روى عن النبي ﷺ انه قال: "لا تصوموا حتى تروه فان غم عليكم فأكملوا العدة" ١ وفي حديث آخر: "فان غمى عليكم" يقال غم علينا الهلال غما فهو مغموم وغمى غمى فهو مغمى وغمى فهو مغمى وكان في السماء غمى مثل غشى وغم فحال دون رؤية الهلال وهو غيم رقيق يقال صمنا للغمى وللغمى وللغمه وللغيمه إذا صاموا على غير رؤية الهلال ويقال غمى عليه إذا غشى عليه ويقال اغمى عليه بمعناه فمعنى قوله: "فان غم عليكم" أي فان ستر رؤيته بغيابه أو غمامه حتى يتعذر رؤيته.
وفي حديث آخر: "فإن غم عليكم فاقدروا له" ٢ قوله: "اقدروا له" أي قدروا له منازل القمر ومجراه فيها يقال قدر يقدر ويقدر وقدر يقدر بمعنى واحد وفي حديث اخر: "فان غم عليكم فاكملوا العده ثلاثين" يعني قبل الصوم من شعبان حتى تدخلوا في صوم رمضان بيقين وكذلك فاصنعوا في استيفاء ثلاثين يوما من شهر رمضان حتى تكونوا على يقين من الفطر إذا وفيتم عدة رمضان ثلاثين فان قال قائل فما وجه الحديثين وامره مره باكمال العده ومره بالتقدير والحديثان معا صحيحان؟
فالجواب فيه: انه يحتمل معنى قوله: "اقدروا له" احكام العده فيما امر باكماله فاللفظان مختلفان والمعنيان متقاربان وفيه وجه ثان سمعت ابا الحسن السنجاني يقول سمعت ابا العباس بن سريج يقول في توجيه هذين الخبرين أن اختلاف الخطابين من النبي ﷺ كان على قدر افهام المخاطبين فامر من لا يحسن تقدير منازل القمر باكمال عدد الشهر الذي هو فيه حتى يكون دخوله في الشهر الاخر بيقين وامر من يحسن تقديره من الحساب الذين
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري "٤ / ١٠٢ – ١٠٣" من طريق ابن دينار عن ابن عمر به وانظر الفوائد لابن منده برقم "٥٥ – يتحقيقي – إصدار دار الصحابة بطنطا"
(٢) متفق عليه: من حديث ابن عمر انظر: المصادر السابقه.
[ ١١٣ ]
لا يخطئون فيما يحسبون وذلك في النادر من الناس بان يحسبوا ويقدروا فان استبان لهم كمال عدد الشهر تسعا وعشرين كان أو ثلاثين دخلوا فيما بعده باليقين الذي بان لهم قال وقال أبو العباس ومما لا يشاكل هذا أن عوام الناس اجيز لهم تقليد أهل العلم فيما يستفتونهم فيه وامر أهل العلم ومن له آلة الاجتهاد بان يحتاط لنفسه ولا يقلد الا الكتاب والسنه وكلا القولين له مخرج والله اعلم.
وفي حديث عائشه ﵂: "ان النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم وكان املككم لاربه" ١ قال أبو منصور: أي كان املككم لحاجته والارب والأرب والاربه والمأربه والماربه الحاجه المعنى انه كان املك الرجال لحاجته إلى غير القبله لان الله ﷿ عصمه أن يأتي ما نهى عنه ولستم مثله في منع النفس عن هواها فلا تتعرضوا لتقبيل نسائكم في حال صومكم فان ذلك يدعوكم إلى ما لا تملكون من مواقعة الحرام مع غلبة الشهوه.
وفي حديث اخر: "ان النبي ﷺ اتى بعرق من تمر فامر المواقع في شهر رمضان أن يتصدق به"٢ قال أبو عبيد: قال الاصمعي العرق السفيفه المنسوجه من الخوص قبل أن تسوى زبيلا فسمى الزبيل عرقا به وكل شيء مضفور فهو عرق وعرقه وانشد:
ونمر في العرقات من لم يقتل٣
_________________
(١) متفق عليه: وانظر "الإرواء" برقم "٩٣٤"
(٢) متفق عليه: من حديث أبي هريرة، وانظر " الإرواء" "٩٣٩".
