنه يقطع الأذى عنه بالماء أو بحجر يتمسح به قال: ويقال استنجيت العقب إذا خلصته من اللحم ونقيته منه وأنشد ابن الأعرابي:
فتبارزت فتبازخت لها جلسة الجازر يستنجى الوتر٣
_________________
(١) مختصر المزنى ١ / ٨ – طبعة دار الشعب".
(٢) الشطران في "ديوانه" ص ١٧٢" من ضمن أرجوزة قالها في مدح وائل بن شرحبيل بن عمرو، وقومه. ورواية البيت الأول في الديوان: يا رخما قاظ على ينخوب والينخوب: الجبان وبرواية الكتاب في: "اللسان" [طيب] .
(٣) البيت لعبد الرحمن بن حسان وهو من شواهد " اللسان " مادة [بزخ، ونجا] وقبله كما في [بزا] من "اللسان": سائلا ميه هل نبهتها آخر الليل بعرد ذي عجر
[ ٢٦ ]
البزا والأبزخ والأبزي:
قال: تبارزت: رفعت١ مؤخرها - يعني -: امرأه تيسرت لاتيانه إياها في مأتاها فتبازخ الرجل أي تطامن فأشرف حاركه والبزا: أن يستأخر العجز ويستقدم الصدر والأبزخ الذي في ظهره تطامن قال الفراء: الأبزي الذي قد خرج صدره ودخل ظهره. وجعل القتيبى الاستنجاء مأخوذا من النجوه وهو ما ارتفع من الأرض. فكان الرجل إذا أراد قضاء حاجته تستر بنجوة ثم قالوا: ذهب يستنجي وينجو وينجى قالوا: واستنجى الرجل إذا مسح أو غسل النجو عنه وقول شمر في هذا الباب أصح من قوله٢.
الرمة:
وفي حديث النبي ﷺ: "أنه نهى عن الروث والرمة في الاستنجاء" ٣.
والرمة - بكسر الراء -: العظام الباليه سميت رمة رميما لأن الإبل ترمها أي: تأكلها وجمع الرمة: رمم وقيل سميت رمة لأنها ترم أي تبلى إذا قدمت وأما الرم بغير هاء فهو مخ العظام يقال: ارم العظم فهو مرم أي صار فيه رم أي مخ لسمنه، والرمة – بضم الراء – الحبلى البالى.
وقوله: "ما لم يعد المخرج"٤ أي: لم يجاوز مخرج الأذى من الإنسان يقال: عداك الشيء أي جاوزك وعدوى الجرب مأخوذه منه لأن الجرب عندهم يعدى أي: يصير عاديا أي مجاوزا من الجرب إلى الصحيح الذي لا جرب فيه.
_________________
(١) في المخطوط: "دفعت" وهو تحريف.
(٢) انظر "اللسان" [نجا] . أي من قول القتيبي السابق. أما قول شمر فهو: وأرى الإستنجاء في الوضوء من هذا لقطعه العذرة بالماء.
(٣) مختصر المزنى ١/١١" والحديث عنده وسنده حسن وانظر "إرواء الغليل" ١/٨١ - ٨٢، ٨٥".
(٤) مختصر المزنى ١/١٢".
[ ٢٧ ]
وفي حديث آخر: "اذا استجمرت فأوتر وإذا استنشقت فانثر" ١
معنى الاستجمار: الاستنجاء بالحجاره مأخوذ من الجمار وهي: الحجاره فأوتر: أي تمسح بالوتر منها ثلاث أو خمس وقوله: "إذا استنشقت فانثر" أي: إذا أدخلت الماء في أنفك فأخرج منه ما يبس واجتمع من المخاط فيه، وقول الشافعي - ﵀ - فيما حكى عنه المزنى في العظم٢ أنه لا يجوز الاستطابه به لأن الاستطابه طهارة والعظم ليس بطاهر.
يقول القائل: كيف قال: والعظم ليس بطاهر وهو عند الشافعي وغيره من الفقهاء طاهر؟ فالجواب فيه أن المزنى نقل هذا اللفظ عن كتاب الشافعي في الطهارات على المعنى لا على ما لفظ به الشافعي - ﵀ - ولفظه ما أخبرنا به عبد الملك بن محمد البغوي عن الربيع عن الشافعي - ﵀ - أنه قال: "ولا يستنجي بعظم للخبر فيه فانه وان كان غير نجس فليس بنظيف وإنما الطهارة بنظيف طاهر". قال: "ولا أعلم شيئا في معنى العظم إلا جلد ذكي غير مدبوغ فانه ليس بنظيف وإن كان طاهرا فأما الجلد المدبوغ فنظيف طاهر فلا بأس أن يستنجى به". وهذا كله لفظ الشافعي٣، وظن المزني أن معنى النظيف والطاهر واحد فأدى معنى النظيف بلفظ الطاهر وليسا عند الشافعي ولا عند أهل اللغة سواء ألا ترى أن الشافعي جعل العظم والجلد إذا كانا غير مدبوغين طاهرين ولم يجعلهما نظيفين ومعنى النظيف عنده الشيء الذي ينظف ما كان من زهومه أو رائحة غمر كزهومة لحوم الحيوان وعظامها والأطعمه السهكه "*" والاشياء الكريهة الطعم والرائحه فهذه الأشياء وإن كانت طاهره فانها ليست بنظيفه ألا ترى أن الإنسان إذا أكل مرقه
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذي برقم ٢٧" وابن ماجه ٤٠٦" والنسائي برقم ٤٣" وأحمد ٤/٣١٣، ٣٢٩، ٣٤٠" وغيرهم من حديث سلمة بن قيس. والحديث مخرج في "كتاب الطهور" لأبي عبيد القاسم بن سلام بتحقيقي.
