\ ٥ \ أ \ -
/ قال أبو بكر: معناه لا حيلة ولا قوة إلا بالله. ويقال: ما للرجل حيلة، وما \ ١٠١ \ - له حول، وما له احتيال، وما له محتال، وما له محالة، وما له محلة، بمعنىً. قال الشاعر (٦١):
(ما للرجال معَ القضاءِ مَحَالةٌ ذَهَبَ القضاءُ بحيلةِ الأقوام)
وقال العجاج (٦٢):
(قد أركبُ الحالة بعدَ الحاله )
(وأتركُ العاجزَ بالجَدَاله )
(مُنْعَفِرًا لَيْسَتْ له مَحالَه )
_________________
(١) ك: بود.
(٢) ر، ك: بعدها.
(٣) ك: لما.
(٤) ك، ل: من. أمالي القالي: ٢ / ٢٦٨ - ٢٦٩، والسمط: ٩٠٧ - ٩٠٩.
(٥) بعض بني أسد في اللآلي ٩٠٨.
(٦) أخل بها ديوانه. وهي في أمالي القالي ٢ / ٢٦٩ بلا عزو. ونسبت إلى أبي قردودة الطائي في التاج (أول) . والعجاج هو عبد الله بن رؤبة راجز مشهور. ت سنة ٩٠ هـ. (التاريخ الكبير ٤ / ١ / ٩٧، الشعر والشعراء ٥٩١، شرح شواهد المغني ٤٩) .
[ ١ / ٨ ]
الجدالة: الأرض [المستوية،] من ذلك قولهم: تركته مُجَدَّلًا، أي مطروحًا على الجدالة. وكتب (٦٣) الخليل بن أحمد (٦٤) إلى سليمان بن علي:
(أَبلغْ سليمانَ أني عنه في سَعَةٍ وفي غِنىَ غيرَ أني لستُ ذا مالِ)
(شُحًّا بنفسي أني لا أرى أحدًا يموتُ فقرًا ولا يبقى على حالِ)
(فالرزقُ عن قَدَرٍ لا العجزُ ينقصُهُ ولا يزيدُكَ فيه حولُ محتالِ)
فالحول: الحيلة. يقال: ما للرجل مِحال، بكسر الميم، وماله مَحال بفتح الميم..
إذا كسرت الميم فالمعنى: ماله مكر ولا عقوبة، من قوله ﵎ (٦٥): ﴿وهو شديد المِحال﴾ (٦٦) معناه: شديد المكر والعقوبة.
قال عبد المطلب بن هاشم (٦٧):
(لاهُم إنّ المرءَ يمنعُ رَحْلَه فامنَعْ حِلالَكْ)
(لا يغْلبنّ صليبُهم ومِحالهم غدوًا مِحالكْ) \ ١٠٢ \
معناه: لا يغلبن مكرهم مكرك. قال الأعشى (٦٨):
(فرعُ نبْعٍ يهتز في غُصُنِ المجدِ غزيرُ الندى عظيمُ المِحالِ)
معناه: عظيم المكر. قال نابغة بني شيبان (٦٩):
(إن من يركبُ الفواحش سرا حين يخلو بسره غير خال)
(كيف يخلو وعنده كاتِباهُ شاهِداهُ ورَبهُ ذو المِحال)
/ وقال الآخر (٧٠): - \ ٥ / ب \
_________________
(١) ل، ك، ر، ف، ق: قال: كتب.
(٢) شعره: ١٨. والخليل بن أحمد الفراهيدي مبتكر أول معجم في العربية وواضع علم العروض، توفي ١٧٠ هـ. (أخبار النحويين البصريين ٣٠، طبقات النحويين واللغويين ٤٧، نور القبس ٥٦) .
(٣) ك: من ذلك قول الله.
(٤) الرعد ١٣.
(٥) سيرة ابن هشام ١ / ٥٢، تاريخ الطبري ٢ / ١٣٥، وعبد المطلب بن هاشم جد الرسول، توفي ٤٥ ق. هـ. (حذف من نسب قريش ٤، جمهرة أنساب العرب ١٤، عيون الأثر ١ / ٤٠) .
(٦) ديوانه ١٠. والأعشى هو ميمون بن قيس، جاهلي، أدرك الإسلام ولم يسلم. (الشعر والشعراء ٢٥٧، الأغاني ٩ / ١٠٨، الخزانة ١ / ٨٣) .
(٧) ديوانه ٦٤.
(٨) ذو الرمة، ديوانه ١٥٤٤. والشغازب: الكيد والخصومة.
[ ١ / ٩ ]
(أَبرَّ على الخصومِ فليس خَصْمٌ ولا خصمانِ يغلِبُه جدالا)
(ولَبَّسَ بينَ أقوامٍ فكلٌّ أَعَدَّ له الشغازِبَ والمِحالا)
قال أبو بكر: وسمعت أبا العباس يقول: المِحال مأخوذ من قول العرب: قد مَحَل فلان بفلان: إذا سعى به إلى السلطان، وعرَّضه لأمر يُوبِقُهُ ويُهلِكه فيه. ومن (٧١) ذلك قولهم في الدعاء: اللهم لا تجعل القرآن بنا ماحلا، أي: لا تجعله شاهدًا بالتقصير والتضييع علينا. ومن ذلك قول النبي: (القرآنُ شافعٌ مُشَفَّعٌ، وماحلٌ مُصَدَّقٌ. فمَنْ شَفَعَ لَه القرآن يوم القيامة نجا، ومَنْ مَحَلَ به القرآن كبَّه الله على وجهه في النار (٧٢) فمعناه: ومن شهد عليه القرآن بالتضييع والتقصير.
وإذا قالت العرب للرجل: ماله مَحالٌ، بفتح الميم (٧٣)، فمعناه: ما للرجل حَوْلٌ. \ ١٠٣ \
قال: ويُروى عن الأعرج (٧٤) أنه قرأ: (وهو شديدُ المَحال) (٧٥) بفتح الميم. وتفسير ابن عباس (٧٦) يدل على الفتح، لأنه قال: المعنى: وهو شديد الحول (٧٧) .
ويقال: حَوْلَقَ الرجلُ: إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال (٧٨) أبو جعفر أحمد بن عبيد (٧٩): يقال حولق الرجل وحَوْقَلَ: إذا قال ذلك.
ويقال: بَسْمَلَ الرجل، إذا قال: بسم الله، وأنشد (٨٠) أبو عبد الله بن الأعرابي
_________________
(١) الواو من ك.
(٢) النهاية ٤ / ٣٠٣.
(٣) ك: الحاء.
(٤) الشواذ ٦٦، وينظر المحتسب ١ / ٣٥٦ والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز، توفي سنة ١١٧ هـ. (المعارف ٤٦٥، أخبار النحويين ١٦، طبقات القراء ١ / ٣٨١) .
(٥) الرعد ١٣.
(٦) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، توفي سنة ٦٨ هـ. (طبقات ابن خياط ١٠، المعارف ١٢٣، نكت الهميان ١٨٠) .
(٧) القرطبي ٩ / ٢٩٩.
(٨) ك: قال: وقال أبو
(٩) توفي سنة ٢٧٣ هـ. (تاريخ بغداد ٤ / ٢٥٨، أنباه الرواة ١ / ٨٤، الأنساب ٩٠ ب) (٨٠) ك: وأنشدني. و(أبو عبد الله) ساقط من سائر النسخ. وابن الأعرابي هو محمد بن زياد، توفي سنة ٢٣١ هـ. (طبقات النحويين واللغويين ١٩٥، نور القبس ٣٠٢) .
(١٠) ينظر التهذيب: ٥ / ٩٦.
[ ١ / ١٠ ]
(لقد بَسْمَلَتْ ليلى غداةَ لقيتُها فيا بأبي ذاكَ الحبيبُ المبسمِلُ) (٨١)
ويقال: قد أخذنا في البسملة والحولقة والحوقلة: إذا قلنا: بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال الشاعر (٨٢):
(فداك من الأقوام كلُّ مُبَخَّلٍ يحولق إمّا ساله العُرفَ سائِلُ) أي يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. / - (٦ / أ)
وقال أبو عِكرمة الضبِّيّ (٨٣): يقال قد هيلل الرجل إذا قال: لا إله إلّا الله، وقد أخذنا في الهيللة: إذا أخذنا في التهليل. - (١٠٤)
قال الخليل بن أحمد (٨٤): يقال حَيْعَلَ الرجل: إذا قال: حيّ على الصلاة، وقد أخذنا في الحَيْعَلَةِ: إذا أخذنا في هذا القول. قال الشاعر:
(ألا رُبَّ طيفٍ منكِ باتَ معانقي إلى أن دعا داعي الصلاة فَحَيْعَلا) (٨٥)
وقال آخر (٨٦):
(وما إن زال طيفك لي عنيقًا إلى أن حيعل الداعي الفلاحا)
قال: والعرب تفعل هذا كثيرًا، إذا كثر استعمالهم للكلمتين ضموا بعض حروف إحداهما إلى بعض حروف الأخرى.
من ذلك قولهم للرجل: لا تُبَرقِلْ (٨٨) علينا، معناه: لا تقصد قصد كلام لا فعل معه. وكذلك قولهم: قد أخذنا في البرقلة، أي: في كلام لا يتبعه فعل. وهو مأخوذ من البرق الذي لا يتبعه المطر (٨٩) .
وقال الفراء: المَحَالة التي تُجعل على رأس البئر بمنزلة البكرة، وتكون المحالة واحدة محال الظهر وهي فِقَر (٩٠) الظهر.
_________________
(١) لعمر بن أبي ربيعة، ديوانه ٤٩٨.
(٢) الفاخر ٣١، أمالي القالي ٢ / ٢٦٩ بلا عزو.
(٣) ينظر التهذيب: ٥ / ٣٧٠، وأبو عكرمة هو عامر بن عمران صاحب كتاب الأمثال، توفي ٢٥٠ هـ. (معجم الأدباء ١٢ / ٣٩، بغية الوعاة ٢ / ٢٤) .
(٤) العين ١ / ٦٨.
(٥) بلا عزو في العين ١ / ٦٨ والصحاح (عنق) .
(٦) بلا عزو في العين ١ / ٦٨ والفاخر ٣١. وفي ك: وقال الآخر.
(٧) بلا عزو في العين ١ / ٦٨.
(٨) ك: تتوقل. وينظر في هذا المثل جمهرة الأمثال ٢ / ٤١٠ ومجمع الأمثال ٢ / ٢٣٦.
(٩) ك، ر، ف: مطر.
(١٠) ك، ر: فقرة.
[ ١ / ١١ ]
قال أبو بكر: في قولهم: لا حول ولا قوة إلا بالله خمسة أوجه من الإعراب: أحدهن (٩١) لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، على أن تنصب الحول بلا، على (١٠٥) التبرئة، وتجعل القوة نسقًا على الحول، والباء خبر التبرئة. والخليل وسيبويه (٩٢) يسميان التبرئة: النفي.
والوجه الثاني: لا حولٌ ولا قوةٌ إلا بالله. فترفع الحول بلا، وتجعل القوة نسقًا على الحول. وقد قُريء بالوجهين (٩٣) جميعًا في كتاب الله ﷿: ﴿فلا رَفَثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ في الحج﴾ (٩٤)، وقرأوا (٩٥): ﴿فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالٌ في (٦ / ب﴾ الحج) . / وقرأوا: ﴿لا بيعَ فيه ولا خُلَّةَ ولا شفاعةَ﴾ (٩٧) و﴿لا بيعٌ فيه ولا خُلَّةَ ولا شفاعةٌ﴾ .
قال الفراء (٩٨): إنما يحسن فيه الرفع إذا نُسِقَ عليه بولا، فإذا لم ينسق عليه بولا فاختياره النصب كقوله جل وعز: ﴿ألم ذلكَ الكتابُ لا ريبَ فيه﴾ (٩٩)، الريب منصوب بلا على التبرئة و(فيه) خبر التبرئة، قال: ولم يقرأ أحد من القراء: لا ريب فيه، بالرفع. قال أبو بكر: وزعم الفراء أنها لغة للعرب، وحكى عن بعضهم: " لا إلهٌ إلّا الله ". ومن ذلك قول جرير (١٠٠):
(نُبِّئْتُ جَوَّابًا وسَكْنًا يسبني وعَمرو بن عِفْرَى لا سلامٌ على عَمرِو)
وأنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي:
_________________
(١) ق: أحدها.
(٢) ينظر الكتاب ١ / ٣٥١. وسيبويه هو عمرو بن عثمان، لزم الخليل ونقل آراءه في (الكتاب)، توفي ١٨٠ هـ. (المراتب ٦٥، طبقات النحويين واللغويين ٦٦، الأنباه ٢ / ٣٤٦) .
(٣) ك: في الوجهين.
(٤) البقرة ١٩٧.
(٥) ساقطة من ك. وهي قراءة أبي جعفر كما في المحرر الوجيز ١ / ٥٥٤.
(٦) ل: وكذلك قرأوا.
(٧) البقرة ٢٥٤. وينظر السبعة ١٨٧.
(٨) معاني القرآن ١ / ١٢٠.
(٩) البقرة ٢٧١. البقرة: ١، ٢. وقد نسب ابن خالويه في الشواذ: ٢، القراءة بالرفع فيها إلى زهير الفرقبي. ونسب أبو حيان ذلك في البحر المحيط: ١ / ٣٦، إلى أبي الشعثاء. ثم قال: " وكذا قراءة زيد بن علي حيث وقع ".
(١٠) ديوانه ٤٢٥. وجرير بن عطية بن الخطفي شاعر أموي مشهور. (طبقات ابن سلام ٧٥، الشعر والشعراء ٤٦٤، الأغاني ٨ / ٣) .
[ ١ / ١٢ ]
(الحربُ لا يبقي لجاحِمِها التَخَيُّلُ والمِراحُ)
(إلا الفتى الصبار في النْجدات والفرسُ الوقاحُ) (١٠٦)
(مَنْ صَدَّ عن نيرانها فأنا ابنُ قيسٍ لا براحُ) (١٠١)
والوجه الثالث: لا حولٌ ولا قوةَ إلا بالله، برفع الحول ونصب القوة. والمعنى: لا حولٌ إلا بالله ولا قوةَ إلا بالله. قال أمية بن أبي الصلت (١٠٢):
(فلا لَغْوٌ ولا تأثيمَ فيها وما فاهوا به لهم مُقيمُ)
والوجه الرابع: لا حولَ ولا قوةٌ إلا بالله، تنصب الحول ب (لا) وترفع القوة بالباء، والمعنى: لا حولَ إلا بالله، ولا قوةٌ إلا بالله. قال الشاعر (١٠٣):
(وإذا تكونُ كريهةٌ أُدعى لها وإذا يُحاسُ الحيس يُدُعى جُندبُ)
(ذا كم وجَدِّكم الصغارُ بعينِهِ لا أمَّ لي إنْ كانَ ذاكَ ولا أبُ)
والوجه الخامس: لا حولَ ولا قوةً إلا بالله، بنصب الحول والقوة جميعًا، / (٧ / أ) والحول غير منون، والقوة منونة. قال الشاعر (١٠٤):
(رأتْ إبلي برمل جَدودَ ألّا مَقيلَ لها ولا شِرْبًا نقوعا) (١٠٧)
قال الفراء: (لا) معناها السقوط من الكلام، كأنه قال: لا حول وقوة إلا بالله. وأنشد الفراء حجة لهذا:
_________________
(١) الأبيات لسعد بن مالك وهي شرح ديوان الحماسة (م) ٥٠٠ و(ت) ٢ / ٧٣.
(٢) ديوانه ٤٧٥، ٤٧٧. وينظر معاني القرآن ١ / ١٢١، ٣ / ٢٣٢، وإيضاح الوقف والابتداء: ٦٩ و(بن أبي الصلت) ساقط من سائر النسخ. وأمية جاهلي أدرك الإسلام. (الشعر والشعراء ٤٥٩، الأغاني ٤ / ١٢٠، الخزانة ١ / ١١٨) .
(٣) اختلف فيه، فهو رجل من مذحج عند سيبويه ١ / ٣٥٢ وهني بن أحمر في المؤتلف والمختلف ٤٥ وهمام بن مرة الشيباني في الحماسة الشجرية ٢٥٤ وضمرة بن ضمرة في الخزانة ١ / ٢٤٣ والزرافة (الكاهلي؟) الباهلي في شرح أبيات سيبويه ١ / ١٥٩ وعمرو بن الغوث بن طيىء في فرحة الأديب ص ٢٥ والفرعل الطائي؟ في الحماسة البصرية ١ / ١٣ وعمرو بن الحارث في: من اسمه عمرو من الشعراء ٤٢٣ وعامر بن جوين أو منقذ بن مرة الكناني في حماسة البحتري ٧٨ وحري بن ضمرة فيما ذكره الميمني في ذيل اللآلى ٤١ نقلًا عن جمهرة النسب لابن الكلبي. والحيس: لبن وأقط وسمن يصنع منه طعام لذيذ. وجندب أخو الشاعر، وكان أهله يؤثرونه عليه ويفضلونه. (١٠٤) معاني القرآن ١ / ١٢٠ بلا عزو. وجدود موضع في أرض بني تميم، والمقيل موضع القيلولة. والنقوع المجتمع
[ ١ / ١٣ ]
(فلا أبَ وابنًا مثلُ مروانَ وابنِهِ إذا ما ارتدى بالمجد ثم تأزَّرا (١٠٥)
قال أبو بكر: وإنما لم ينون الحول، ونونت القوة، لأن الحول قرب من لا، والقوة بعدت من لا.