(١)
قال أبو بكر: قال قطرب [محمد] بن المستنير (٢): معناه اللهم غطِّ علينا ذنوبنا. قال: وهو مأخوذ من قول العرب: قد غفرت المتاع في الوعاء أغفره غفرا، ويقال: اغفر متاعك في الوعاء، أي: غطه فيه.
قال أبو بكر: وسمعت أبا العباس يقول: تقول العرب: [قد] غفر الرجل في مرضه يغفر غفرًا إذا نُكِسَ في مرضه، فكأن المرض غطَّى عليه. واحتج بقول الشاعر (٣):
(خليلي إنَّ الدارَ غَفْرٌ لذي الهوى كما يغفرُ المحمومُ أو صاحبُ الكَلْمِ)
ومن ذلك قوله ﷿: ﴿واستغفروا ربكم﴾ (٤)، معناه: سلوا ربكم أن يغطي عليكم ذنوبكم. ومن ذلك قوله: ﴿أنِ اعبدوا الله واتقوه وأطيعونِ يَغْفِرْ لكم من ذنوبكم﴾ (٥) . معناه: يغطي عليكم ذنوبكم. (٨ / أ)
قال الكِسائي (٦) وهشام (٧) وغيرهما: / (من) في هذا الموضع زائدة، وذهبوا إلى أنها مؤكدة للكلام، والمعنى عندهم: يغفر لكم ذنوبكم. وقالوا: هو بمنزلة قوله: ﴿ولهمْ فيها منْ كلِّ الثمراتِ﴾ (٨)، والمعنى: ولهم فيها كل الثمرات واحتجوا بقوله ﷿: ﴿قُلْ للمؤمنينَ يغضوا من أبصارهم﴾ (٩)، فالمعنى:
_________________
(١) الفاخر ١٣٤، اللسان والتاج (غفر) .
(٢) توفي سنة ٢٠٦ هـ (طبقات النحويين ٩٩، نور القبس ١٧٤: أخبار النحويين ٣٨) .
(٣) المرار الفقعسي، شعره: ١٧٦.
(٤) هود ٩٠.
(٥) نوح ٣، ٤
(٦) علي بن حمزة، إمام أهل الكوفة في النحو، وأحد القراء السبعة، توفي ١٨٩ هـ. (نور القبس ٢٨٣، الأنباه ٢ / ٢٥٦، البغية ٢ / ١٦٢) .
(٧) هشام بن معاوية الضرير، أخذ عن الكسائي، توفي سنة ٢٠٩ هـ. (نزهة الألباء ١٦٤. أنباه الرواة ٣ / ٣٦٤، وفيات الأعيان ٦ / ٨٥) .
(٨) محمد ١٥.
(٩) النور ٣٠.
[ ١ / ١٦ ]
يغضوا أبصارهم، واحتجوا بقوله ﷿: ﴿وَعَدَ الله الذينَ آمنوا وعملوا (١١٠﴾ الصالحاتِ منهم مَغْفِرةً وأَجْرًا عظيمًا) (١٠)، قالوا: فمن ليست في هذا الموضع مُبعضة إنما المعنى: وعدهم الله كلهم مغفرة وأجرًا عظيمًا، فدخلت (من) للتوكيد. وكذلك قوله: ﴿ولتكنْ منكم أمةٌ يدعونَ إلى الخير﴾ (١١)، فلم يؤمر بهذا بعضهم دون بعض، إنما المعنى: ولتكونوا كلكم أمة يدعون إلى الخير. ومن ذلك قول الشاعر (١٢):
(أخو رغائبَ يُعطيها ويسألُها يأبى الظلامَة منه النَوْفَلُ الزُّفَرُ)
النوفل: الكثير الإعطاء للنوافل. والزفر: الذي يحمل الأثقال والأمور التي يعجز عنها غيره. و(من) مؤكدة للكلام. وقال أصحاب المعاني: المعنى (١٣) يأبى الظلامة، لأنه نوفل زفر. قال ذو الرمة (١٤):
(إذا ما امرؤ حاولنَ أنْ يقتتلْنَهُ بلا إحْنَةٍ بينَ النفوسِ ولا ذَحْلِ)
(تبسَّمنَ عن نَوْرِ الأقاحيِّ في الثرى وفَتَّرْنَ من أبصارِ مضروجةٍ نُجْلِ)
أراد: وفترن أبصارًا مضروجةً، فأكَّد الكلام بمن.
قال أبو بكر: قال الفراء (١٥): معنى قوله ﷿: ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ (١٦): يغفر لكم من أذنابكم وعن أذنابكم (١٧)، أي: يغفر لكم من أجل وقوع الذنوب منكم؛ كما تقول / في الكلام: قد اشتكيت من دواء شربته؛ (٨ / ب / ١١١) فالمعنى: قد اشتكيت من أجل الدواء الذي شربته.
_________________
(١) الفتح ٢٩.
(٢) آل عمران ١٠٤.
(٣) أعشى باهلة، الصبح المنير ٢٦٧. والزفر: السيد. وينظر الأضداد: ٢٥٢.
(٤) ساقطة من ك.
(٥) ديوانه ١٤٤ - ١٤٥. وينظر الأضداد ٢٥٣. والاحنة العداوة. والذحل الطلب بالدم، وهو هنا الأمر الذي أساءت به والنور الزهر. ومضروجة: واسعة شق العين. ونجل: واسعات العيون. وذو الرمة هو غيلان ابن عقبة صاحب مية، ت ١١٧ هـ. (الشعر والشعراء ٥٢٤، اللآلي ٨١، الخزانة ١ / ٥٠) .
(٦) معاني القرآن ٣ / ١٨٧.
(٧) نوح ٤.
(٨) كذا في المعاني، ولا يعرف جمع ذنب بمعنى اثم على أذناب.
[ ١ / ١٧ ]
وقال قطرب: من المغفرة قولهم: قد غَفَرَ الرجل رأسه بالمِغْفَر، أي: غطاه به، ويقال للبيضة التي يغطى بها الرأس: الغفارة.
وقال الأصمعي (١٨): معنى قولهم: اللهم اغفر لنا ذنوبنا: اللهم استر علينا ذنوبنا. قال: والعرب يقول الرجل منهم للرجل: اصبغ ثوبك [بقرف السدر] فإنه اغفرُ للوَسَخِ، أي: أستر للوسخ.
وفي: يصبغ، ثلاث لغات: يقال: قد صَبَغَ الثوبَ يصبَغُهُ ويصبغُهُ، ويصبُغُهُ، وكذلك دَبَغَ الجلدَ يدبِغُهُ ويدبَغُهُ، ويدبُغُهُ، ونَغَقَ (١٩) الغرابُ، إذا صاح، ينغَقُ وينغِقُ وينغُقُ، وكذلك نَهَقَ الحمار ينهَقُ وينهِقُ وينهُقُ. قال أبو بكر: حكى (٢٠) هذا أبو العباس عن سَلَمَة (٢١) عن الفراء