وقال الشافعي﵀ -: فان بارز مسلم مشركا على الا يقاتله غيره وفي له بذلك فان ولى عنه المسلم أو جرحه فاثخنه أي تركه رقيدا لا حراك به مجروحا لا يقوم هذا معنى الاثخان.
قال: ولا يقتل مبارز المشركين الا أن يستنجدهم أي يطلب معونة المشركين على المسلمين يقال استنجدني فانجدته أي استعان بي فاعنته.
قال الشافعي: ولما جمع رسول الله ﷺ سبى هوازن واموالهم جاءت هوازن وكلموه وسألوه أن يمن عليهم وقالوا انا لو كنا ملحنا من نأى نسبه عنا لنظر لنا وانت احق المكفولين
فخيرهم النبي ﷺ بين السبي والمال فقالوا خيرتنا بين احسابنا واموالنا فنختار احسابنا١.
أما قوله: لو كنا ملحنا فمعناه ارضعنا وكان النبي ﷺ مسترضعا في هوازن فدكروه حق الملح وهو الرضاع فأجابهم إلى ما طلبوا.
وقوله: انت احق المكفولين أي احق من كفل في صغره وارضع وربى حتى يشأ قال الله ﷿: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ٢ أي يقوم بأمرها
وقوله خيرتنا بين احسابنا واموالنا فاخترنا احسابنا فالاحساب جمع الحسب وهو مأثرة الرجل وما يعد من مكارمه سمى ذلك حسبا لان المفاخر منهم إذا ذكر مفاخره عدها فالحسب بمنزلة المحسوب كالعدد بمنزلة المعدود كالخبط والنفض بمنزلة المخبوط والمنفوض وكان في السبي اطفال
_________________
(١) ١ صحيح: أخرجه البخاري ٢/٦٢- ٦٣، وأحمد ٤/٣٢٦، وأبو داود ٢٦٩٣. عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة. ٢ سورة آل عمرآن، الآية ٤٤.
[ ٢٥٩ ]
اولادهم وحرمهم ولو اختاروا اموالهم عليهم لعيروا بذلك فعدوا استنقاذهم من الاسار مفخرا لهم ومأثره تحسب لهم ولذلك قالوا نختار احسابنا على اموالنا.
وقال ابن السكيت الحسب والكرم يكونان في الرجل وان لم يكن له آباء لهم شرف ورجل حسيب كريم بنفسه وقال والمجد والشرف لا يكونان الا بالاباء يقال رجل شريف ورجل ماجد له آباء متقدمون في الشرف ويقال افعل ذلك على حسب ذلك أي على قدر ذلك.
قال الشافعي: انتوت قبائل من العرب قبل أن يبعث الله ﷿ محمد ﷺ فدانت دين أهل الكتاب فاخذ النبي ﷺ الجزيه من اكيدر دومه وكان من كنده ومن أهل نجران وفيهم عرب. معنى انتوت أي انتقلت من باديتها إلى أهل القرى فدانت بدين أهل القرى من اليهوديه والنصرانيه فأخذ النبي ﷺ منهم الجزيه وتركهم على دينهم كما ترك أهل التوراه والانجيل من بني اسرائيل قال الأزهري دومه ودومه لغتان١.
قال وان آوى أهل الجزيه عينا للمشركين في بلاد المسلمين أي طلعيه لهم وحاسوسا يتجسس الاخبار ليؤديها اليهم والهدنه والهدون السكون وإذا سكنت الفتنه بين٢ فريقين كانا يقتتلان على شرط تراضيا به ومدة جعلا لها غايه على الا يهيد واحد منهم صاحبه فذلك المهادنه واصله من الهدون وهو السكون.
قال الشافعي: وان ظهر من مهادنين ما يدل على خيانتهم نبذ اليهم عهدهم وابلغهم مأمنهم ثم هم حرب. قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ ٣
ومعنى الآية والله اعلم يقول اذا
_________________
(١) ١ بفتح الدال عند أهل الحديث وبضمها عند أهل اللغة. ٢ فراغ مقدار كلمتين. ٣ سورة الأنفال، الآية ٥٨.
[ ٢٦٠ ]
كان بينك وبين قوم من المشركين مهادنه وعهد إلى مدة فخفت خيانتهم أي نقضهم العهد فلا تسبقهم انت إلى مثل ما ارادوا من الغدر ولكنك تنبذ اليهم عهدهم وتعلمهم أن لا عهد بينك وبينهم فإذا استويتم في علم نقض العهد فحينئذ إن اردت الايقاع بهم فعلته.
قال ولما نزل النبي ﷺ المدينه وادع يهود كافه على غير جزيه. أي هادنهم على الا يؤذوه ولا يؤذيهم ويتركهم ودينهم ويتركوه واصل الموادعه من قولك ودع يدع إذا سكن ووادعته فاعلته من السكون مثل هادنته ورجل وادع ساكن رافه والدعه الرفاهيه وفرس وديع ومودع إذا اعفى ظهره عن الركوب وقال ذو الاصبع العدواني:
اقصر من قيده واودعه جتى إذا السرب ريع أو فزعا ١
قال الأزهري والمهاوده مثل الموادعه ايضا والسرب ما رعي من المال
_________________
(١) ١ انظر: اللسان ودع.
[ ٢٦١ ]