وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب
الحمدُ للهِ القديمِ الدائمِ، الذي ليس لِقدَمِهِ ابتداء، ولا لديمومته (١) / ٩٣ / انتهاء. الذي حجَّتِ الألباب بدائعُ حِكَمِهِ (٢)، وخصمت العقولَ لطائفُ حُجَجِهِ، وقطعت عُذرَ (٣) الملحدينَ عجائبُ صنعه، وكلّت الألسن عن تفسير صفته، وانحسرت العقول عن كُنْهِ معرفته.
لا تحويه الأماكنُ، ولا تحدّه لكبريائه الفكر. مُحرم على نوازعِ ثاقباتِ الفِطَن تحديدُهُ، وعلى عوامقِ الفِطَرِ (٤) تكييفُهُ، وعلى غوائصِ سابحاتِ النظر تصويرُهُ. مُمتنعٌ على الأوهام أنْ تكتنهَهُ، وعلى الأفهامِ أنْ تستغرقَهُ. قد يئست من استنباط الإحاطة به (٥) طوامحُ العقولِ، وتراجعت بالصُغر (٦) عن السمو إلى قدرته لطائف الخصوم.
واحد لا من عَدَدٍ، ودائم لا بأمَدٍ، وقائم لا بعَمَدٍ.
صادقٌ لا يكذبُ، وعالمٌ لا يجهلُ، وعَدْلٌ لا يجورُ، وحيٌّ لا يموتُ.
ذو بهجةٍ لا تُفْقَدٌ، ونورٍ لا يخمدُ، ومواهبَ لا تنكدُ، وعطايا لا تنفدُ، وعز لا يذلُّ، وأيدٍ لا يَكِلُّ، ودؤوبٍ لا يملُّ، وحفظٍ لا يضلّ، وصنعٍ لا يكل.
الجبارُ الذي خشعت لجبروته الجبابرةُ، والعزيزُ الذي ذَلَّتْ لعزتِهِ الملوكُ الأعِزَّةُ، والعظيمُ الذي خَضَعَتْ له الصعابُ في محل تخومِ قرارِها، وأذعنتْ له رواصِنُ الأسبابِ في منتهى شواهق أقطارها.
_________________
(١) ر: ديمومته.
(٢) ك: حكمته.
(٣) ر، ك: عدد.
(٤) في مختصر الزاهر: الفكر.
(٥) (به) ساقطة من ك.
(٦) ر: بالصفر، بالفاء.
[ ١ / ١ ]
\ ٢ / ب ١٩٤ مستشهدًا بكل / الأجناس على ربوبيته، وبعجزها على (٧) قدرته، وبحدوثها على فطرته.
ليس له حدٌّ منسوبٌ، ولا مَثَلٌ مضروبٌ، ولا شي عنه تعالى جده محجوب. فأَلْسُنُ أدلته الواضحة هاتفة في أسماع عباده الواعية، شاهدةٌ أنّه اللهُ الذي لا إلَه إلاّ هو، الذي لا عِدْلَ له معادِلٌ (٨)، ولا مِثْلَ له مماثِلٌ، ولا شريكَ له مظاهرٌ، ولا ولدَ له ولا والد. الذي خلق الخلائق بعلمه، فاختار منهم صفوته، فجعلهم أُمناء على وَحْيِهِ، وخَزَنَةً على أَمرِهِ، وسفراءَ بينَهُ وبينَ خلقِهِ. وجعلهم دعاةً إلى ما اتضحت لديهم صحتُهُ، وثبتت في القلوب حجتُهُ. وأمدهم بعونه، وأبانَهُم من (٩) سائرِ خلقِهِ، بما دلّ به على صِدْقِهِم من الأدلة، وأيديهم من الحجج البالغة، والآي المعجزة. واستودعهم في أفضل مستودع، وأقرهم في خير مستقر، تناسَخُهُم مكارمُ الأصلاب إلى (١٠) مطهراتِ الأرحامِ، حتى انتهت نبوةُ اللهِ وأَفْضَتْ كرامتُهُ إلى نبينا محمد وعلى آلِهِ الطاهرين. فبعثَهُ بالبرهانِ الواضحِ، والبيانِ اللائحِ، والكتابِ الناطقِ، والشهابِ المتألق، على حين فَتْرةٍ من الرسلِ، وطموسٍ من السبلِ، ودروسٍ من آثارٍ الأنبياء. والناسُ في عمىً لا يعرفونَ معروفًا فيأتوه (١١)، ولا مُنكرًا فيجتنبوه. ففضَّله من الدرجات بالعلى، ومن المراتب بالعظمى، وحباه من أقسام كرامته بالقسمِ الأكرمِ، وخَصَّه من درجات النبوةِ بالحظِ الأجزلِ، ومن الأتباعِ والأصحابِ بالنصيبِ الأوفرِ. فاستنقذ به الأشلاءَ المتفرقَة، وجَمَعَ بهِ الأهواءَ
_________________
(١) من سائر النسخ وفي الأصل: عن.
