كان الخليل فكر، وأطال التفكير في صنع كتاب في اللغة يحصر لغة العرب كلها، لا تفلت منه كلمة، ولا يشذ منها لفظ، وهداه عقله الناقد الفاحص إليه، وخطا في ذلك خطوات علمية محكمة، وأقام خطته على نظام رياضي دقيق.
بني الخطة على أساس من عدة الاصول التي تتألف منها للكلمة، ولم يعبأ بالزوائد، وقد توافرت لدية أبواب منتظمة محبوكة حبكا رياضيا متقنا.
عدة أبواب كتاب العين هي عدة الحروف السواكن يضاف إليها باب خاص بأحرف العلة، وأول أبواب الكتاب باب العين الي اتخذ منه اسم هذا المعجم، وينطوي فيه الكلمات المستعملة التي تتألف من العين مع ما يليها.
ويليه باب الحاء، وينطوي فيه الكلمات المستعملة التي تتألف من الحاء مع ما يليها.
ويليه باب الهاء وينطوي فيه الكلمات المستعملة التي تتألف من الهاء مع ما يليها.
ثم باب الخاء، وفيه الكلمات المستعملة التي تتألف من الهاء مع ما يليها.
ثم باب الغين وفيه الكلمات المستعملة التي تتألف من الغين مع ما يليها، وبالغنن تنهي مجموعة حروف الحلق، وهي تعادل نصف الكتاب.
فإذا انتهى من مجموعة أصوات الحلق بدأ بمجموعة اللهاة وفيها حرفان هما القاف والكاف وباب القاف يحتوي الكلمات التي تتألف من القاف مع ما يليها، وكذلك باب الكاف.
وهكذا ينتقل من مدرجة إلى ما يليها حتى ينتهي إلى مدرجة الشفتين، وفي صفحة الشفتين عنده ثلاثة أحرف صحاح هي الفاء والباء والميم، وأبواب هذه الحروف صغيرة جدا، لانها أنما تحتوي الكلمات التي تتألف منها مع ما يليها، ولا يلي الفاء إلا الباء والميم ولا يلي
[ ١ / ١٥ ]
الباء إلا الميم، ولا يلي الميم حرف ساكن فلم يبق منها إلا الكلمات التي تتألف منها مع أحرف العلة.
قال الخليل في باب الفاء: " لم يبق للفاء إلا اللفيف وشئ من المعتل ".
وقال في باب الباء: " منزلة الباء مثل منزلة الفاء لانها شفهية، وكذلك الميم في حيز واحد، وهو اخر الحروف الصحاح، ولذلك لم يكن له في شئ من الابواب تأليف لا في الثّنائيّ ولا في الثلاثي و[لافي] الرباعي و[لافي] الخماسي، ولم يبق منها إلا الفيف ".
وقال في باب الميم: " الميم آخِرُ الحُروفِ الصِّحاح، وقد مضت مَعَ ما مَضَى من
الحروف، فلم يَبْقَ للميم إلا اللفيف ".
فإذا انتهى من الحروف الصحاح عقد بابا للاحرف المعتلة، وهو اخر أبواب كتاب العين، واخر كلمة ترجمت فيه هي كلمة (آية) .
وكل باب من تلك الابواب يتناول بالدرس الكلم مرتبة بحسب عدة أصولها، والكلم من حيث عدة أصولها تندرج في ستة أبواب: ١) باب الثنائي المشدد ثانية.
٢) باب الثلاثي الصحيح.
٣) باب الثلاثي المعتل.
٤) باب اللفيف.
٥) باب الرباعي.
٦) باب الخماسي.
وليس بعد الخماسي باب، لانه " ليس للعرب بناء في الأسماء والافعال أكثر من خمسةِ أحرُف، فمهما وجدت زيادة على خمسة أحرف في فِعل أو اسم فاعلم أنَّها زائدة على البناء، نحو قرعبلانة، أنما هو قَرَعْبَلَ، ومثل عنكبوت، إنما هو: عنكب ".
(١)
_________________
(١) تهذيب اللغة ١ / ٤٢. [*]
[ ١ / ١٦ ]
وطريقته في ترتيب الكلام في داخل الباب الواحد أن يأخذ من الثنائي مثلا عق فيترجم لها ثم يترجم لمقلوبها قع قبل أن ينتقل إلى الكلمة التي تلي عق وهي عك.
وإذا وصل إلى باب الثلاثي الصحيح كانت المادة الاولى عنده هي المولفة من العين والهاء والقاف ولم يستعمل من وجوه هذه المادة إلا عهق وهقع فأثبتها وأهمل الا وجه الاخرى.
فإذا انتهى من الكلمة وتقليباتها انتقل إلى الكلمة التى تليها وهي المؤلفة من العين والهاء والكاف: عهك، ولم يستعمل غيرها فأثبتها وأهمل ما سواها من التقليبات.
وهكذا إلى أن انتهي الكلمات المبدوءة بالعين مع ما يليها من الحروف فيعقد بابا جديدا وهو باب الحاء مع ما يليه ويفعل فيه ما فعل في باب العين إلى أن تنهي أبواب الكتاب كلها.
