(١٩٩)
قال أبو بكر: المسكين، معناه في كلام العرب: الذي سكَّنه الفقر، أي قلل حركته. واشتقاقه من السكون؛ يقال: قد تمسكن الرجل، وتسكن إذا (٢٢٥) صار مسكينًا، وتمدرع، وتدرع: إذا لبس المدرعة.
واختلف أهل اللغة في فرق ما بين الفقير والمسكين:
فقال يونس بن حبيب (٢٠٠): الفقير أحسن حالا من المسكين، وقال (٢٠١): الفقير الذي له بعض ما يقيمه، والمسكين الذي لا شيء له. واحتج بقول الشاعر (٢٠٢):
(أَمّا الفقيرُ الذي كانتْ حلوبتُهُ وَفْقَ العيالِ فلم يُتْرَكْ له سَبَدُ)
فقال: ألا ترى أنه قد أخبر أن لهذا الفقير حلوبة؟، وقال: قلت لأعرابي: أفقير أنت [أم مسكين]؟ فقال: لا والله، بل مسكين. أي: أنا أسوأ حالًا من الفقير. وأخذ بقوله يعقوب بن السِّكِّيت (٢٠٣) .
_________________
(١) لم أهتد إليه.
(٢) أدب الكاتب ٢٩، تهذيب اللغة: ٩: / ٢١١٤ اللسان (سكن) .
(٣) تهذيب الألفاظ ١٥، الصحاح (سكن) .
(٤) ك: ويقال.
(٥) الراعي، شعره: ٥٥. والسبد: الشعر، وقيل الوبر. والراعي هو عبيد بن حصين النميري، أموي، ت ٩٠ هـ (طبقات ابن سلام ٥٠٢، الشعر والشعراء ٤١٥، الخزانة ١ / ٥٠٢) .
(٦) تهذيب الألفاظ ١٥، وإصلاح المنطق: ٣٢٦ - ٣٢٧.
[ ١ / ١٢٧ ]
ويروى عن الأصمعي أنه قال: المسكين أحسن حالًا من الفقير. وبذلك كان أبو جعفر أحمد بن عُبَيد يقول. وهو القول الصحيح عندنا؛ لأن الله تعالى (٥٠ / ب) قال: ﴿أمّا السفينةُ فكانت لمساكين يعملون / في البحر فأَرَدْتُ أنْ أَعِيبَها﴾ (٢٠٤)، فأخبر أن للمساكين (٢٠٥) سفينة من سفن البحر، وهي تساوي جملة من المال. وقال تعالى: ﴿للفقراءِ الذين أُحْصِروا في سبيلِ اللهِ لا يستطيعونَ ضَرْبًا في الأرض يحسبُهُمُ الجاهلُ أغنياءَ من التعفُّفِ تعرِفُهُم بسيماهُم لا يسألونَ الناسَ إلحافًا﴾ (٢٠٦) فهذه الحال التي أخبر بها - ﵎ - عن الفقراء هي دون الحال التي أخبر بها عن المساكين.
والذي احتج به يونس من أنه قال لأعرابي: أَفقيرٌ أنت؟ فقال: لا واللهِ، (٢٢٦) بل مسكينٌ، يجوز أن يكون أراد: لا والله، بل أنا أحسن حالًا من الفقير. والبيت الذي احتج به ليست له فيه حجة (٢٠٧)، لأن المعنى: كانت لهذا الفقير حلوبة فيما مضى، وليست له في هذا الحال حلوبة.
والفقير معناه في كلام العرب: المفقور الذي نُزِعَتِ فِقَره من ظهره، فانقطع صُلْبُهُ من شِدَّة الفَقْر. فلا حال هي أوكد من هذه. قال الشاعر (٢٠٨):
(لما رأى لُبَدُ النسورَ تطايَرَتْ رَفَعَ القوادِم كالفقيرِ الأَعْزَلِ)
أي: لم يطق الطيران، فصار بمنزلة من انقطع صُلْبه.
والدليل على هذا قول الله ﷿: ﴿أو مسكينًا ذا مَتْربةٍ﴾ (٢٠٩) معناه: أو مسكينًا لصق بالتراب من شدة الفقر. فلما نعته - ﷿ - بهذا النعت، علمنا أنه ليس كل مسكين على هذه الصفة. ألا ترى أنك إذا قلت: اشتريت ثوبًا ذا
_________________
(١) الكهف ٧٩. و(فأردت أن أعيبها) . ساقط من ك، ق، ف.
(٢) ك: للمسكين.
(٣) البقرة ١٧٣.
(٤) ك: له بحجة.
(٥) لبيد، ديوانه ٢٧٤.
(٦) البلد ١٦.
[ ١ / ١٢٨ ]
علم، نعته بهذا النعت، لأنه ليس كل ثوب له علم، فكذلك المسكين، الأغلب عليه أن يكون له شيء، فلما كان هذا المسكين مخالفًا سائر المساكين / بيَّنَ (٥١ / أ) الله ﷿ نَعْتُهُ.