يقال للسرير إذا سوى عليه الميت وهيىء للدفن: - جنازة - بكسر الجيم ولا يسمى جنازه حتى يشد الميت مكفنا عليه وأما الجنازه بفتح الجيم١ فهو الميت نفسه يقال ضرب فلان حتى ترك جنازة وقد جنز الميت تجنيزا إذا هيئ امره وجهز وشد على السرير واصل التجنيز تهيئة الميت وتكفينه وشده على السرير.
قال الشافعي: "ويغسل الغاسل رأس الميت ولحيته ويسرحهما رفيقا"٢ أي يرجل شعرهما ترجيلا رفيقا واصل التسريح الإرسال والشعر يتلبد ويتعقد فيسترسل بالمشط ويقال للمشط المسرح والمرجل وصفحتا العنق وصفقاه ناحيتاه.
وقوله: "لا يفغر فاه" أي لا يفتحه يقال فغرت فاه ففغر أي فتحته فانفتح لازم ومتعد والماء القراح الخالص الذي لم يجعل فيه كافور ولا حنوط وفلان يشرب الماء القراح إذا خلا على الماء ولم يجد مأكولا والقراح من الأرض ما لا شجر فيها والقرواح البارز من الأرض الذي ليس فيه شجر ولا بناء يقال هذا مطر يذر منه البقل ولا يقرح فمعنى يذر منه البقل أي يطلع ويظهر وهو يذر من ادنى مطر ولا يقرح البقل الا من ثرى يكون قدر ذراع وتقريحه نبات أصله وظهور عوده.
وقوله ﷺ لهن حين القى اليهن حقوه: "أشعرنها اياه" ٣.
والحفوة والحقو الازار وجمعه حقى٤.
_________________
(١) وبكسرها أيضا اللسان [جنز]
(٢) مختصر المزنى "١ / ١٦٩ – ١٧٠" ٣ هو قطعة من حديث متفق عليه عن أم عطية ﵂. انظر: " أحكام الجنائز" "ص ٤٨ – للشيخ الألباني"
(٣) ويجمع أيضا على: "أحقاء وأحق وحقاء" انظر: "اللسان" [حقا]
[ ٨٩ ]
وقوله: "أشعرنها إياه" أي إجعلنه شعارها الذي يلي جسدها والحقو عند العرب الإزار الذي تؤزر به العوره ما بين السره والركبه وازار الليل ملاءة تجلل جسده كله.
وقوله في المحرم: "لا تخمروا رأسه" أي لا يغطى ومنه قول النبي ﷺ: "خمروا آنيتكم" ١ أي غطوها.
وقوله في عدد الاكفان: "ثلاثة أثواب بيض رياط"٢ فالرياط واحدتها ريطة وهي الملاءة البيضاء التي ليست بملفقه من شقتين.
وفي الحديث: "ان النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب سحوليه" ٣.
سحول - بفتح السين ٤- مدينه بناحية اليمن تحمل منها ثياب يقال لها السحوليه وأما السحول بضم السين فهي الثياب البيض واحدها سحل وقد يجمع سحلا كما يجمع رهن رهنا وسقف سقفا وقال الشاعر٥:
كالسحل البيض جلا لونها هطل نجاء الحمل الاسول٦
الحمل السحاب الأسود والاسول الذي قد استرخت نواحيه على الأرض وقوله جلا لونها أي كشف لونها النجاء جمع النجو وهو
_________________
(١) هو قطعة من حديث متفق عليه من حديث جابر ﵁.
(٢) مختصر المزنى "١ / ١٧٣"
(٣) جزء من حديث متفق عليه من حديث عائشة ﵁، وانظر: "أحكام الجنائز" "ص ٦٣".
(٤) في "اللسان" [سحل]:بضم السين والحاء المهملة ومنها قول طرفة بن العبد [ديوانه: ٧٩]: وبالسفح آيات كان رسومها يمان وشته ريدة وسحول وريدة وسحول: قريتان باليمين وانظر: معجم البلدان [سحل]
(٥) هو مدخل الهذلي.
(٦) البيت في: "ديوان الهذليين" وشرح أشعارهم للسكري "٣ / ١٢٥٨" وتهذيب الألفاظ "٣٦٦" وأمالي القالي" ٢ / ١٢٤" والمخصص "٤ / ٧١، ٩ / ١٠٠" واللسان "حمل – سحل" وعجزة في "الملاحن" لابن دريد "ص ٢٦" وشرح ما يقع فيه التصحيف "ص ٢٧٧" وشرح الحماسة للمرزوقي "ص ١٧١٥ – عبد السلام هارون وآخر" وغيرها. وفي جميع ماتقدم: "سح" بدلا من "هطل".
[ ٩٠ ]
السحاب الذي قد هراق ماءه وجمعه نجاء وهطله: صبه الماء
وقوله: "وتجمر الاكفان بالعود حتى يعبق بها" أي تبخر به على النار حتى تلصق رائحته الطيبه بها يقال عبق به رائحة الطيب أي لصق قال طرفه:
ثم راحوا عبق المسك بهم يلحفون الأرض هداب الازر١
يريد عبق رائحة المسك لا انه عبق نفس المسك به
وقول المزني: "هذا أحسن في كرامته من انتهاك حرمته" أي من المبالغه في تناول حرمة عورته وكشفه وهو افتعال من النهك يقال انهكه عقوبه أي بالغ في عقوبته ويدخل في الحنوط الكافور وذريرة القصب والصندل الأحمر والأبيض ويقال للزرع الذي بلغ أن يحصد حنط الزرع واحنط وكذلك الرمث والغضا إذا ابيضا بعد شدة الخضره فهو حانط وأنشد شمر:
تبدلن بعد الرقص في حانط الغضا أبانا وغلانا به ينبت السدر٢
تبدلن يعني الابل كانت في بلد مكلئ ترقص فيه من النشاط فوقعت إلى بلد كرهته.
قال الشافعي: ٣ - ﵀ -: "ويوضع الميت من الكفن بالموضع الذي يبقى من عند رجليه منه اقل مما عند رأسه ثم يثنى عليه صنفة الثوب الذي يليه" صنفة الثوب زاويته وكل ثوب مربع له اربع صنفات وهي زوايا الازار والملاءه وقيل صنفة الثوب طرته وروى الشافعي: ان النبي ﷺ
١- البيت في "ديوانه" "ص ٥٥" ومختارات ابن الشجري "١ / ٣٦" و"البلاغة" للمبرد "ص ٨٤" والبديع لأسامة بم منقذ "٢٢٣" والعقد الفريد "٥ / ٣٥٩" واللسان "عبق لحف" والمخصص "١١ / ٢٠٤" من قصيدة له يصف أحواله وتنقلة في البلاد ولهوه وأول القصيدة:
أصحوت اليوم أم شافتك هر؟ ومن الحب جنون مستعر
يلحقون الأرض: يغطون الأرض بجر ذيولهم عليها كبرا الهذاب: الخيوط التي تبقى في طرفي الثوب من عرضيه دون حاشيتيه الأرز
الواحد: ازار كل ثوب يؤتزر به أي: يستتر به.
_________________
(١) البيت في "اللسان" [حنط]: بلا نسبة.
(٢) مختصر المزنى "١ / ١٧٤".
[ ٩١ ]
سطح قبر ابنه ابراهيم ووضع عليه حصباء من حصباء العرصه، فاما تسطيحه فتسويته مربعا مرفوعا عن وجه الأرض كما يسطح السطح المربع والحصباء ما صغر من الحصى والريح الحاصب التي ترمي بالحصباء والعرصه عرصة الوادي وهي كل جوبة منفتقه يجمع السيل فيها الحصى الصغار.
وقوله: "فإن اشتجروا في الكفن فثلاثة اثواب إن كان وسطا ومن الحنوط لا سرفا ولا تقصيرا" اشتجروا يعني الورثه أي تشاحوا واختلفوا وتنازعوا إن كان وسطا إن كان بين الغنى والمقل والسرف ما جاوز القدر المعروف مثله والسرف الخطأ ايضا يقال اردتكم فسرفتكم أي اردت اتيانكم فأخطأتكم.
والشهيد: الذي قتله المشركون في المعركه سمى شهيدا لان الله ﷿ ورسوله ﷺ شهدا له بالجنه قال ابن شميل الشهيد الحي تأول قول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ١ وقيل: سمى شهيدا لان ملائكة الرحمه تشهده فترفع روحه وقيل بل سمي شهيدا لأنه من جملة من يستشهد يوم القيامة على الامم الخاليه قال الله ﷿: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٢ فهو على التأويل شهيد بمعنى شاهد.
واما الشهيد من اسماء الله ﷿ فهو الامين في شهادته وقيل هو الذي لا يغيب عنه شيء وقيل سمي شهيدا لسقوطه بالارض والارض تسمى الشاهده يقال استشهد فلان إذا قتل شهيدا.
واما قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٣ فمعناه اشهدوا شاهدين يقال استشهدت فلانا إذا سألته اقامة شهادة احتملها لك.
ومعترك القتال: مزدحم الحرب والعراك الزحام وذلك أن بعضهم يعرك بعضا ضربا وقتلا.
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ١٦٩.
(٢) سورة البقرة الآية ١٤٣.
(٣) سورة البقرة الآية ٢٨٢.
[ ٩٢ ]
قال الشافعي: "ويضع ياسرة السرير المقدمة"١ وإن شئت المقدمة فمن قال المقدمة فمعناها المتقدمة منه قوله ﷿: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ ٢ أي لا تتقدموا يقال: قدم وتقدم واستقدم بمعنى واحد ومقدمه الجيش بكسر الدال من هذا من قال المقدمه أراد التي قدمت.
وقوله في الدعاء للميت: "وقد جئناك راغبين اليك شفعاء له" أصل الشفع الزياده قال الله ﷿: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ ٣ أي يزيد عملا إلى عمل وعين شافعة تنظر نظرين فكأن المصلين على الميت إذا دعوا له طلبوا أن يزاد بدعائهم رحمة إلى ما استوجب منهم بعمله أو بتوحيده.
وقال النبي ﷺ: "شفاعتي لاهل الكبائر من امتي" ٤ وهي للموحدين الذين ارتكبوا الكبائر يشفع لهم النبي ﷺ أن يعفى لهم عن ذنوبهم ويزدادوا كرامة على ما استوجبوا بتوحيدهم خالقهم ﷿ والله اعلم
٢٥١ - وقوله الاشحاء من ولده واهله
أي الاضناء كانوا بحياته المشفقين عليه واصل الشح البخل وواحد الاشحاء شحيح
٢٥٢ - وقوله إن عفوت عنه فاهل العفو أنت
معناه إن تفضلت بالعفو عن ذنوبه فاهل الفضل انت وقال ابن الاعرابي في قوله
سلوا الله العفو والعافيه والمعافاه قال العفو عن الذنوب والعافيه من الاسقام والمعافاة يريد ما بينك وبين الناس من المظالم أي سلوه أن تعفوا عنهم ويعفوا هم عنكم قال والعافيه تكون من الاوجاع وتكون من عذاب جهنم
وروى عن جعفر بن محمد ﵁ انه قال العافيه موجودة مجهولة والعافية معدومة معروفة أراد بقوله العافيه موجوده مجهولة أن الناس عرفوا لم يعرفوا قدرها حتى
_________________
(١) انظر: "مختصر الأم" "١ / ١٧٩" ٢سورة الحجرات الآية ١
(٢) سورة النساء الآية ٨٥.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود "٤٧٣٩" وغيره من حديث أنس وانظر تخريجه في " السنة " لابن أبي عاصم برقم "٨٣١ – ٨٣٢"
[ ٩٣ ]
يبتلوا و"العافيه معدومه معروفه" يعني المبتلي ببليه يعدم معها العافيه فحينئذ يعرف قدرها.
وقوله: "اللهم اشكر حسنته" أي اشكر أعماله الحسنة باثابته عليها أضعافها "واغفر سيئته" أي غطها بغفرانك لها و"اعذه من عذاب القبر" أي اجره وآمنه منه.
وقوله: "اللهم اخلفه في تركته في الغابرين" أي كن خليفته فيمن اخلف من أهاليه حيطة وشفقة وقياما بامرهم والغابرون الباقون.
وقوله: "وارفعه في عليين" أي ارفعه في منازل الابرار من أهل الجنه التي هي في اعلى المنازل والدرجات والعليون من نعت المنازل واحداها على وجمعت على النون وكان حقها أن تجمع على العلالي لانها غير محدوده الواحد وهو كما يقال اطعمنا مرقة مرقين وقنسرين.
وروى الشافعي الحديث المرفوع: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا"١ قال الشافعي: "الهجر يدخل فيه الدعاء بالويل والثبور والنياحه" قال الازهري: الهجر في كلام العرب ما يستفحش من الكلام يقال اهجر الرجل في منطقه اهجارا وهجرا إذا افحش فإذا قالوا هجر يهجر هجرا فمعناه الهذيان٢.
وقوله والمعول عليه يعذب قال شمر العويل الصياح والبكاء يقال اعول اعوالا وعويلا وعول تعويلا إذا صاح وبكى وانشد:
فهل عند رسم دارس من معول٣
_________________
(١) حسن: رواه الحاكم "١ / ٣٧٦" عن أنس بإسناد حسن
(٢) ومنه قول الشماخ [دياونه: ١٣٥]: ممجدة الأعراق قال ابن ضرة عليها كلاما جا فيه وأهجرا
(٣) عجز بيت لامرئ القيس وصدره: وإن شفائي عبرة مهراقة والبيت من معلقته وديوانه "ص ٣١" و"جمهرة أشعار العرب" "١٢٤" و"شرح المعلقات السبع" للزوزي "ص ٧" و"تفسير الطبري" "٣ / ١٢٧، ١٢ / ١٣٦" وغيرها كثير. المهراق: المصبوب، المعول: المبكي، والعبرة: الدمع، وانظر شرحه في "المعلقات" وغيره كثير.
[ ٩٤ ]
أي من مبكي وقيل: من مستغاث ومعتمد وكان أهل الجاهليه يوصون مخلفيهم بالنياحه وشق الجيوب والنعي بذكر مآثرهم فكأنهم استحقوا التعذيب بوصاتهم ويدل على ذلك قول طرفه:
اذا مت فانعيني بما انا اهله وشقى على الجيب يا ابنة معبد١
والتعزيه: التأسيه لمن يصاب بمن يعزو عليه وهو أن يقال له تعز بعزاء الله وعزاء الله قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ إذا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ٢ وكقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرض وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ ٣ من إلى قوله: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ ٤ ويقال: لك أسوة في فلان فقد مضى حميمه واليفه فحسن صبره والعزاء اسم اقيم مقام التعزيه.
ومعنى قوله تعز بعزاء لله أي تصبر بالتعزيه التي عزاك الله بها مما في كتابه واصل العزاء الصبر وعزيت فلانا أي أمرته بالصبر.
_________________
(١) البيت في ديوانه "٣٩" وهو من معلقته وفيه يوصى ابنة أخيه أن تبكيه وتشق جيبها عليه وتشيع خبر موته بالثناء عليه وأن تعدد مفاخرة وفي البيت مخالفات شرعية منها شق الجيوب وقد نهى رسولنا الأعظم ﷺ عن هذه الفعلة القبيحة.
(٢) سورة البقرة الآية ١٥٦.
(٣) سور الحديد الآية ٢٢
(٤) سورة الحديد الآية ٢٣.
[ ٩٥ ]