قال أبو بكر: فيه أربعة أقوال (٣٥):
قال قوم: الحسيب: العالم. ومعنى هذا الكلام التهدد، فإذا قال الرجل للرجل: حسيبك الله فمعناه: الله عالم بظلمك ومجازٍ لك عليه. واحتجوا بقول المُخَبَّل السعدي (٣٦):
(ولا تُدْخِلنَّ الدهَر قبرَكَ حَوْبَةً يقومُ بها يومًا عليكَ حَسِيبُ)
معناه: محاسب عليها عالم بها. والحَوْبة: الفَعْلة من الإثم / العظيم؛ من ٤١ / أ ١ قول (٣٧) الله ﷿: ﴿إنّه كانَ حُوبًا كبيرًا﴾ (٣٨) وقرأ الحسن (٣٩): (إنّه كانَ ٩٨١ /
_________________
(١) الواو ساقطة من ك.
(٢) إصلاح المنطق: ٢٣٦، وشرح المفضليات: ٢٣٠، وتفسير غريب القرآن: ١٧، وأمالي القالي: ٢ / ٢٥٤، ٢٦٢، وأساس البلاغة واللسان (قفا) بلا عزو. وفي اللسان (حسب، دوا) لامرأة من بني قشير. وقال الصغاني في التكملة (حسب) ١ / ١٠٢: إنه لامرأة من قيس يقال لها: أم العباس. وذكر العلامة الميمني في تخريجه في السمط: ٨٩٩، أنه في شرح ديوان الخنساء: ٤٨، لامرأة تميمة. وزعم البكري في لآليه: ٨٨٥ أنه لأبي يزيد العقيلي، وأنه تقدم - يعني ص: ٨٢٧ - موصولًا. وكلامه ثم يدفع ذلك. ونقفيه، أي نؤثره بالقفية، ويقال لها القفاوة، وهي ما يؤثر به الضيف والصبي.
(٣) ديوانها ١٦. والعشار: التي أتى عليها عشرة أشهر من لقاحها، وهي من أنفس الإبل. والخنساء هي تماضر بنت عمرو، شاعرة صحابية. (الشعر والشعراء ٣٤٣، الإصابة ٧ / ٦١٣، الخزانة ١ / ٢٠٧) .
(٤) ينظر في معنى الحسيب: تفسير أسماء الله الحسنى ٤٩، اشتقاق أسماء الله ٢١٧.
(٥) شعره: ١٢٣. والمخبل هو ربيعة بن مالك، شاعر مخضرم. (الشعر والشعراء ٤٢٠، الأغاني ١٣ / ١٨٩، الخزانة ٢ / ٥٣٦) .
(٦) ك: ومن ذلك قول.
(٧) النساء ٢.
(٨) شواذ القراءات: ابن خالويه: ٢٤، وزاد المسير: ٢ / ٥. وينظر كتاب الأضداد للمؤلف: ١٦٩ - ١٧٠. والحسن البصري، روى عنه أبو عمرو بن العلاء، توفي سنة ١١٠ هـ. (حلية الأولياء ٢ / ١٣١، وفيات الأعيان ٢ / ٦٩، ميزان الاعتدال ١ / ٥٢٧) .
[ ١ / ٥ ]
حَوْبًا كبيرًا)، بفتح الحاء، وقال الفراء (٤٠): الحُوب، بالضم: الاسم، والحَوْب بالفتح: المصدر. قال نابغة بني شيبان (٤١):
(نماك أربعةٌ كانوا أئمتَنا فكانَ مُلكُكَ حقًّا ليسَ بالحُوبِ)
أي: ليس بالإثم.
وقال آخرون: إذا قال الرجل للرجل: حسيبك الله فمعناه: المقتدر عليك الله.
وقال آخرون: الحسيب: الكافي؛ من قول الله ﷿: ﴿عَطاءٌ حسابًا﴾ (٤٢) . فإذا قال الرجل للرجل: حسيبك الله، فمعناه: كافيَّ إيّاك اللهُ. وقالوا: لفظه الخبر ومعناه معنى الدعاء، كأنه قال: أسأل الله أن يكفينيك (٤٣) .
وقال آخرون: الحسيب المحاسب. فإذا (٤٤) قال الرجل للرجل: حسيبك الله فمعناه: محاسبك الله (٤٥) . واحتجوا بقول قيس المجنون (٤٦):
(دعا المحرمون اللهَ يستغفرونَهُ بمكةَ يومًا أنْ تُمَحَّى ذنوبُها)
(وناديت يا رباه أولُ سُؤْلتي لنفسيَ ليلى ثم أنتَ حسيبُها)
فمعناه: ثم أنت محاسبها على ظلمها. قالوا: والحسيب: هو المحاسب، ١٩٩١ بمنزلة قول العرب: الشريب، للمُشارب. قال أبو بكر: أنشد (٤٧) الفراء:
(فلا أُسقى ولا يُسقى شريبي ويُرويه إذا أَوردتُ مائي) (٤٨)
فمعناه: ولا يسقى مشاربي وقال الراجز (٤٩):
_________________
(١) يحيى بن زياد، من نحاة الكوفة المشهورين، توفي ٢٠٧ هـ. (طبقات النحويين واللغويين ١٣١، تاريخ بغداد ١٤ / ١٤٩ /، أنباه الرواة ٤ / ١) .
(٢) ديوانه ٧٦. والنابغة الشيباني اسمه عبد الله بن المخارق من شعراء الدولة الأموية. (الأغاني ٧ / ١٠٦، المكاثرة ٣٢، اللآلي ٩٠١) .
(٣) النبأ ٣٦.
(٤) ك، ر: يكفينك.
(٥) ك: وإذا.
(٦) ك: عليه الله.
(٧) ديوانه ٦٧. وقيس بن الملوح، لقب بالمجنون لذهاب عقله بشدة عشقه. (الشعر والشعراء ٥٦٣ الأغاني ٢ / ١، اللآلي ٣٥٠) .
(٨) ك: أنشدنا.
(٩) الأضداد ٢٦٠، أمالي القالي ٢ / ٢٦٣.
(١٠) نوادر أبي زيد ١٧٥، نوادر ابن الأعرابي ٢٤٦، أمالي الزجاجي ١٨٧ بلا عزو.
[ ١ / ٦ ]
(رُبَّ شَريبٍ لكَ ذي حُساسِ )
(شِرابُهُ كالحَزِّ بالمواسي )
(ليس بمحمودٍ ولا مُواسي )
(يمشي رويدًا مِشيةَ النِّفاسِ )
فمعناه: رب مشارب لك. والحساس: المشارّة وسوء الخلق. ومن الحسيب قول الله ﷿: / ﴿إنّ اللهَ كانَ على كلِّ شيٍء حسيبًا﴾ . (٥٠) ٤١ / ب /
قال أبو بكر: فيه أربعة أقوال: يقال: عالمًا، ويقال: مقتدرًا، ويقال: كافيًا، ويقال: محاسبًا. قال أبو بكر: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى يقول في قول الله ﷿: ﴿يا أيها النبي حسبُكَ اللهُ ومَنِ اتبعكَ من المؤمنين﴾ (٥١) يجوز في (من) الرفع والنصب؛ فالرفع على النسق على الله والنصب على معنى: يكفيك الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين.