(٢٢)
قال أبو بكر: فيه ثلاثة أقوال:
قال أبو عُبيْد القاسم بن سلام (٢٣) المعنى: ولا ينفع ذا الغِنى منك غناه، وإنما ينفعه طاعتك والعمل بما يقربه منك. (١١٢)
واحتج بقول النبي. (قمتُ على باب الجنةِ فإذا عامةُ من يدخلها
_________________
(١) هو عبد الملك بن قريب، ت ٢١٦ هـ. (المراتب ٤٦، الجرح والتعديل ٢ / ٢ / ٣٦٣، طبقات القراء ١ / ٤٧٠) .
(٢) من ك، ل، وفي الأصل: نعق بالعين المهملة، وكلاهما صحيح.
(٣) ل: حكى لنا.
(٤) سلمة بن عاصم، والد المفضل صاحب كتاب الفاخر. (طبقات النحويين واللغويين ١٣٧، أنباه الرواة ٢ / ٥٦، طبقات القراء ١ / ٣١١) .
(٥) حديث شريف، ينظر: غريب الحديث ١ / ٢٥٦، والغريبين ١ / ٣٢٦، النهاية ١ / ٢٤٤.
(٦) غريب الحديث ١ / ٢٥٧. وأبو عبيدة، ت ٢٢٤ هـ. (مراتب النحويين ٩٣، تاريخ بغداد ١٢ / ٤٠٣، الأنباه ٣ / ١٢) .
[ ١ / ١٨ ]
الفقراءُ وإذا أصحابُ الجَدِّ محبوسون) (٢٤) . فمعناه: وإذا أصحاب الغنى في الدنيا محبوسون (٢٥) . قال: وهو بمنزلة قوله ﷿: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ﴾ (٢٦) وقوله (٢٧): ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زُلفى إلاّ مَنْ آمن وعَمِلَ صالحًا (٢٨﴾) .
/ وقال غير أبي عبيد: الجَدُّ في هذا الموضع الحظ وهو الذي تسميه العوام (٩ / أ) البخت. والمعنى عندهم: ولا ينفع ذا الحظ منك الحظ إنما ينفعه العمل بطاعتك. وقالوا هو مأخوذ من قول العرب: لفلان جَدٌّ في الدنيا، أي: حظ وبخت؛ قال امرؤ القيس (٢٩):
(ألا يا لهفَ نفسي إثر قوم هم كانوا الشِّفاءَ فلم يُصابوا)
(وقاهم جَدُّهم ببني أبيهم وبالأَشْقَيْنَ ما كانَ العقابُ)
أراد (٣٠): وقاهم حظهم. وقال الأخطل (٣١):
(أعطاكم الله جَدًّا تنصرونَ به لا جَدَّ إلاّ صغيرٌ بعدُ مُحْتَقَرُ)
ومنه قول الآخر (٣٢):
(عِشْ بجَدٍ ولا يَضركَ نَوْك إنّما عيشُ مَنْ ترى بالجدودِ)
قال أبو بكر: وسمعت أبا العباس يقول: الجد في كلام العرب ينقسم على (١١٣) أقسام:
_________________
(١) غريب الحديث ١ / ٢٥٧ - ٥٨.
(٢) فمعناه محبوسون: ساقط من ك.
(٣) الشعراء ٨٩.
(٤) من ك، ل. وفي الأصل: وهو بمنزلة قوله.
(٥) سبأ ٣٧.
(٦) ديوانه ١٣٨ وينظر شرح القصائد السبع: ٦.
(٧) ساقطة من ك.
(٨) ديوانه ١٠٤ (صالحاني)، ٢٠ (قباوة) . والأخطل هو غياث بن غوث التغلبي، ت ٩٠ هـ. (طبقات ابن سلام ٤٥١، الشعر والشعراء ٤٨٣) .
(٩) ك: وقال الآخر. والبيت لأبي محمد اليزيدي في شعر اليزيدين ٤٥.