(٢) تأخرت هذه الجملة في ك، ق، ف بعد كلمة مماثل.
(٣) من سائر النسخ وفي الأصل: عن.
(٤) ك: في.
(٥) من ك، ر. وفي الأصل: فيأتموه.
[ ١ / ٢ ]
المختلَفة، ودَمَغَ به سلطانَ الجهالة، وأَخْمد به نيرانَ (١٢) الضلالةِ، حتى آضَ الباطلُ / مقموعًا، والجهلُ والعمَى مردوعًا (١٣) . بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا، يُبشِّر ٣١ / ١٩٥ مَن أطاعه بالجنةِ وحسن ثوابها، ويخوِّفُ مَن عصاهُ بالنارِ وما حذَّر من عقابها، ﴿لِيُنذِرَ مَن كان حيًا ويَحِقَّ القولُ على الكافرين﴾ (١٤) .
فَصَدعَ بما أُمِر، وبلَّغَ ما حُمِّل، حتى أُذْعِنَ لله بالربوبيةِ، وأُقرَّ له بالوحدانيةِ، فعاشَ كريمًا محمودًا، ومات موجعًا مفقودًا. وشرَّف وكرَّم وعظَّم.
قال أبو بكر: إنّ (١٥) من أشرفِ العلمِ منزلةً، وأرفعه درجةً، وأعلاه رتبةً، معرفة معاني الكلام الذي يستعمله الناس في صلواتهم ودعائهم وتسبيحهم [وتقربهم إلى ربهم] وهم غيرُ عالمين بمعنى ما يتكلمون به من ذلك.
قال أبو بكر: وأنا مُوضِحٌ (١٧) في كتابي هذا، إنْ شاء الله، معاني (١٨) ذلك كله، ليكون المصلي إذا نظر فيه، عالمًا بمعنى الكلام الذي يتقرَّبُ به إلى خالقِهِ، ويكون الداعي فَهمًا بالشيء يسأله ربَّه (١٩)، ويكون المسبِّحُ عارفًا بما يعظّم به سيِّدَه؛ ومُتْبعٌ ذلك تبيينَ ما تستعمله العوامُ في أمثالها ومحاوراتِها من كلامِ العرب، وهي غيرُ عالمةٍ بتأويلهِ، < و> باختلاف العلماء في تفسيره وشواهده من الشعر (٢٠) .
ولن أُخليه مما أستحسنُ إدخالَهُ فيه من النحو (٢١) والغريبِ واللغةِ والمصادر والتثنية والجمعِ. ليكون مشاكلًا لاسمه إن شاء الله. أسألُ اللهَ المعونَةَ على ذلكَ والتوفيقَ للصوابِ (٢٢) .
_________________
(١) ك، ر: نار.
(٢) ك: مرفوعًا (١٤) يس ٧٠.
(٣) ف: واعلم أن و(قال أبو بكر) ساقط منها.
(٤) ك، ر: معرفة ما يستعمله.
(٥) ل: موضع.
(٦) ك: تعالى.
(٧) ك: بالذي يسأله عن ربه (٢٠) (من الشعر) ساقط من ك.
(٨) ل: من النحو والشعر
(٩) (والتوفيق للصواب) ساقط من ك.
[ ١ / ٣ ]
١٩٦١ - فأوّلُ ما أبدأُ بهِ من ذلكَ قولُ الناسِ في ثنائِهِم على ربِّهِم: