(٦٦)
قال أبو بكر: وعثَاء السفر: شدة النصب والمشقة، وكذلك هو في المأثم.
قال الكميت (٦٧) يخاطب جذامًا:
(فأينَ ابنُها منكم ومنا وبعلُها خُزَيْمَةُ والأرحامُ وعثاءُ حُوبُها) (١١٨)
فمعناه: في قطيعة الرحم مأثم شديد. وأصل الوعثاء من الوعث، وهو الدهس، والمشي يشتد فيه على صاحبه. فصار مثلًا لكل ما يشق على فاعله.
وكآبة المنقلب: أن يرجع الرجل من سفره إلى منزله بأمر يكتئب منه أو يرى في منزله عند قدومه ما يغمه ويحزنه.
والحور بعد الكور، فيه قولان: قال أكثر أهل اللغة: الحور بعد الكور، يعني: النقصان بعد الزيادة. قال: وهو مأخوذ من كور العمامة وحورها. وإذا قال الرجل: اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور، فمعناه: اللهم إنا نعوذ
_________________
(١) ديوانه ٧. والسفعة سواد تخلطه حمرة. والمعرس موضع تعريس القوم. والنؤي حاجز يرفع حول البيت لئلا يدخل الماء. وزهير بن أبي سلمى شاعر جاهلي من أصحاب المعلقات. (الشعر والشعراء ١٣٧، الأغاني ١٠ / ٢٨٨) .
(٢) من ل. والبيت في ديوانه ١٦٠. وينظر الأضداد: ٢٠٧، وشرح القصائد السبع: ١٢٢.
(٣) هو حديث شريف، ينظر: غريب الحديث ١ / ٢٢٠، سنن ابن ماجة ١٢٧٩، المجازات النبوية ١٤١، تلخيص البيان ٢٨٣.
(٤) شعره: ١ / ١١٦. و(يخاطب جذاما) ساقط من ك. والكميت بن زيد الأسدي شاعر الهاشميين، ت ١٢٦ هـ. (الشعر والشعراء ٥٨١، الأغاني ١٧ / ١، شرح أبيات مغني اللبيب ١ / ٣٣) .
[ ١ / ٢٤ ]
بك أن تتغير أمورنا، وتنتقض كنقض العمامة بعد كورها، وهو شدُّها. واحتجوا بأنَّ الحجاج بن يوسف (٦٨) بعث رجلًا أميرًا على جيش، ليقاتل الخوارج، ثم بعث / (١١ / ب) به بعد مدة تحت لواء رجل آخر، فقال للحجاج: هذا الحور بعد الكور. فقال له الحجاج: وما الحور بعد الكور؟ قال: النقصان بعد الزيادة.
وقال آخرون: اللهم إنّا نعوذ بك من الحور بعد الكور، معناه: اللهم إنا نعوذ بك من الرجوع والخروج عن الجماعة، بعد أن كنا في الكور، وهو الاجتماع.
ويقال: قد كار الرجل عمامته على رأسه: إذا شدّها وجمعها، وحارها إذا: نقضها وأفسدها.
ورواه بعض أهل العلم: اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكون، بالنون، فسُئل عن معنى ذلك فقال: أما سمعتَ (٦٩) قول العرب: حار بعدما كان. أي كان على [حال] جميلة فحار عنها، أي: رجع عنها. يقال: قد حار الرجل يحور حورًا: إذا رجع. من ذلك قول الله جل وعز: ﴿إنّه ظَنَّ أنْ لَنْ يحورَ﴾ (٧٠)، معناه: أن لن يرجع. قال لبيد (٧١):
(وما المرءُ إلا كالشهابِ وضوئِهِ (٧٢)
يحورُ رمادًا بعدَ إذ هو ساطْعُ) (١١٩)
أراد: يرجع رمادًا. وقال الآخر (٧٣):
(أصبحتْ دارُنا قِفارًا خَلاءً بعدَ عدنانَ والإِلهُ مَحاري)
وقال عمران بن حطان (٧٤):
_________________
(١) الحجاج بن يوسف الثقفي عامل عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان، ت ٩٥ هـ. (مروج الذهب ٣ / ١٢٥، الأوائل ٢ / ٦٠ وفيات الأعيان ٢ / ٢٩) .
(٢) ك: بلغت.
(٣) الانشقاق ١٤.
(٤) ديوانه ١٦٩. ولبيد بن ربيعة، من أصحاب المعلقات، أدرك الإسلام فأسلم، توفي ٤٠ هـ (الشعر والشعراء ٢٧٤، الأغاني ١٥ / ٣٦١، شرح شواهد المغني ١٥٢) .
(٥) ك: وضوء.
(٦) لم أهتد إليه.
(٧) أخل به شعره. وعمران من شعراء الخوارج، ت ٨٤ هـ. (المؤتلف والمختلف ١٢٥، الإصابة ٥ / ٣٠٢، الخزانة ٢ / ٤٣٦) .
[ ١ / ٢٥ ]
(فقد حرتُ في النقصِ الغداة وقد بدا لكم كبري وابيضَّ مني المفارقُ)
وقال الآخر (٧٥):
(إنْ كنتِ عاذلتي فسيري نحوَ العراقِ ولا تحوري)
أي: ولا ترجعي.
وقال آخرون: اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكون، معناه: اللهم إنا نعوذ بك من الرجوع والخروج عن الجماعة، بعد الكون على الاستقامة. (١٢ / أ)
قالوا: فحذفت (على)، لدلالة المعنى عليها، كما / كما قال جل ثناؤه: ﴿فمَنْ شاءَ فلْيؤمِنْ ومَنْ شاءَ فليكفرْ﴾ (٧٦)، معناه: فمن شاء أن يؤمن فليؤمن، ومن شاء أن يكفر فليكفر، على معنى التوعد والتخويف. وزعموا أن العرب تضمر الشيء إذا كان في الكلام دليل عليه. من ذلك قول الشاعر (٧٧):
(تراه كأنَّ الله يجدعُ أَنفَهُ وعَينيْهِ إنْ مولاه أمسى له وَفْرُ)
أراد: كأن الله يجدع أنفه ويفقأ عينيه، فحذف الفعل لدلالة المعنى عليه. (١٢٠) والحور عند العرب البياض. ومن ذلك قولهم: خبز حوارى: إذا كان أبيض. والعين الحوراء، فيه ثلاثة أقوال: قال أبو عبيد: الحوراء الشديدة بياض بياض العين في شدة سواد سواد العين.
قال أبو عمرو الشيباني الظبية الحوراء: السوداء العين التي ليس فيها بياض، قال: ولا يكون هذا في الإنس، إنما يكون في الوحش.
وكذلك قال سعيد بن جبير (٧٨) في قول الله ﷿: ﴿حورٌ عِينٌ﴾ (٧٩) حور السود الأعين.
_________________
(١) المنخل اليشكري، الأصمعيات ٥٨، شرح ديوان الحماسة (م) ٥٢٣. وينظر شرح القصائد السبع: ٤٣٦.
(٢) الكهف ٢٩.
(٣) خالد بن الطيفان في الحيوان ٦ / ٤٠، والمؤتلف والمختلف ٢٢١. والزبرقان بن بدر في أبواب مختارة من كتاب يعقوب بن إسحاق الأصبهاني ١٥. وينظر شرح القصائد السبع: ١٤٨.
(٤) ينظر تفسير الطبري ٢٧ / ١٢٦. وسعيد بن جبير تابعي ثقة، توفي سنة ٩٥ هـ. (طبقات ابن سعد ٦ / ٢٥٦، الجرح والتعديل ٢ / ١ / ٩، معرفة القراء الكبار ٥٦) .
(٥) الواقعة ٢٢.
[ ١ / ٢٦ ]
وقال يعقوب بن السكيت (٨٠): الحور عند العرب: سعة العين، وكبر المقلة وكثرة البياض.
وقال قطرب: الحوراء: الحسنة المحاجر، كبرت العين أو صغرت. والعين. جمع: عيناء، والعيناء: الحسنة العين، الواسعتها. قال قيس بن الخطيم (٨١):
(عيناءُ حوراء يُستضاء بها كأنّها خُوطُ بانةٍ قَصِفُ)
وقال الفراء: الحور العين فيها لغتان: حور عين وحِير عين، وأنشد (٨٢) لبعض الرجاز (٨٣) .
(أزمانَ عيناءُ سرورُ المسرورْ )
(حوراءُ عيناءُ من العين الحِيرْ )
/ وقال الآخر: (١٢ / ب)
(إلى السلف الماضي وآخرَ سائرٌ إلى ربربٍ حيرٍ حسانٍ جآذرُه)
والحواريون فيهم خمسة أقوال (٨٦): (١٢١)
قال أهل اللغة: الحواريون: البيض الثياب. أخذ من الحور، وهو البياض. من ذلك قول العرب: امرأة حوارية، من نساء حواريات: إذا كنّ مقيمات بالأمصار. فقيل لهن ذلك لبياضهن وبعدهن من قشف أهل البادية. قال الشاعر (٨٧):
(حواريّةٌ لا يدخلُ الذمُّ بيتَها مطهرةٌ يأوي إليها مطهّرُ)
_________________
(١) أخذ عن أبي عمرو الشيباني والفراء، توفي ٢٤٤ هـ. (تاريخ بغداد ٤ / ٢٧٣، معجم الأدباء ٢٠ / ٥٠، الأنباه ٤ / ٥٠) .
(٢) ديوانه ١٠٧. وقيس جاهلي، أدرك الإسلام ولم يسلم. (طبقات ابن سلام ٢٢٨، الأغاني ٣ / ١، معجم الشعراء ١٩٦) .
(٣) ساقطة من ك.
(٤) منظور بن مرثد الأسدي كما في تهذيب إصلاح المنطق ٥٩ وشرح أدب الكاتب ٤٠٦.
(٥) من سائر النسخ وفي الأصل: الحير العين.
(٦) شرح القصائد السبع: ١٤١، الأمثال لأبي عكرمة ٢٩، رسالة الملائكة ٣٧ بلا عزو.
(٧) ينظر زاد المسير ١ / ٣٩٤ وفيه نقلت أقوال ابن الأنباري (٨٧) لم أهتد إليه.
[ ١ / ٢٧ ]
وقال الآخر (٨٨):
(فقل (٨٩) للحوارياتِ يبكينَ غَيرنا ولا تبكِنا إلاّ الكلابُ النوابحُ)
وقال آخرون: الحواريون: المجاهدون؛ واحتجوا بقول الآخر:
(ونحن أناسٌ يملأ البيض هامنا ونحن حواريون حين نزاحفُ)
(جماجمنا يوم اللقاء تراسُنا إلى الموت نمشي ليس فينا (٩٠) تجانفُ)
التجانف: التمايل؛ من قول الله ﷿: ﴿غَير متجانفٍ لإِثْمٍ﴾ (٩١)، معناه: غير متمايل إلى إثم.
وقال بعض المفسرين (٩٢): الحواريون القصارون، وقال آخرون: الحواريون: الصيادون، وقال قوم: الحواريون الملوك.
وقال الفراء (٩٣): الحواريون خاصةُ أصحابِ الأنبياء. من ذلك قول النبي: (الزُّبير ابن عمتي وحواريّ من أمتي) (٩٤) . فمعناه: في خاصة أصحابي.
وقال قطرب: الحواريون أُخِذوا من قول العرب: قد حُرْتُ القميص أحوره (١٢٢) إذا غسلته ونظفته. ويقال للعود الذي تدور عليه البكرة محور لأنه يعود إلى حالته الأولى بعد الدوران
_________________
(١) أبو جلدة اليشكري كما في اللسان (حور) والبحر المحيط ٢ / ٤٧٠.
(٢) ك: قل.
(٣) ك: فيه. والبيتان في زاد المسير ١ / ٣٩٤ بلا عزو.
(٤) المائدة ٣.
(٥) ينظر في هذه الأقوال: زاد المسير ١ / ٣٩٤.
(٦) معاني القرآن ١ / ٢١٨.
(٧) النهاية ١ / ٤٥٧.
[ ١ / ٢٨ ]