قال أبو بكر: في المؤمن (٤٩) ثلاثة أقوال: قال الكلبي (٥٠) المؤمن: الذي لا يخاف ظُلمُهُ. وقال بعض أهل اللغة: المؤمن: الذي أَمِنَ أولياؤه عذابَه؛ واحتج بقول الشاعر (٥١):
(والمؤمنِ العائذاتِ الطيرَ يمسحُها ركبانُ مكةَ بين الغَيْلِ والسَّنَدِ)
قال أبو بكر: وسمعت أبا العباس يقول: المؤمن عند العرب: المُصَدّق. يذهب إلى أن الله تعالى يصدِّقُ عباده المسلمين يوم القيامة.
وذلك أن المفسرين (٥٢) قالوا: إذا كان يوم القيامة يسأل الله تعالى الأمم عن (١٨١) (٣٤ / ب) / تبليغ الرسل فتقول (٥٣): يا ربنا ما جاءنا رسول ولا نذير، فيكذِّبون أنبياءَهم. ويؤتي بأمة محمد فيُسألون عن ذلك، فيصدِّقون نبيهم والأنبياء الماضين، فيُصدقهم الله جل وعز عند ذلك، ويصدِّقهم النبي. فذلك قوله ﷿: ﴿فكيفَ إذا جِئنا من كلِ أمةٍ بشهيدٍ وجئنا بكَ على هؤلاءِ شهيدًا﴾ (٥٤)،
_________________
(١) أنشده المؤلف في شرح القصائد السبع: ١٨٨. وهو في الزينة ٢ / ٤٤. وعمرو بن الأسلع فارس شاعر، أدرك بثأره في يوم الهباءة من بني بدر. (من اسمه عمرو من الشعراء ٦٤٠، النقائض ٩٦) .
(٢) الزجاج ٣١، الزينة ٢ / ٧٠، الزجاجي ٣٨٥، لوامع البينات ١٨٩.
(٣) هشام بن محمد بن السائب، توفي سنة ٢٠٦ هـ. (الفهرست ١٤٦، تاريخ بغداد ١٤ / ٤٥، وفيات الأعيان ٦ / ٨٢) .
(٤) النابغة، ديوانه ٢٠، والعائدان: التي تعود بالحرم. والغيل بفتح الغين الماء الجاري، والسند الجبل، وفتح الغين رواية الأصمعي. ورواه أبو عبيدة: بين الغيل والسعد بكسر الغين، والغيل والسعد عنده أجمتان كانتا بين مكة ومنى.
(٥) معاني القرآن ١ / ٨٣.
(٦) ك: فيقولون.
(٧) النساء ٤١. وينظر زاد المسير ٣ / ٨٥.
[ ١ / ٨٤ ]
ومن ذلك قوله ﷿: ﴿وكذلكَ جعلناكم أمةً وسطًا لتكونوا شهداءَ على الناسِ ويكونَ الرسولُ عليكم شَهيدًا﴾ (٥٥) .
والمؤمن: المصدق لعباده؛ كما قال الله ﷿ ﴿يُؤمِنُ بالله ويُؤمِنُ للمؤمنين﴾ (٥٦)، معناه: يصدق الله ويصدق المؤمنين.
والمهيمن (٥٧): القائم على خلقه، قال الشاعر:
(ألا إنّ خيرَ الناسِ بعد محمد مهيمنُهُ التاليه في العُرْفِ والنُّكْرِ) (٥٨)
معناه: القائم على الناس بعده. ومن ذلك قوله ﷿: ﴿مُصَدّقًا لما بينَ يَدَيْهِ من الكتاب ومهيمنًا عليه﴾ (٥٩) .
في المهيمن (٦٠) خمسة أقوال:
قال ابن عباس: المهيمن: المؤمن.
وقال الكسائي: المهيمن: الشهيد.
وقال أبو عبيد (٦١): يقال: المهيمن: الرقيب؛ يقال: قد هيمن الرجل يهيمن هيمنة: إذا كان رقيبًا على الشيء.
وقال أبو مَعْشَر (٦٢): (ومهيمنًا عليه)، معناه: وقَبّانًا على الكتب. (١٨٢)
وقال أهل اللغة (٦٣): القَبّان، لا أصل له في كلام العرب، إنما هو: القَفّان.
_________________
(١) البقرة ١٤٣.
(٢) التوبة ٦١.
(٣) الزجاج ٣٢، الزينة ٢ / ٧٣، الزجاجي ٣٩٥. وتهذيب اللغة: ٦ / ٣٣٤.
(٤) [في ف: نبيه. وهو في] زاد المسير ٨ / ٢٢٦ من دون عزو.
(٥) المائدة ٤٨.
(٦) ك، ف: مهيمن. وينظر ما قيل في المهيمن: تفسير الطبري ٦ / ٢٦٦.
(٧) ك: أبو عبيدة.
(٨) أبو معشر السندي، اسمه نجيح، توفي سنة ١٧٠ هـ. (طبقات ابن خياط ٦٨٧، طبقات ابن سعد ٥ / ٤١٨، تهذيب التهذيب ١٠ / ٤١٩.
(٩) ينظر: التلخيص ٣٢٠، المعرب ٣٢٣، تهذيب اللغة: ٩ / ١٩٠.
[ ١ / ٨٥ ]
(٣٥ / أ)
وقال الأصمعي (٦٤): / يقال فلان قفان على فلان: إذا كان يتحفَّظ أموره. ومنه الحديث الذي يُروى عن عمر بن الخطاب (٦٥) (رض): (أن حُذَيْفَة بن اليمان (٦٦) قال له: إنك تستعين بالرجل الذي فيه عيب، فقال: أستعمله لأستعين بقوته، ثم أكون بعد على قَفّانِهِ)، أي: على تحفظ أخباره.
وقال ابن الأعرابي: القفان عند العرب: الأمين، قال: وهو فارسي معرب.
وقال أبو عبيدة: القفان عند العرب: الذي يتتبع أمر الرجل ويتحفظه، ثم يحاسبه عليه.
وقال قوم: معنى قول الله ﷿: ﴿ومهيمنًا عليه﴾: قائما على الكتب.
قال بعض نحويي البصرة (٦٧) أصل مهيمن: مُؤَيْمن؛ فأبدلوا من الهمزة هاء؛ كما قالوا: أَرَقْتُ الماءَ وهَرَقْت (٦٨) الماء، وإيّاك وهِيّاك. قال الشاعر:
(يا خال هلّا قلتَ إذ أعطيتني هِيّاكَ هِيّاكَ وحنواءَ العُنُقْ) (٦٩)
وقال الآخر (٧٠):
(فهِيّاكَ والأمرَ الذي إنْ توسَّعْتَ موارِدُه ضاقَتْ عليكَ المصادِرُ)
ومهيمن وزنه: مُفَيْعِل، وقد جاء في كلام العرب حروف على مثاله، منها، المُسيطر، وهو: المُسلط؛ قال الله ﷿: ﴿لستَ عليهم
_________________
(١) غريب الحديث ٣ / ٢٤٠.
(٢) الفائق ٣ / ٢١٥، النهاية ٤ / ٩٢.
(٣) صحابي، توفي سنة ٣٦ هـ. (أسد الغابة ١ / ٤٦٨، الإصابة ٢ / ٤٤) .
(٤) ك: بعض البصريين. ف، ق: نحويي بن. وهو المبرد في القرطبي ٦ / ٢١٠.
(٥) ك، ر: وهرقته.
(٦) شرح المفضليات: ٤١٥، واللسان (هيا) بلا عزو.
(٧) مضرس بن ربعي في شرح شواهد الشافية ٤٧٦. وهو بلا عزو في شرح ديوان الحماسة (م) ١١٥٢.
(٨) ل: مصارده.
[ ١ / ٨٦ ]
بمُسَيْطِرٍ﴾ (٧٢) والمُبَيْطِر، وهو: البيطار. قال النابغة (٧٣): (١٨٣)
(شَكَّ الفَريصةَ بالمِدرى فأنفذَها شكَّ المُبَيْطِرِ إذ يَشْفي من العَضَدِ)
العضد: داء يأخذ الإبل. والمُبَيْقر من قولهم: قد بَيْقَرَ الرجل يُبَيْقِرُ بَيْقَرَة: إذا أَفْسَدَ. ويقال أيضًا: قد بَيقر الرجل: إذا أسرعَ في مالِهِ، / وبيقر: إذا أسرع (٣٥ / ب) في مَشيه. ويقال أيضًا: قد بيقر الرجل: إذا دخل الحضَرَ. أنشدنا (٧٤) أبو العباس:
(ألا هلْ أتاها والحوادثُ جمَّةٌ بأنَّ أمرأ القيسِ بن تَمْلك بَيْقَرا) (٧٥)
والمديبر: من الأدبار والتخلف. والمجيمر: اسم جبل. قال امرؤ القيس (٧٦)
(كأني أرى (٧٧) رأس المُجيمر غُدْوةً من السيل والغُثّاءِ فَلْكَةَ مِغْزَلِ)