مقدمة الصحاح بقلم حضرة صاحب الجلالة الملك العالم فهد بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين ملك المملكة العربية السعودية
[ ١ / ٢ ]
كتاب " الصحاح " للامام اللغوي العظيم إسماعيل بن حماد الجوهري أصح معجم عربي، وهو أول معجم لغوي صحيح سار على نهج يسر اللغة وقربها وجعلها في متناول الناس جميعا، والصحاح - كما يقول محققه الاستاذ أحمد عبد الغفور عطار في مقدمته الرائعة التى كتبها له -: " أول معجم خطا بالتأليف المعجمى أعظم خطوة عرفها تاريخ العربية في هذا السبيل ". وعندما نشر معالي الشيخ محمد سرور الصبان مختصر الصحاح المسمى " تهذيب الصحاح " تمنى المخلصون للغة القرآن أن لو نشر " الصحاح " نفسه، فيخرج من طبعته الاولى التى أصبحت أندر من المخطوطات إلى طبعة تكون خيرا من الاولى في التحقيق والتبويب والاخراج الطباعي الجميل. وها هي ذي الامنية تتحقق بفضل الله ﷻ، فيصدر " الصحاح " محققا تحقيقا رائعا، ومطبوعا طباعة أنيقة. أما المقدمة الرائعة العظيمة التى كتبها الاستاذ الباحث العطار، والتى أصبحت جزءا من الصحاح، فإنها تعتبر بحق دراسة مبتكرة جديدة، لم يسبق منذ ألف الصحاح أن أحدا من العلماء درسه دراسة الاستاذ المحقق،
[ ١ / ٣ ]
وإن دراسته إياه تعد خير ما كتب عن أول معجم عربي صحيح سهل التناول. ولقد صدق الاديب العظيم الاستاذ الكبير عباس محمود العقاد عندما وصف هذه الدراسة فقال: " إنها تصلح أن تكون مقدمة للصحاح ولسائر المعجمات العربية ". ويكفي هذه الدراسة العليا القوية فخارا وشهادة بأنها عمل عظيم أن تنال إعجاب كاتب العربية الكبير الاستاذ العقاد. والمقدمة - وحدها - كتاب جليل عظيم القدر، فقد درس فيه الباحث الاستاذ العطار اللغة العربية دراسة علمية دقيقة، وكتب عن تاريخ المعجمات في العالم، وتاريخ المعجمات في لغتنا كتابة لم يسبق إليها في العربية، وأبدى آراء جد صائبة في اللغة العربية قديمها وحديثها، ووسائل النهوض بها، وعقد فصلا كبيرا عن " كتاب العين " حقق فيه نسبته إلى الخليل. ومن أعظم البحوث المبتكرة التى ضمها كتاب الاستاذ العطار أو مقدمته التى كتبها للصحاح بحثه " المدارس المعجمية " وتقسيمه إياها إلى أربع مدارس، هن: مدرسة الخليل، ومدرسة أبى عبيد، ومدرسة الجوهرى، ومدرسة البرمكي، وأظهر سمات كل مدرسة وشخصيتها وخصائصها و" علاماتها الفارقة " ونظامها وطريقة ترتيب موادها، ومن الكشوف العلمية التى تحسب للاستاذ العطار في حقل المعجمات أنه أول من كشف عمن ألف المعجمات على أوائل الحروف الهجائية كالنظام الحديث في تأليفها، فقد ذكر أن محمد تميم البرمكي أول من ألف معجما على الطريقة الحديثة التى ترتب المواد والكلمات على حروف الالفباء، مع مراعاة الحرف الثاني والثالث والرابع في الكلمة. وكان العلماء والباحثون يذكرون أن الزمخشري أول من سار على هذه الطريقة في " أساس البلاغة " فجاء الاستاذ العطار وأثبت أن البرمكي هو الاول، إذ تناول البرمكي صحاح الجوهرى ورتبه على أوائل الحروف سنة
[ ١ / ٤ ]
٣٩٧ هـ، وتوفي الزمخشري سنة ٥٢٨ هـ، مما يثبت ثبوتا قاطعا أن البرمكي أسبق. وكتب عن الصحاح وقيمته العلمية ومزاياه وأثره في محيط العربية والتأليف اللغوى والمعجمى بحثا جديدا غنيا بالمادة العلمية. وما أشك أن الصحاح أجدر معجم بالنشر، لانه يمتاز عن كل المعجمات التى عاصرته أو سبقته بميزات منها: أن المعجمات العربية التى سبقته أو ألفها أصحابها في عصر الجوهري أو بعده بقرن ليست سهلة أمام الباحث - باستثناء المجمل والمقاييس لابن فارس - بل هي صعبة، وهى متيهة تجهد الباحث وتعييه، فكتاب العين للخليل بن أحمد - الذي يعد أول معجم في العربية