(٣) عجز بيت لأبي كبر الهذلي وصدره: نغدو فنترك في المزاحف من ثوى ونمريقتل والبيت في "ديوان الهذليين" و"شرح أشعارهم للسكرى" "٣ / ١٠٧٦" والكتاب المأثور عن أبي العميثل "ص ١٥٤" واللسان "عرق، ثوى" وغيرها من قصيدة أولها: أزهير هل عن سيئة من معدل أم لا سبيل إلى الشباب الأول نمر: نوثق العرفة الجبل المضفور. أي: نأسرهم فنشدهم في العرقات.
[ ١١٤ ]
قال الشافعي: قال سفيان العرق المكتل وقال الشافعي: والمكتل خمسة عشر صاعا وهو ستون مدا.
قال الشافعي: "ولا اقبل على رؤية هلال الفطر الا عدلين" ثم قال فان صحا قبل الزوال افطر وصلى بهم الامام معنى صحا أي عدلا يعني الشاهدين فصحت عدالتهما.
قال الشافعي: وللصائم أن ينزل الحوض فيغطس فيه معنى يغطس أي يغمس رأسه فيه يقال هما يتغاطسان في الماء ويتقامسان ويتماقلان بمعنى واحد وفي حديث ابن عباس انه قال في قوله ﷿: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ ١ قال المرأة الهمه والشيخ والشيخ الكبير الهم يقال للشيخ إذا ولى وهرم هم وثم وقد انهم وانثم إذا ضعف وانحلت قواه واصله من قولهم انهم الشحم إذا ذاب وقال الله ﷿: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٢ معنى قوله ﴿شَهِدَ﴾ أي حضر ولم يكن مسافرا ونصب الشهر لأنه جعله ظرفا فالمعنى من كان منكم حاضرا غير مسافر في شهر رمضان فليصمه.
قال الشافعي: "واكره للصائم السواك بالعشي لما احب من خلوف فم الصائم" الخلوف بضم: الخاء تغير طعم الفم ورائحته لامساكه عن الطعام والشراب يقال خلف فوه يخلف خلوفا واصل الصوم الامساك عن الطعام والشراب والجماع وقيل للساكت صائم لامساكه عن الكلام قال الله ﷿: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ ٣ أي صمتا.
وفي حديث عائشه ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فقالت: "انا خبأنا لك حيسا"
الحيس: أن يؤخذ التمر ويخلص من نواه ثم يذر عليه أقط٤
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٨٤.
(٢) سورة البقرة الآية ١٨٥
(٣) سورة مريم الآية ٢٦
(٤) الأقط: اللبن المجفف.
[ ١١٥ ]
مدقوق وسويق ويدق دقا ناعما حتى يتكتل ثم يؤكل وربما جعل فيه شيء من السمن.
قال الشافعي: "أحب للحاج ترك صوم عرفه لأنه حاج مضح مسافر" أراد بالمضحي البارز للشمس لأنه لا يغطي رأسه يقال ضحى يضحي فهو ضاح إذا برز للشمس ولم يتظلل واضحى يضحي إذا دخل في الضحى وهو إذا برز للشمس أو قعد في الضح وهو ضوء الشمس الذي هو ضد الظل ونقيضه وكان في الأصل الضحى فيقال مضح إذا دخل في ضحى الشمس وكلام العرب الجيد أن يقال ضحى للشمس يضحي إذا برز لها قال الله ﷿: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ١ أي لا تصيبك الشمس ولا حرها في الجنه والضحى وقت شروق الشمس والضحاء ممدود وقت ارتفاع النهار والضحا ايضا الغذاء وهو الطعام الذي يتضحى به أي يتغدى باب الاعتكاف واصل الاعتكاف الاقامه في السجد والاحتباس يقال عكفته فعكف واعتكف أي حبسته فاحتبس والعاكف والمعتكف واحد قال الله ﷿: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ ٢ أي ممنوعا محبوسا.
_________________
(١) سورة طه الآية ١١٩.
(٢) سورة الفتح الآية ٢٥
[ ١١٦ ]