القرظ والشب:
وقوله: "وكما جعل ما يعمل عمل القرظ والشب في الاهاب في معنى القرظ والشب فكذلك الأشنان في معنى التراب"١.
فانا القرظ فهو: ورق شجر السلم ينبت بنواحي تهامه يدبغ به الجلود يقال أديم مقروظ والذي يجنى القرظ يسمى قارظا والذي يبيعه يسمى قراظا.
وأما الشب فهو من الجواهر التي أنبتها الله تعالى في الأرض يدبغ به يشبه الزاج والسماع الشب - بالباء - وقد صحفه بعضهم فقال: الشث والشث شجر مر الطعم ولا أدري أيدبغ به أم لا. قال الخليل٢: الشب: حجارة منها الزاج وهو أبيض له بصيص شديد والشت شجر طيب الريح مر الطعم. قال أبو الدقيش٣:
منهن مثل الشث يعجب ريحه وفي غيبه مر المذاقة والطعم٤
_________________
(١) مختصر ١/٤١".
(٢) هو: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي أحد علماء البصرة المشهورين ولد سنة ١٠٠ هـ وتوفي سمة ١٧٥ هـ. انظر ترجمته في: إنباه الرواة ١/٣٤١" وهامشه.
(٣) وقع في المخطوط: "أبو الرقيش بالراء وهو تحريف والصواب ما أثبته كما في لسان العرب "شثث" وهو من الأعراب الفصحاء الذي روى عنهم العلماء وانظر: الفهرست لابن النديم ص ٧٠".
(٤) البيت في اللسان "شثث" بلا نسبة وعبارة أبي الرقيش في اللسان توضح أن البيت ليس من قوله كما هو واضح هنا وإليك عبارة اللسان: "قال أبو الدقيش: وبنيت [أي: الشث] في جبال الغور وتهامة ونجد قال الشاعر يصف طبقات النساء:" البيت اهـ.
[ ٣٩ ]
وروى١ في الحديث أن النبي ﷺ أمر بدم الحيض يصيب الثوب - امرأة فقال لها:
" حتيه ثم اقرصيه "٢ فالحت أن يحك بطرف حجر أو عود يقال: حتته أحته حت وأما قرصه فهو أن يدلك بأطراف الأصابع والأظفار دلكا شديدا ويصب عليه الماء حتى يذهب أثره وعينه.
المقل:
وقوله ﷺ: "إذا سقط الذباب في الطعام فامقلوه" ٣.
المقل: أن يغمس فيه غمسا ويقال للرجلين هما يتماقلان في الماء إذا كان كل واحد منهما يريد غمس رأس صاحبه فيه ومنه قيل للحجر الذي يقسم عليه الماء إذا قل في السفر المقلة٤. والماء الراكد والدائم هو الساكن الذي لا يجري يقال: ركد الماء ركودا اذا: سكن ودام فلم يجر ودامت القدر إذا سكن غليانها أدمتها أنا إذا سكنتها. وأما القلة فهي شبه حب يأخذ جرارا من الماء ورأيت القلة من قلال هجر والإحساء تأخذ من الماء ملء مزادة والمزاده: شطر الراويه كأنها سميت قله لان الرجل القوي يقلها أي: يحملها وكل شيء حملته فقد أقللته والقلال مختلفه في القرى العربيه وقلال هجر من أكبرها وأنشد أبو عبيد٥:
_________________
(١) مختصر المزنى ١/٢٤.
(٢) متفق عليه: من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق - ﵄. وانظر: "إرواء الغليل" برقم ١٦٥.
(٣) انظر: مختصر المزنى ١/٤٢ والحديث صحيح وهو عند أبي داود برقم ٣٨٤٤ من حديث أبي هريرة وهو عند البخاري وابن ماجه ٣٥٠٥ وأحمد ٢/٢٢٩ – ٢٣٠ برواية "فليغمسه" بدلا من: "فامقلوه".
(٤) انظر: "المعجم الوسيط" ٢/٩١٦ و"أساس البلاغة" [مقل] .
(٥) أنشده للأخطل كما في اللسان وديوانه.
[ ٤٠ ]
يمشون حول مكدمه قد كدحت متنيه حمل حناتم وقلال١
واحدها: الحنتم وهو الجره الكبيره ذات عروتين ينتبذ فيها يعنى به الاعيان يمشين حول الحمار الذي يحمل الماء والقلال جمع قلة. وفي صفه الجنه: "ونبقها مثل قلال هجر" والنبق ثمر السدر يشبه العناب وهو الطف منه قليلا واشد صفرة.