(٢) المرجع السابق ١/ ١٤"
(٣) انظر: "الأم" ١/ ١٩" "*" سهك بكسر الهاء سهكا: كانت رائحته كريهة ويقال: لحم سهك وسمك سهك.
[ ٢٨ ]
دسمة سهكة خبثت نفسه حتى يغسل يده وفمه بما ينظفهما من أشنان١ أو تراب أو غسول طيب فاراد الشافعي أن العظم وإن كان طاهرا فإنه كان في الأصل طعاما زهما غير نظيف في نفسه ولا منظف لغيره فلا يجوز الاستنجاء به لأنه في الأصل طعام وأما الجلد المدبوغ فان الدباغ قد غيره عن حالته التي كانت عليها خلقته فأثر فيه العطن وورق الشجر الذي دبغ به تأثيرا أذهب زهومته وطعمه وأفاد نظافة في حرمه ورائحته وإذا كان الدباغ يبطل حكم ميتيته لما يستفيد من روائح ورق الشجر وغيره فانه لزهومته أشد ازاله وله أشد تنظيفا فافهمه.
الإفضاء:
قال الشافعي: - ﵀ -: "والملامسه٢ أن يفضي بشيء منه إلى جسدها أو تفضي إليه لا حائل بينهما". الإفضاء على وجوه:
أحدها: أن يلصق بشرته ببشرتها ولا يكون بين بشرتيهما حائل من ثوب ولا غيره وهذا يوجب الوضوء عند الشافعي ﵀.
والوجه الثاني من الافضاء: أن يولج فرجه في فرجها حتى يتماسا وهذا يوجب الغسل عليهما وهو قول الله ﷿: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ ٣ أراد بالإفضاء الايلاج ها هنا.
والوجه الثالث من الإفضاء: أن يجامع الرجل الجاريه الصغيره التي لا تحتمل الجماع فيصير مسلكاها مسلكا واحدا وهو من الفضاء وهو البلد الواسع يقال جارية مفضاه وشريم إذا كانت كذلك٤.
_________________
(١) الأشنان: يشبه الصابون في عصرنا هذا.
(٢) في الأصل: "المدامسة" وهو تحريف والتصويب من "مختصر المزنى" ١ / ١٥" وانظر "الأم" ١/ ١٦ – ١٧".
(٣) سورة النساء الآية ٢١ وانظر "الطبرى" ٦/١٢٥ - طبعة شاكر".
(٤) انظر "اللسان" فضا".
[ ٢٩ ]
المني والمذي والودي:
وذكر الشافعي في الأحداث الناقضة للطهارة: المنى والمذى والودى١ فالمنى: هو الماء الدافق الذي يكون منه الولد سمي منيا لأنه يمنى أي: يراق ويدفق ومن هنا سميت منى لما يمنى بها من دماء أي: يراق يعني: دماء النسك٢ والمنى مشدود لا يجوز فيه التخفيف يقال منى الرجل وأمنى إذا دفق الماء.
وأما المذى: فهو ماء رقيق يضرب لونه إلى البياض يخرج من رأس الاحليل بعقب شهوة والمذى يشدد ويخفف والتخفيف فيه أكثر يقال: مذى الرجل وأمذى إذا سال ذلك منه.
وأما الودى - فهو بالدال غير معجمه - وهو ماء رقيق يخرج على إثر البول ولا يخرج بشهوه وهو مخفف٢ يقال ودى الرجل ولم اسمع فيه أودى ويقال ودى الفرس يدى وديا إذا أدلى وقال اليزيدى: يقال ودى الفرس ليبول وأدلى ليضرب روى ذلك عنه أبو عبيد.
وروى المزنى حديث النبي ﷺ قال: "العينان وكاء السه فإذا نامت٣ العينان استطلق الوكاء٤" التشديد في السه على السين للادغام والهاء خفيفه ومنه قول الشاعر٥:
_________________
(١) انظر: "مختصر المزنى" ١/٢٢".
(٢) انظر: "التنبيهات على أغلاط الرواة" ص ٢٤٤" لعلى بن حمزة.
(٣) في المخطوط: "فانت" وهو تحريف.
(٤) انظر: " مختصر الأم" ١/١٧ - للمزنى" والحديث حسن، ومن حديث على ابن أبي طالب. انظر: "الإرواء ١/١٤٨ – ١٤٩"
(٥) هو: أوس بن حجر. كما في "اللسان" و"ديوانه".
[ ٣٠ ]
وأنت السه السفلى إذا دعيت نصر١
نصر قبيلة من العرب فلذلك أنث فقال لهذا الرجل: أنت من أرذلهم إذا دعوا للمكارم للمساعى قال أبو عبيد: السه: حلقة الدبر قال: وأصل الوكاء الخيط الذي يشد به رأس القربه فجعل النبي ﷺ اليقظه للعين بمنزلة الوكاء للقربة فإذا نامت العينان استرخى ذلك الوكاء وكان منه الحدث والريح.
_________________
(١) عجز بيت، وصدره: شأتك قعين غثها وسمينها والبيت في "ديوانه" ٣٨" والفرق لقطرب ٦١" ولثابت ١/٩٦" واللسان [سته] . ومعنى البيت أنه في القوم - أي المهجو - بمنزلة الاست من الناس.
[ ٣١ ]