كلها إذ لم يؤلف معجم قبله، لان الخليل هو مبتكر فن تأليف المعجمات في العربية كلها، كما ابتكر علم العروض - ليس سهلا أمام من يريد أن يبحث فيه عن كلمة مغلقة المعنى، لانه سار على نظام مغلق الابواب، ألا وهو ذكره الكلمة ومقلوباتها، مثل: قبل، تقلب إلى: قلب وبقل وبلق ولبق ولقب، فإذا أردنا كلمة منها لا نعرف في أي الابواب ذكرت، لاننا لا نعرف أيها الاصل وأيها الفرع. سار على نهج العين ابن دريد في كتاب " الجمهرة " والازهري في " تهذيب اللغة " وكلاهما مثل كتاب العين في الصعوبة والوعورة. وكان الناس قبيل الصحاح لا يفيدون من المعجمات المعدودات، بل كان العلماء أنفسهم لا يستطيعون الوصول إلى الكلمات التى يريدون الوقوف على معانيها إلا بجهد جهيد، حتى الف الجوهري صحاحه فمهد الطريق وعبده أمام الناس، حتى الشادي نفسه يستطيع بقليل من المعرفة بالمعاجم وطريقة البحث فيها أن يهتدي إلى ضالته من الكلمات. ومن هنا كانت مزية الصحاح على كل المعجمات التى سبقته أو عاصرته. وإذا يسر الله من يحققه تحقيقا علميا دقيقا، ووفق له من ينشره نشرا رائعا جميلا فإن ذلك من آيات حفظ الله للغة القرآن والسنة بحفظ أمثال " الصحاح " ونشره ليعم به النفع، وتصان اللغة.
[ ١ / ٥ ]
والاستاذ العطار أغنانا بما كتب في مقدمته العظيمة عن وصف الصحاح، فهو لم يترك مجالا لقائل أو كاتب أو باحث. فهو قد درس الصحاح وأعطاه حقه فوفاه القول والبحث، وذكر ما له وما عليه، وقدم دراسة بكرا لم يسبق إليها، وحشد من آرائه الصائبة وبحوثه المبتكرة ما ملا به أكثر من خمسين ومائتي صفحة (١) جديرة بالاطلاع عليها والاهتمام بها من قبل العلماء والادباء والمفكرين. والحق أن هذا الكتاب أو المقدمة تعد أول بحث علمي في بلادنا، يقوم على قواعد محكمة، ومنهج علمي دقيق، تشارك به بلادنا شقيقاتها، فليس في هذا البحث فضول من القول، بل كله بحث وعلم، وأسلوب المؤلف في مقدمته أسلوب عربي رائع رصين، وبيانه آية في الروعة والجمال. وحسبنا أنه أسلوب العطار وبيان العطار. وينتهي الكتاب أو المقدمة بفهارس في منتهى الدقة وجمال الترتيب، والفهارس الموضوعة هي: فهرس الاعلام، وفهرس، الاماكن والبلدان، وفهرس الطوائف والاجناس، وفهرس الكتب الواردة أثناء البحث، وفهرس المراجع (١) . أما المقدمة التي كتبها أديب العربية الكبير الاستاذ العقاد. فهي آية في البحث العلمي، وذكر الاستاذ العقاد آراء آية في القوة والصواب والروعة، وليس غريبا على الكاتب الجبار أن يبدع القول فيما كتب، فالعقاد - دائما - يمتح من فكره وقلبه ومنطقه، وما كتبه في مقدمته " المركزة " خلاصة دراساته في الآداب والعلوم والفنون نصف قرن، والعقاد من أقوى علماء العربية المعاصرين، ومن أعظمهم اطلاعا على أصول العربية وأسرارها ونوادرها، وبحوثه فيها بحوث ناضجة لا تتاح إلا لمن كان في مثل ثقافته الواسعة وذهنه الجبار.
_________________
(١) قبل أن تصدر " مقدمة الصحاح " مع الصحاح ظهرت في كتاب مستقل تحت عنوان " الصحاح ومدارس المعجمات العربية " وتقع في ٢٨٤ صفحة وملحق بها الفهارس التى أشار إليها جلالته.
[ ١ / ٦ ]
وإنني أشكر الاستاذ العطار على ما بذل من جهود كبيرة ضخمة في المقدمة وفي تحقيق الصحاح، حتى كانت هذه الطبعة الرائعة الممتازة في التحقيق والتعليق والضبط والاخراج الطباعي الانيق الذي يعد آية في الطباعة الفنية الحديثة (١) . فهد بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية الرياض: ١٤ رجب ١٣٧٥ هـ
_________________
(١) كتب حضرة صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز هذه المقدمة عندما كان جلالته وزيزا للمعارف سنة ١٣٧٥ هـ
[ ١ / ٧ ]