[ ١ / ١٩ ]
يكون الجد أبا الأب، ويكون الجد أبا الأم، ويكون الحظ، وهو الذي تسميه العوام البخت، ويكون الجد الجلال، ويكون الجد العظمة؛ كما قال الله ﷿: ﴿وأَنَّهُ تعالى جَدُّ ربِّنا﴾ (٣٣)، قال ابن عباس: معناه: وأنه تعالى جلالُ ربِّنا. واحتج بقول الشاعر:
(ترفَّعَ جَدُّكَ إنِّي امرؤٌ سقتني الأعادي إليك السِّجالا) (٣٤)
وقال الحسن: تعالى جد ربنا، معناه: تعالى غنى ربنا. وقال السُّدِّيَ (٣٥): معناه تعالى أمره. وقال مجاهد (٣٦): معناه تعالى ذكر ربنا. وقال غيرهم: معناه تعالت عظمة ربنا. وهذه الأقوال متقاربة في المعنى (٣٧) . (٩ / ب)
وقال أبو العباس: يقال: قد / جَدَّ الرجل يَجدُّ إذا صار له جَد، وما كنت ذا جَدٍّ، ولقد جَدُدْتَ، وأنت تَجَدُّ يا رجل (٣٨) .
قال: وأنشدني ابن الأعرابي:
(ولقد يُجدُّ المرءُ وهو مُقَصِّرٌ ويخيبُ سَعْيُ المرءِ غيرَ مقصِّرِ) (٣٩) (١١٤)
ويقال: أَجَدَّهُ الله: إذا جعل له جَدًّا، وحُظَّ الرجلُ فهو محظوظٌ، من الحظِّ.
وقال أبو العباس: ما كنت ذا حظٍّ، ولقد حَظِظْتَ وأنت تَحَظُّ: ويقال: رجل حَظِيظٌ جَديدٌ، من الجَدِّ والحَظِّ
_________________
(١) الجن ٣. وينظر تفسير الطبري ٢٩ / ١٠٣ ففيه أقوال الحسن والسدي ومجاهد، ونسب قول ابن عباس فيه إلى قتادة.
(٢) تفسير الطبري ٢٩ / ١٠٥ بلا عزو. والسجال جمع سجل. وهو الدلو (٣٥) إسماعيل بن عبد الرحمن، توفي سنة ١٢٧ هـ. (النجوم الزاهرة ١ / ٣٠٤، ميزان الاعتدال ١ / ٢٣٦، طبقات المفسرين ١ / ١٠٩) .
(٣) مجاهد بن جبر، توفي سنة ١٠٣ هـ. (المعارف ٤٤٤، طبقات القراء ٢ / ٤٤، طبقات الحفاظ ٣٥ (٣٧) ينظر: زاد المسير ٨ / ٣٧٨، وبصائر ذوي التمييز ٢ / ٣٧٠.
(٤) (يا رجل) ساقط من ك.
(٥) شرح القصائد السبع ٤٥٧ والأضداد: ٢٠٧، وشرح المفضليات: ٦٤٩، ٦٩٧ بلا عزو. ف: ويضيع.
(٦) ك: الجد.
[ ١ / ٢٠ ]
ويقال: قد جَدَّ الرجل في الأمر إذا انكمش فيه (٤١)، يجدُّ جِدًاّ. وإذا خاطبت الرجل قلت: ما كنت ذا جد، ولقد جَدَدْتَ وأنت تَجِد. قال أبو العباس: أنشدني السدري (٤٢):
(لطالما برَّحَتْ بي الأعينُ النُجُلُ واقتادني بدواعي (٤٣) غيِّهِ الغَزَلُ)
(عهدَ الشبابِ لقد أبقيتَ لي حَزَنًا ما جَدَّ ذكرك إلا جَدَّلي ثُكُلُ)
(إن المشيبَ إذا ما حل زائره بمنهل جاء يقفو أثره الأَجَلُ) (٤٤)
ويقال: جَدَّ يَجدُّ: إذا قَطَعَ. ويقال: قد جَدَّ القميص يجدُّ، بكسر الجيم. ويقال: قميص جديد، وجبة جديد، بغير هاء.