وذكر٢ حديث بئر بضاعه انها كانت تطرح فيها المحايض وما ينجى الناس. أراد بالمحايض خرق المحيض وأراد بقوله: ما ينجى الناس أي يلقونه من الخرق يقال انجى الرجل إذا تغوط والعذرة٣ تسمى نجوا فإذا ازال النجو عن مقعدته قيل استنجى استنجاء.
وروى٤ عن ابن عباس انه قال: أربع لا يجنبن فذكر الماء والارض والثوب والانسان ومعناه أن الجنب إذا مس ماء أو ارضا أو ثوبا أو باشر انسانا بيده لم ينجس شيء من هذه الاشياء لان الجنب وان امر بالاغتسال فهو طاهر وإنما تعبد بالاغتسال للجنابة تعبدا لا لنجاسة حلت به.
قال٥: "وان وقع في الماء مثل العنبر أو العود أو الدهن الطيب فلا بأس به لأنه ليس مخوضا به". ومعنى المخوض به أن يداف فيه يقال: دفت
_________________
(١) البيت في "ديوان الأخطل" ص ٢٦٠ من قصيدة يمدح فيها عكرمة الفياض، وأولها لمن الديار بحايل فوعان درست وغيرهما سنون خوال والبيت في اللسان [قلل] منسوبا إليه، وفي مادة [كدح] غير منسوب والمكدم: المجروح. وفي الديوان: قد سحجت بدلا من: قد كدحت. وكلاهما بمعنى واحد.
(٢) انظر: "مختصر المزنى" ١/٤٥.
(٣) على هامش المخطوطة: العذر.
(٤) انظر السابق ١/٤٦.
(٥) السابق ١/٤٧.
[ ٤١ ]
الدواء في الماء وخضته إذا مرسته فيه حتى ينماع فيه ولا يتميز منه وخضت فلانا بالسيف إذا جعلت طرف السيف في جوفه ومنه قول أبي النجم١ يصف قانصا رمى صيدا بسهم فخالط حشوه جوفه فقال:
فاختاض أخرى فهوت رجوحا للشق يهوى جرحها مفتوحا٢
اختاض أي: رماها بسهم دخل في جوفها هوت أي: سقطت رجوحا: تترجح من يمينها على شمالها أي: تميل ومنه قول الشافعي: إن العنبر والعود إذا كانا قطعا فطرحت في الماء فانها لا تختلط به وكذلك الدهن يطفو فوق الماء ولا يختلط به.
وقوله٣ في الاناءئن: "يستقين أن أحدهما قد نجس والاخر لم ينجس انه يتأخى يريق النجس على الاغلب عنده ويتوضأ بالطاهر". ومعناه انه يتأخى في الاناءين أي يتحرى اطهرهما عنده ويريق الاخر الذي هو الاغلب على قلبه انه الذي نجس هذا معنى الاغلب عنده يقال: تأخيت الشيء وتحريته إذا قصدته بقلبك ونيتك واصل التأخى التوخي فقلبت الواو همزه كما قالوا ارث واصله ورث ويقال: خذ طريقك على هذا الوخى أي على هذا القصد وهذا الصوب وقد وخى يخى وخيا إذا قصد شيئا أو بلدا يأتيه.
قوله٤: "أريد بالمسح على الخفين المرفق": أي اريد به الرفق والتيسير ويجوز أن يقال مرفق في معنى ما يرتفق به وكذلك مرفق اليد ويجوز مرفق يجوز هذا في ذلك وذلك في هذا.
وروى٥ عن النبي ﷺ انه قال: "الغسل يوم الجمعه واجب على كل
_________________
(١) اسمه: الفضل بن قدامة بن عجل راجز مشهور كان معاصرا للعجاج امظر: "معاهد اتنصيص" ١/١٩ والأغاني ٩/٧٣ والخزانة ١/٤٨ وطبقات ابن سلام والشعر والشعراء ٢/٥٠٢ وسقط اللآلىء ١/٣٢٧ وغيرها.
(٢) الشطران في "اللسان" "هوا منسوبا له.
(٣) مختصر المزنى ١/٤٧.
(٤) انظر السابق ١/٤٩.
(٥) انظر السابق ١/٥٨١.
[ ٤٢ ]
محتلم" ١ أراد بالمحتلم البالغ من الرجال ها هنا ولم يرد الذي احتلم فاجتنب إنما أراد الذي بلغ الحلم فادرك.
وذكر قول٢ النبي ﷺ: "من توضأ يوم الجمعه فبها ونعمت" ٣. قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن الهاء في قوله: فيها والتاء في نعمت فقال: اراه أراد فبالسنة أخذ قال ونعمت السنة والتاء في نعمت تاء التأنيث ونعم ونعمت ضد بئس وبئست وهما في الأصل نعم ونعمت فخففا فقيل: نعم ونعمت.
وقول٤ عمر لعثمان - ﵄ - يوم الجمعه حين راح: الوضوء أيضا وقد علمت "أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل". نصب الوضوء على المصدر أقام الاسم مقامه فكأنه قال: وتوضأت ايضا وقد علمت أن النبي ﷺ كان يأمرنا بالغسل. ومعنى قوله: "حين راح" أي: مضى سائرا إلى المسجد للجمعه. ويتوهم كثير من الناس إن الرواح لا يكون الا في آخر النهار وليس ذلك بشيء لان الروح والغدو عند العرب مستعملان في المسير أي وقت كان من ليل أو نهار يقال: راح في اول النهار وآخره وتروح كذلك وغدا بمعناه وأما قولهم: راحت الايل رائحة فهذا لا يكون الا بالعشى إذا اراحها راعيها على اهلها ومنه قوله ﷿: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ٥ يقال: سرحت الابل بالغداة إلى الرعي وراحت بالعشى على أهلها.
وفي حديث آخر أن النبي ﷺ قال: "من غسل يوم الجمعه واغتسل وبكر وابتكر واستمع ولم يلغ فبها ونعمت". وروى غسل بالتخفيف،
_________________
(١) صحيح: أخرجه مالك: ١/١٠٢ برقم ٤ والشيخان وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) مختصر المزنى ١/٥١.
(٣) حسن: أخرجه ابن ماجه برقم ١٠٩١ من حديث أنس وله شواهد كثيرة وقد فرغت من تخريجه والكلام عليه بإسهاب في "جزء الغطريفي" برقم ١٨ – بتحقيقي طبعة مكتبة السنة.
(٤) مختصر المزنى ١/٥١ – هامش الأم.
(٥) سورة النحل الآية ٦.
[ ٤٣ ]
وغسل بالتشديد وكذلك بكر وبكر يجوز فيهما التخفيف والتثقيل فمن خفف غسل فهو كنايه عن مجامعة الرجل أهله يقال: غسلها وغسلها اذا: جامعها ويقال: فحل غسله ومغسل إذا كان كثير الضراب ومن رواة غسل بالتشديد أراد غسله أعضاءه غسلا بعد غسل. ومن روى بكر بالتخفيف فمعناه خروجه من بيته باكرا ومن روى بكر بالتشديد فهو اتيان الصلاة لاول وقتها والمبادره اليها وكل من اسرع إلى شيء فقد بكر إليه وكذلك جاء في الحديث: "بكروا بصلاة المغرب" ١ أي: صلوها عند غروب الشمس وهو اول وقتها وقيل لاول ما يدرك من الفواكه باكورة لمجيئه في اول الوقت ومعنى ابتكر: أي ادرك أو الخطبه كما يقال: ابتكر بكرا إذا نكحها في اول ادراكها وكان أبا عذريتها.
وقوله: "واستمع ولم يلغ" أي: استمع إلى الخطيب ولم يشتغل بغيره. واللغو في كلام العربي على وجهين:
أحدهما: فضول الكلام وباطله الذي يجري على غير عقد ومنه: لغو اليمين وهو أن يقول: لا والله وبلى والله يصل به كلامه على غير عقد يمين وهو قول عائشه ﵂.
وروى عن سلمان - ﵁ - أنه قال: يثبطهم عن التهجد٢ النوم في آخر الليل فلم يجتهدوا أول الليل مهدته لآخره معناه أن القوم إذا اجتمعوا في أول الليل يسمرون ويهجرون فيما لا يعنيهم غلبهم النوم في آخر الليل فلم يتهجدوا ولهذا حذر عمر - ﵁ - من السمر بعد العتمه لئلا يثبطهم النوم في آخره عن التهجد والصلاة.
والوجه الآخر: من اللغو ما كان فيه مأثم ورفث وفحش وقال قتاده في قوله تعالى:
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده بنحوه بلفظ: "بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم" من حديث أبي أيوب الأنصاري. ٥/٤١٥ وهو حديث حسن.
(٢) يبدوا أن بالمخطوط سقط وتكون العبارة هكذا: "يثبطهم عن التهجد، أي: يحسبهم ويعوقهم عن التهجد حتى يغلبهم النوم في آخر الليل" والله أعلم.
[ ٤٤ ]
﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ ١، أي لا تسمع فيها باطلا ولا مأثما وقال مجاهد: شتما٢ وقال ابن شميل في قوله: "اذا قال له: انصت فقد لغا" أي: خاب قال: والغيته خيبته واللغة مأخوذه من لغا إذا تكلم وهي في الأصل لغوه نقص منها الواو.
_________________
(١) سورة الغاشية، الآية ١١.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٣٠/ ١٠٤ - طبعة بولاق.
[ ٤٥ ]