كتب الاستاذ الدكتور بكري شيخ أمين مقالا تحت عنوان " الجاسر والعطار يكشفان عن خطأ علمي " نشره بمجلة " الخفجي " التي تصدرها " شركة الزيت العربية المحدودة " وأعادت جريدة " البلاد " السعودية نشره، سنة ١٣٩٤ هـ (١٩٧٤ م) . وجاء في المقال قوله: " لقد درجنا في الوطن العربي على تقسيم المدارس المعجمية إلى أربعة أقسام: " الاولى - مدرسة الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه " العين ". " والثانية - مدرسة ابن دريد في " جمهرة اللغة ". " والثالثة - مدرسة الجوهري في معجم " الصحاح ". " والرابعة - مدرسة الزمخشري في " أساس البلاغة ". وكانت هذه التقسيمات مدارا لبحوث ودراسات ومؤلفات كثيرة في مختلف أرجاء الوطن العربي ". ويقول: " والملاحظ أنه لا أحد من الباحثين اعترض على هذه التقسيمات ولا على أصحاب هذه المدارس، وكأن ما وصلوا إليه هو القول الحاسم الجازم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. " وجاء الباحثون السعوديون فأقروا شيئا من هذه التقسيمات وأنكروا شيئا آخر، أقروا للفراهيدي بابتداعه طريقة جديدة في معجمه " العين " وأقروا لابن دريد ريادته في ترتيب " جمهرة اللغة " وأنكروا أن يكون الجوهري مبتدع ترتيب " الصحاح " كما أنكروا أن يكون الزمخشري مبتدع ترتيب " أساس البلاغة ". " وهذا الانكار من العلماء السعوديين بني على أسس علمية، وتحقيقات لغوية، وبراهين حسية مدعومة بالبراهين الموضوعية، والحجج العلمية. " فلقد أثبت الشيخ حمد الجاسر في عدد من الابحاث العميقة التي نشرها في مجلته " العرب " في أعداد سنتها الاولى أن أبا بشر اليمان بن أبي اليمان البندنيجي المتوفي سنة
[ ١ / ١٢ ]
٢٨٤ هـ (٩٨٧ م) سبق الجوهري في منهج التقفية بمائة سنة ونيف، لان الجوهري توفي سنة ٣٩٣ هـ (١٠٠٢ م) وأتى بالادلة المادية، والصور الفوتوغرافية لمخطوط البندنيجي المسمى ب " كتاب التقفية ". " وقد ذكر الشيخ حمد الجاسر أن هذا الكتاب من الكتب المغمورة التي قل أن يرد لها ذكر في كتب اللغة، وهذا من الاسباب التي حملت كثيرا من الباحثين على الاعتقاد بأن الجوهري هو مبتكر منهج ترتيب الكلمات العربية بحسب الحرف الاخير منها، ثم أورد الجاسر كلام البندنيجي عن طريقته، كما أورد الامثلة المختلفة الدالة على منهجه في ترتيب الكلمات. ولكن باحثا آخر استدرك على الجاسر اجتهاده فذكر الفارابي المتوفى سنة ٣٥٠ هـ (٩٦١ م) وهو خال الجوهري وأستاذه، ومؤلف معجم " ديوان العرب " (١) سبق الجوهري بترتيبه والسير على نظام الباب والفصل، وأن أصحاب المعاجم عيل على الفارابي في هذا الترتيب ". ثم أشار الدكتور بكري أمين إلى ذهابي أن الزمخشري ليس مبتكر المنهج الذي يؤسس المعجم على أوائل الكلمات حسب ترتيب حروف الهجاء، وإنما مبتكرها محمد بن تميم البرمكي. وفيما ذهب إليه الدكتور بكري مجال للقول والنقد، ومن ذلك قوله: " والثانية - مدرسة ابن دريد في جمهرة اللغة " ووجه الخطأ أن ابن دريد ليس صاحب مدرسة في معجمات العربية، لانه من مدرسة الخليل، وقد أقمنا الدليل في " مقدمة الصحاح " على انتساب ابن دريد إلى مدرسة الخليل. أما قوله: " درجنا في الوطن العربي على تقسيم المدارس المعجمية إلى أربعة أقسام " فما رأيت هذا الدرج، وما كان هذا التقسيم إلا بأخرة، ولعلي أول من قسم المعجمات العربية إلى مدارس معدودات، فقد ذكرت في " مقدمة الصحاح " هذا التقسيم، وطبعت مع الصحاح سنة ١٣٧٥ هـ (١٩٥٦ م) . وفي سنة ١٣٦٠ هـ كنت بالمدينة المنورة - زادها الله شرفا وتعظيما - ودار الحديث بمجلس العالم الفاضل السيد علي حافظ في المعجمات العربية، وفي " تهذيب اللغة " للازهري، و" التكملة والذيل والصلة " للصغاني، وفي " جمهرة اللغة " لابن دريد،
_________________
(١) الصواب " ديوان الادب " وقد عني مجمع اللغة المصري بنشره.
[ ١ / ١٣ ]
وعرضت على الحضور - وكانوا من أكابر أهل المدينة وعلمائها وأدبائها - رأيى في " مدارس المعجمات العربية " وعددهن، فقال السيد الجليل علي حافظ: هذا شئ جديد أسمعه لاول مرة، ولم أقرأه في كتاب أو صحيفة. وأيده من حضروا، ثم علم برأيي هذا الامام اللغوي الشيخ عبد القدوس الانصاري، وسألني فأجبته، فسر وهنأني وقال: هذا جديد مبتكر غير مسبوق إليه. ومعروف أن الامام الانصاري حجة العربية، وأول سعودي كتب في اللغة بحوثا رائعة، وما يزال - مد الله في عمره - من أئمة العربية في هذا العصر، ومن أعظم الغير على الفصحى: لغة القرآن ومحمد ﵊ (١) . وإذا كانت " مقدمة الصحاح " قد طبعت سنة ١٣٧٥ هـ (١٩٥٦ م) فإن رأيي في تقسيم المعجمات العربية إلى مدارس قد سبق ظهور المقدمة بخمس عشرة سنة. والثابت ظهور رأيي في مدارس المعجمات على نطاق العالم العربي والاسلامي ومحافل الاستشراق والمعنيين بالعربية قد كان سنة ١٣٧٥ م (١٩٥٦ م) في " مقدمة الصحاح " فكان رأيي في مدارس المعجمات وقسمها أول رأي في هذا السبيل. ويعلم الدكتور بكري أنه لا يقال " درج " إلا فيما عرف واشتهر، وما كان هذا التقسيم معروفا قبل مقدمة الصحاح التي طبعت مستقلة في كتاب بعنوان " الصحاح ومدارس المعجمات العربية " الذي طبع طبعتين: إحدهما بالقاهرة، والاخرى ببيروت. وأما قول الدكتور بكري: " وجاء الباحثون السعوديون فأقروا شيئا من هذه التقسيمات وأنكروا شيئا آخر " فالذي أعرفه نقيض قوله، فما ثم باحثون سعوديون أقروا شيئا من هذه التقسيمات وأنكروا شيئا آخر. وإذا أراد الدكور بالباحثين السعوديين حمد الجاسر وكاتب هذه السطور فليس للجاسر رأي في مدارس المعجمات، وإنكاره على الجوهري ابتكار منهج الصحاح لا يغير من هذه المدارس شيئا، فهن كما هن حسب التقسيم الذي رأيته. وأما قوله: " فلقد أثبت الشيخ حمد الجاسر في عدد من الابحاث العميقة التي نشرها في مجلته " العرب " في أعداد سنتها الاولى أن أبا بشر اليمان بن أبي اليمان البندنيجي المتوفى سنة ٣٨٤ هـ (٨٩٧ م) سبق الجوهري في منهج التقفية بمائة سنة، لان الجوهري توفي سنة ٣٩٣ هـ (١٠٠٢ م) وأتى بالادلة المادية، والصور الفوتوغرافية لمخطوط البندنيجي
_________________
(١) توفي الامام الانصاري بمستشفى الحرس الوطني بقرية أم السلم بطريق جدة - مكة، وكانت وفاته يوم الاربعاء ٢٣ جمادى الاخرة ١٤٠٣ هـ (١٦ أبريل ١٩٨٣ م) ودفن بمكة المكرمة بالمعلى.
[ ١ / ١٤ ]
المسمى: كتاب التقفية "، فمردود. ودليلنا حمد الجاسر نفسه الذي ذكر أن هذا الكتاب من الكتب المغمورة التي قل أن يرد لها ذكر في كتب اللغة. أما أن " هذا من الاسباب التي حملت كثيرا من الباحثين على الاعتقاد بأن الجوهري هو مبتكر منهج ترتيب الكلمات العربية بحسب الحرف الاخير منها " فعجيب أن يصدر من علماء ذوي بصر ثاقب من أمثال الدكتور بكري شيخ أمين يغفلون عن فهم المعجم اللغوي فيحسبون الصحاح وكتاب التقفية ذوي موضوع واحد، ومنهج واحد، وغاية واحدة، مع أن البندنيجي أدرك معنى المعجم اللغوي، وعرف الفارق بين عمله وعمل المعجم فسمى كتابه " كتاب التقفية " وذكر الغاية من التأليف، دون أن يكون له منهج معجمي، وسنذكر فيما سيأتي المزيد من البيان والبرهان. أما مدارس المعجمات في العربية فأربع - كما ذكرنا في مقدمة الصحاح - وهن: الاولى - مدرسة الخليل، وسار على نهجها: ابن دريد في جمهرته، والازهري في تهذيبه، وابن عباد في محيطه، والقالي في بارعه. الثانية - مدرسة القاسم بن سلام، ونهج منهجه ابن سيده في مخصصه، والثعالبي في فقه اللغة، ومن المحدثين المعاصرين عبد الفتاح الصعيدي وحسين يوسف موسى. الثالثة - مدرسة الجوهري، ونسج على منواله الفيروز أبادي في القاموس، وابن منظور في لسان العرب، والصغاني في التكملة والذيل والصلة، وفي مجمع البحرين، وفي العباب. الرابعة - مدرسة البرمكي، وتبعها الزمخشري في أساس البلاغة، ثم ألفت عشرات المعجمات على هذا المنهج الذي صار أسلوب العصر الحاضر في تأليف المعجمات. وذكرنا سمات كل مدرسة ومزاياها، ولم نذكر مع المدارس الاربع منهجا جديدا لم نعتده مدرسة، وإن كان صاحب هذا المنهج مبتكرا ورائدا، لم نذكر منهجه ولم نعتده مدرسة، لان المنهج لم يكن متبوعا، ولم يأت بعده من يهتدي بهديه، فبقي فذا وحده ومهجورا، وهو نهج نشوان بن سعيد الحميري، المتوفى سنة ٥٧٣ هـ في معجمه العظيم " شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ". وكتبت عنه منذ زمن بعيد، وكنت بمدينة الرسول ﷺ سنة ١٣٦١ هـ أو قريبا منها فذكر لي العلامة السيد عبيد مدني - ﵀ - أن لديه مختصرا للشمس، ودعاني إلى منزله فزرته، ولقيت شقيقه العلامة الاستاذ السيد أمين مدني، مد الله في عمره. واطلعت على المختصر، وتحدثنا في المعجمات العربية، وكانا قد علما برأيي في تصنيفها إلى مدارس، فسألني السيد عبيد، لماذا لم تعد نشوان بن سعيد الحميري صاحب مدرسة؟ أليس مبتكر منهجه في تأسيس معجمه؟
[ ١ / ١٥ ]
فأجبته: بلى، إنه مبتكر ورائد، ولكني لم أعده صاحب مدرسة، لانها غير متبوعة، ولم يأت من اتبع منهجه! وعندما صدرت الطبعة اليمنية نقدتها في مجلة " الرسالة " (١) القاهرية، وأشرت إلى طبعة ليدن التي حققها زترستين، وكلتا الطبعتين لم تستغرق من معجم نشوان الا جزءا يسيرا، وطبعة اليمن مزدحمة بمئات الغلطات، وغير محققة بتة، وخير منها طبعة زترستين. ومنهج نشوان بن سعيد الحميري الذي لم يتبعه أحد بعده قد وضحه هو نفسه في مقدمة معجمه إذ قال: " وقد صنف العلماء رحمهم الله تعالى في ذلك كثيرا من الكتب، وكشفوا عنه ما يستر من الحجب، واجتهدوا في حراسة ما وضعوه، وما حفظوه، وصنفوا من ذلك وجمعوه، ورووه عن الثقات وسمعوه، فمنهم من جعل تصنيفه حارسا للنقط. وضبطه بهذا الضبط، ومنهم من حرس تصنيفه بالحركات بأمثلة قدروها، وأوزان ذكروها، ولم يأت أحد منهم بتصنيف يحرس جميع النقط والحركات، ويصف كل حرف مما صنفه بجميع ما يلزمه من الصفات، ولا حرس تصنيفه من النقط والحركات الا بأحدهما، ولا جمعهما في تأليف لتباعدهما، فلما رأيت ذلك ورأيت تصحيف الكتاب والقراء، وتغييرهم ما عليه كلام العرب من البناء حملني ذلك على تصنيف يأمن كاتبه وقارئه من التصحيف، بحرس كل كلمة بنقطها وشكلها، وبجعلها مع جنسها وشكلها، وبردها إلى أصلها، وجعلت فيه لكل حرف من حروف المعجم كتابا، ثم جعلت لكل حرف معه من حروف المعجم بابا، ثم جعلت كل باب من تلك الابواب شطرين: أسماء وأفعالا، ثم جعلت لكل كلمة من تلك الاسماء والافعال وزنا ومثالا، فحروف المعجم تحرس النقط، وتحفظ الخط، والامثلة حارسة الحركات والشكل، ورادة كل كلمة من بنائها إلى الاصل، فكتابي هذا يحرس النقط والحركات جميعا، ويدرك الطالب فيه ملتمسه سريعا، بلا كد مطية غريرية (٢)، ولا إتعاب خاطر ولا روية، ولا طلب شيخ يقرأ عليه، ولا مفيد يفتقر في ذلك إليه، فشرعت في تصنيف هذا الكتاب، مستعينا بالله رب الارباب، طالبا لما عنده من الاجر والثواب، في نفع المسلمين، وإرشاد المتعلمين، وكان جمعي له بقوة الله ﷿ وحوله،
_________________
(١) العددان: ٩٤٩ و٩٥٠ الصادران في ٩ و١٧ ذي القعدة سنة ١٣٧٠ هـ (١٠ و١٧ سبتمبر سنة ١٩٥١) السنة التاسعة عشرة.
(٢) جاء في طبعة زترستين وطبعة اليمن: " غريزية " وهو خطأ، صوابه: " غريرية " نسبة إلى الغرير: فحل من فحول العرب، وعندما كتب العلامة الشيخ عبد القادر المغربي كلمة عن " شمس العلوم " بمجلة المجمع العلمي بدمشق، كنت في زيارة المجمع، وكانت بيده تجربة مقاله، وأطلعني عليها، ولم يفطن إلى خطأ " غريزية " فذكرت له الصواب فسر - ﵀ - وذكر ما رأيته من الصواب، ودفعته أمانته إلى نسبة ذلك إلي، وعدل مقاله.
[ ١ / ١٦ ]
ومنته وطوله، لا بحولي وقوتي، ولا بطولي ومنتي، لما شاء ﷿ من حفظ كلام العرب، وحراسته بهذا الكتاب على الحقب، وسميته " كتاب شمس العلوم، ودواء كلام العرب من الكلوم، وصحيح التأليف، ومعجم التصنيف، والامان من التصحيف ". وذكر الدكتور بكري شيخ أمين أن باحثا استدرك على حمد الجاسر، فذكر الفارابي، وأنه سبق الجوهري، ولم يفتنا ذكر الفارابي ومنهجه قبل استدراك الباحث بسنوات. وكتب الدكتور بكري شيخ أمين بحثا في " الصحاح " وعملي فيه، ونشره في " المجلة العربية " (١) وأعاد القول فيما ذهب إليه الجاسر، وجاء في البحث قوله: " ولم نطلع على رد الاستاذ العطار على هذه النقطة، ولعله كتب ولم نصل إلى ما كتب، أو لعله آثر عدم الرد معتقدا أن المنهج المتكامل للجوهري يخوله حق إمامة هذه المدرسة وادعائها ". وأنا لم أرد على ما ذهب إليه حمد الجاسر، لان ما رآه لم أرض عنه، وكنت أحسب أن من القراء من أمثال الدكتور بكري لن يفوتهم إدراك الصواب في هذا الامر، ولكن فاتهم، حتى أن باحثا عراقيا حقق كتاب البندنيجي أخذ برأي الجاسر، واضطرني ذلك إلى كتابة رد عليه نشر في السنة الماضية بمجلة " المنهل " لصاحبها العلامة الشيخ عبد القدوس الانصاري، وبالملحق الادبي لجريدة " المدينة المنورة ". واطلعت بأخرة على كتاب (التقفية) (٢)، محققا بقلم الدكتور خليل إبراهيم العطية الاستاذ بكلية الآداب بجامعة البصرة، وقرأت تقديمه الكتاب، فإذا هو آخذ برأي الشيخ حمد الجاسر ومؤيده ومسلم به ومؤكد أن الجوهري غير مبتكر منهجه في صحاحه، وإنما المبتكر البندنيجي. وجاء في تقديم الدكتور العطية قوله: " احتل معجم (تاج اللغة وصحاح العربية) المعروف بالصحاح لابي نصر إسماعيل الجوهري المتوفى سنة أربعمائة للهجرة مكانة رفيعة لدى القدماء، فأولوه رعايتهم، وصادق اهتمامهم، وتناوله كثير منهم بالدراسة بين شارح له أو مختصر أو ناقد. " وتأثر بنظامه المعتمد على القوافي جمهرة منهم كانوا له محتذين، وما زالت أشهر المعجمات المتداولة التي ارتضت طريقته كلسان العرب والقاموس والمحيط وتاج العروس
_________________
(١) العدد ٦ السنة الثانية، محرم ١٣٩٨ هـ (٧٧ - ١٩٧٨ م) .
(٢) عني بنشره وزارة الاوقاف بالجمهورية العراقية، وهي وزارة متضرمة النشاط في نشر كتب التراث، ومثلها وزارة الاعلام العراقية وغيرها من الوزارات والادارات التي نشرت مئات الكتب، حيا الله العراق.
[ ١ / ١٧ ]
تشغل مكانة خاصة لدى الباحثين. " ولعل طريقة الصحاح في ترتيب الكلمات على القوافي التي زعم الجوهري في مقدمته أنه مبتكرها، كانت من أهم أسباب ذلك الاحتفال وتلك الرعاية. " وقد ظل الكثير من الناس على هذا الظن معتقدين أن الجوهري مبتكر هذا النظام الفريد لا تصافه بالسهولة واليسر إذا قيس بنظام معجم (العين) المخرجي العسير على المتكلمين (١) . " ولقد آن أن نتبين أن لغويا آخر هو البندنيجي سبقه إلى ابتكار هذا النظام بمعجمه الذي نقدمه للنشر محققا " إلخ. وعجبت من كلام الدكتور العطية ودعاواه وقذفه إمام العربية الجوهري واستخفافه به، كما عجبت من عدم تفرقته بين " الصحاح " و" كتاب التقفيه " في التأسيس والمنهج والنظام، وبين الجوهري الامام الطلعة الرائد المبتكر، والبندنيجي الذي لم يفطن للعمل المعجمي. ومن غير اللائق بعالم محقق أن يقول " زعم الجوهري في مقدمته أنه مبتكرها " ولا يصح أن ينسب الزعم إلى الجوهري، فما كان زاعما فيما ادعى، وإنما كان على الصدق والحق فيما قال بمقدمة صحاحه. وذكر الدكتور العطية في تقديمه أن من بين تناولوا الصحاح بالدراسة من شرحه، وما علمت أن هنا لك شارحا للصحاح، فلعله يدلنا عليه. ولما كان الدكتور العطية فيما ذهب إليه من نفي الابتكار عن الجوهري وحكمه به للبندنيجي تابعا الجاسر فإن ردنا عليه يشمله، وها هو ذا الرد وليس النص المنشور، لاننا أضفنا إليه بعض ما جد لنا من رأي. نشر الجاسر في مجلته المسماة " العرب " (٢) مقالا بقلمه تحت عنوان " الجوهري ليس مبتكر منهج التقفية في المعجم العربي ". يقول الجاسر: " لقد سبق الجوهري إلى هذه الطريقة عالم مغمور عاش قبل الجوهري بما يقرب من مائة عام، وهذا العالم هو أبو بشر اليمان أبي اليمان البندنيجي ". ويقول: " إن البندنيجي هذا - على ما ذكره ياقوت - عاش فيما بين سنتي
_________________
(١) ليس بصحيح قوله: " المخرجي العسير على المتكلمين " فما ثم عسر عليهم، وإنما العسر على الباحثين.
(٢) الجزء السابع، السنة الاولى، المحرم ١٣٨٧ هـ / نيسان ١٩٦٧.
[ ١ / ١٨ ]
٢٠٠ و٢٨٤ هـ والجوهري عاش بين سنتي ٣٣٢ و٣٩٣ هـ على اختلاف في ذلك، ومما لا شك فيه تقدم البندنيجي عليه في الزمن تقدما لا يقل عن مائة عام ". ويقول: " أما كتاب التقفية فإنه من الكتب المغمورة التي قل أن يرد لها ذكر في كتب اللغة، وهذا من الاسباب التي حملت كثيرا من الباحثين على الاعتقاد بأن الجوهري هو مبتكر منهج ترتيب الكلمات العربية بحسب الحرف الاخير منها " ثم يقول: " أما منهج الكتاب فقد أوضحه مؤلفه في المقدمة التي نسوق بنصها (١) ليتبين ذلك المنهج واضحا وهي هذه بعد البسملة مباشرة: " هذا كتاب التقفية إملاء أبي بشر، وسماه بذلك لانه مؤلف على القوافي والقافية والبيت من الشعر، ونظر في الكلام فوجده على الحروف الثمانية والعشرين المرسومة با تا ثا عليها بناء الكلام كله عربيه وفصيحه فهي محيطة بالكلام لانه ما من كلمة إلا ولها نهاية إلى حرف من الثمانية والعشرين حرفا، فأراد أن يجمع من ذلك ما قدر عليه وبلغه حفظه، إذ كان لا غنى لاحد من أهل المعرفة والادب عن معرفة ذلك، لانه يأتي في القرآن والشعر وغير ذلك من صنوف الكلام، فجمع ما قدر عليه وأدركته معرفته، ثم رأى أنه لو جمع ذلك على غير تأليف متناسق، ثم جاءت كلمة عربية يحتاج الرجل إلى معرفتها من كتابنا بعد لصعب عليه إدراكها لسعة الكلام وكثرته، فألفه تأليفا متناسقا متتابعا ليسهل على الناظر فيما يحتاج إلى معرفته. " قال: ونظرنا في نهاية الكلام فجمعنا إلى كل كلمة ما يشاكلها مما نهايتها كنهاية الاول قبلها من حروف الثمانية والعشرين، ثم جعل ذلك أبوابا على عدد الحروف، فإذا جاءت الكلمة مما يحتاج إلى معرفتها من الكتاب نظرت إلى آخرها مما هو من هذه الحروف فطلبته في ذلك الباب الذي هي منه فإنه يسهل معرفتها إن شاء الله. " وقد يأتي من كل باب من هذه الثمانية والعشرين أبواب عدة، لانا إنما ألفناه على وزن الافاعيل، فلينظر الناظر المرتاد وزن الكلمة في أي الابواب هو فإنه يدرك الذي يطلبه. " وأضفنا إلى كل كلمة من كل باب ما يشاكلها من الكلام الفصيح الذي لا يجهله العوام ليكون ذلك أجمع لما يريده المرتاد لما وصفناه. " وأول ما ابتدئ في كتابنا هذا الالف، لانها أول الحروف، وعلى ذلك جرى أمر الناس، ثم نؤلفه على تناسقه ". ونشر الجاسر بضع صفحات من الكتاب ثنتين من أوله واثنتين من آخره، وجاء بعد
_________________
(١) هكذا في الاصل. وهو غلط، والصواب: بعضها.
[ ١ / ١٩ ]