قال أبو بكر: قال الفراء (٤٥): إنما لم تدخل الهاء في جديد لأن أصلها: مجدود، فلما صُرفت عن مفعول إلى فعيل، الزمت التذكير، كما تقول العرب: كفٌ خضيبٌ، وعينٌ كحيلٌ، ولحيةٌ دهينٌ، فتحذف (٤٦) الهاء، لأن الأصل فيهن: كف مخضوبة، وعين مكحولة (٤٧)، ولحية مدهونة، / فلما صرفت إلى فعيل ألزمت (١٠ / أ) التذكير، ليفرق بين ماله الفعل، وبين ما الفعل واقع عليه؛ فالذي له الفعل قولك: امرأة كريمة وأديبة وظريفة، والذي الفعل واقع عليه قد تقدم ذكره.
قال أبو بكر: وسمعت أبا العباس يقول: هي القنطرة الجديد ورأيت القنطرة الجديد، بغير هاء (٤٨)، لأن الفعل واقع عليها. (١١٥)
قال أبو بكر: رأيت القنطرة العتيقة، بالهاء، لأن الفعل لها عَتُقَتْ فهي عتيقة، فصارت بمنزلة الأديبة والكريمة.
_________________
(١) ساقطة من ك، ر.
(٢) من أصحاب الأصمعي، روى عنه ثعلب في مجالسه. (ذيل الأمالي ١٣٠، طبقات النحويين واللغويين ١٧٢) .
(٣) ك: واقتداني لدواعي.
(٤) الأبيات لمحمد بن حازم في الأغاني ١٤ / ٩٤، وأمالي المرتضى ١ / ٦٠٦.
(٥) ينظر: المذكر والمؤنث ٥٨.
(٦) ك: فحذف.
(٧) تأخرت في ك بعد (مدهونة) .
(٨) (بغير ويقال): ساقط من ك.
[ ١ / ٢١ ]
وزعم الفراء: أن من العرب مَنْ يقول: هذه ملحفة جديدة، فيدخلون فيها الهاء، وهذه لغة لا يؤخذ بها.
ويقال: هذه جبة خلق، وهذه ملحفة خلق، بغير هاء، لأن الأصل في خلق: الإضافة. يقال: أعطني خلق (٤٩) جبتك، وخلق ملحفتك، فلما أفردوه تركوه على ما كان عليه في الإضافة.
قال أبو بكر: وقال الفراء: ومن العرب من يقول: قميص أخلاق وجبة أخلاق، فيصف الواحد بالجمع، لأن الخُلوقة في الثوب تتسع، فيُسمَّى (٥٠) كل موضع منها خَلقًا، ثم يجمع على هذا المعنى. أنشد (٥١) الفراء:
(جاء الشتاءُ وقيمصي أخلاقْ )
(شراذم تُضْحك مني التواقْ )
التواق ابنه. ومن قال: جُبَّةٌ خَلَقٌ، قال في التثنية: جبتان خَلَقان وجبات أخلاق في الجمع. قال أبو العباس: أنشدني أبو العالية (٥٣):
(كفى حزنًا أني تطاللتُ كي أرى ذُرى قُلَّتي دَمْخٍ فما تريانِ) (١٠ / ب) /
(كأنهما والآل يجري عليهما من البعد عينا بُرقعٍ خَلَقانِ) (٥٤)
فذكر: خلقان، للعلة التي تقدمت.
والجِدُّ، بكسر الجيم، ينقسم على قسمين: يكون الجد: الانكماش؛ قال أبو بكر: قال أبو العباس: أنشدني الزبير (٥٥) بن أبي بكر:
_________________
(١) ساقطة من ق.
(٢) ك، ر: فسمي.
(٣) ك: أنشدنا.
(٤) معاني القرآن: ١ / ٤٢٧، الطبري: ١٤ / ١٩، ١٩ / ٧٥ بلا عزو.
(٥) من أصحاب الأصمعي، كان ممن يحضر مع ثعلب مجالس الفراء. (الفهرست ١١٦، ذيل الأمالي ١٣٠) .
(٦) البيتان لطهمان، ديوانه ٦٠. وتطاللت تطاولت، والذرى جمع ذروة وهو أعلى شيء والقلة أعلى الجبل، ودمخ: جبل.
(٧) ق: زبير. والزبير هو الزبير بن بكار، عالم بالأنساب وأخبار العرب، توفي سنة ٢٥٦ هـ. (تاريخ بغداد ٨ / ٤٦٧، وفيات الأعيان ٢ / ٣١١) .
[ ١ / ٢٢ ]
(ولما رأينا البينَ قد جَدَّ جِدُّهُ ولم يبقَ إلاّ أنْ تزولَ الركائبُ) (١١٦)
(مررنا فسلَّمنا سلامًا مخالسًا فردَّت علينا أعينٌ وحواجبُ) (٥٦)
ويكون الجد: الحقّ، كقولك: جِد في الجِدِّ ودع الهزلَ. قال الشاعر:
(هزلتْ وجدَّ القولُ فاحتجبتْ فبقيت بين الجِدِّ والهزلِ) (٥٧)
ومن ذلك قولهم في القنوت: (ونخشى عذابَكَ إنَّ عذابك الجدَّ بالكفارِ مُلْحِقٌ) (٥٨) . معناه: إنّ عذابك الحقّ. ومنه قولهم: هو عالم جِدًاّ، بكسر الجيم، معناه: هو عالم حقًّا حقًّا. والعامة تُخطىء فتفتح الجيم، وأنشد الفراء:
(إنَّ الذي بيني وبينَ بني أبي وبينَ بني عَمِّي لمختلفٌ جِدًّا) (٥٩)
والوجه الثالث: قول الناس: ولا ينفع ذا الجِدّ منك الجِدّ بكسر الجيم، قال أبو بكر: قال أبو عبيدة (٦٠): هو خطأ، لأن الجد: الانكماش، والله ﷿ قد دعا الناس وأمرهم بالانكماش في طاعته فقال: ﴿قد أفلح المؤمنونَ الذينَ هم في صلاتِهم خاشعونَ﴾ (٦١) وقال: ﴿يا أيها الرسلُ كلوا من الطيباتِ واعملوا صالحًا﴾ (٦٢)، وقال: ﴿إنَ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ إنّا لا نضيعُ أجرَ مَنْ أحسنَ عَملًا﴾ (٦٣) . قال أبو عبيد: ولا يجوز أن يأمرهم بالانكماش ويدعوهم إليه ثم يقول: لا ينفعهم انكماش. (١١٧)
قال أبو بكر: ولا أظن الذين رووا هذا بكسر الجيم ذهبوا إلى المعنى الذي أنكره أبو عبيد ولكنهم أرادوا: ولا ينفع ذا الانكماش / والحرص على الدنيا (١١ / أ) انكماشه وحرصه عليها، إنما ينفعه العمل للآخرة.
_________________
(١) الحماسة البصرة ٢ / ١٠٣ بلا عزو.
(٢) ك: واحتجبت. ولم أقف على البيت.
(٣) النهاية ٤ / ٢٣٨.
(٤) للمقنع الكندي في شرح ديوان الحماسة (م) ١١٧٩. وينظر الأضداد: ٢٠٧.
(٥) غريب الحديث ١ / ٢٥٨.
(٦) المؤمنون ٢.
(٧) المؤمنون ٥١.
(٨) الكهف ٣٠.
[ ١ / ٢٣ ]
والجُدُّ بضم الجيم: البئر القديمة الجيدة الموضع من الكلأ. قال زهير (٦٤):
(أثافيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجلٍ ونُؤْيًا كحوضِ الجُدِّ لم يَتَثَلَّمِ)
وقال الآخر [وهو طرفة] (٦٥):
(لَعَمرُك ما كانت حَمولُة مَعْبَدٍ على جُدِّها حربا لدينِكَ من مُضَرْ)
ويقال: رجل جُدٌّ، بضم الجيم، إذا كان له جد في الناس.