وكان قد بدأ بالعين، لا لانها أول الحروف مخرجا، ولكنها أول الحروف نصاعة وثباتا، والهمزة عنده هي أول الحروف مخرجا، لانها نبرة في الصدر تخرج باجتهاد على حد تعبيره في الكتاب، ولم يبدأ بها " لانها حرف مضغوط مهتوت إذا رفه عنه انقلب ألفا أو واوا أو ياء ".
ولم يجعل البدء بالاف لانها ساكنة ابدا ولا بالهاء لهتتها وخفائها فهي كالالف، ولكنها أقوى منها في التأليف، لانها تقبل الحركة، ويبدأ بها، ومن أجل ذلك أخرها عن العين، لان العين عنده أنصع الحروف (١) .
قال ابن كيسان فيما حكى السيوطي: " سمعت من يذكر عن الخليل انه قال: لم أبدأ بالهمزة: لانها يلحقها النقص والتغيير والحذف، ولا بالاف لانها لا تكون في ابتداء كلمة لا في اسم ولا فعل إلا زائدة أو مبدلة، ولا بالهاء لانها مهموسة خفية لا صوت لها، فنزلت إلى الحيز الثاني وفيه العين والحاء فوجدت العين أنصع الحرفين فابتدأت به ليكون أحسن في التأليف " (٢) .
_________________
(١) المقدمة.
(٢) المزهر ١ / ٩٠ [*]
[ ١ / ١٧ ]
وما قاله أبو طالب المفضل بن سلمة، فيهما زعم السيوطي، أن صاحب العين ذكر " أنه بدأ كتابه بحرف العين، لانها أقصي الحروف مخرجا " (٣) وهم محض، لانه لم يقل ذاك، ولا شيئا قريبا منه.
وكان وهما أيضا ما جعله الزبيدي أساسا لنفي نسبة " العين " إلى الخليل.
وكان قد استند إلى أمرين كلاهما ضعيف لا يصح الاستناد إليه.
الاول: ما لا حظه من خلاف في الظاهر بين ترتيب الاصوات في العين وترتيبها في الكتاب، ولو كان العين له، " لم يكن ليختلف قوله، ولا ليتناقض مذهبه ".
والثاني: ما لاحظه من إدخال الرباعي المضاعف في باب الثلاثي المضاعف، وهو مذهب الكوفيين خاصة، فيما زعم (١) .
أما الاول فالجواب عنه هو ما قدمناه من بيان، ومن نقل عن ابن كيسان.
وأما الثاني فالجواب عنه أن الزبيدي لم يقع له مذهب الخليل على حقيقته، لان الثلاثي المضاعف عند الخليل أنما هو من الثناثيات، وأن الرباعي المضاعف إنما ينشأ من تكرار الثنائي فهو منه وليس من باب اخر، وإذا أخذا الكوفيون بهذا الرأي فيما بعد فلن يعني هذا أنه من مذهبهم وأنه خاص بهم.
* * * * والعين بهذا أول معجم في العربية ولعله معجم موعب، وقد أنجز في زمن لم تكن أذهان الدارسين ممهدة لتقبل مثله، مثله مثل أي عمل يبتكركان الخليل قد انفرد في انجازه، ولذلك بقي بعيدا عن متناول رواة اللغة السلفيين، ولم يخطر على بال أحدهم إذا ذاك أن يصنف كتابا يكون " مدار كلام العرب وألفاظهم، ولا يخرج منها عنه شئ ".
كما جاء في مقدمة " العين " ولم يكن ليكون مما اتجهت أذهانهم إليه، وانصبت عنابهم عليه.
_________________
(١) المزهر ١ / ٩٠ (١) انظر ما اقتبسه السيوطي من كلام الزبيدي في كتابة " استدراك الغلط الواقع في كتاب العين " المزهر ١ / ٧٩ -! ٧. [*]
[ ١ / ١٨ ]
وكان ابن دريد على حق إذ قال: وقد ألف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي رضوان الله عليه كتاب العين، فأتعب من تصدى لغايته، وعنى من سما إلى نهايته، فالمنصف له بالغلب معترف، والمعاند متكلف، وكل من بعده له تبع، أقر بذلك أم
جحد، ولكنه ﵀ ألف كتابا مشاكلا لثقوب فهمه، وذكاء فطنته " (١) .
ولذلك أنكره حملة الرواية " المحافظون " مثل أبي حاتم السجستاني وأصحابه أشد الانكار، ودفعوه بأبلغ الدفع (٢) .
بحجة أن أصحاب الخليل غبروا مدة طويلة " لا يعرفون هذا الكتاب، ولا يسمعون به، ومنهم النضر بن شميل، ومؤرج ونصر بن علي وأبو الحسن الاخفش وأمثالهم، ولو أن الخليل ألف الكتاب لحملة هؤلاء عنه " (٣) .
لان أكثر من سموا لم يكن بالمتلقي المستوعب لكل ما هو جديد، ولان أبا الحسن الاخفش خاصة كان قد عاصر الخليل ولكنه لم يأخذ عنه، ولم يحك عنه حرفا واحدا، فكيف يحمل عنه علمه في العين وغيره.
ولان عدم علمهم، وعلم أشياخهم لا يعني عدم وجوده، ولم ينقدوه ولم يفحصوه ليعرفوا أنه من عمل الخليل أو من عمل غيره، بل تمسكوا بأوهى الاسباب ليملاوا الدنيا صخبا.
ويوجهوا الاذهان إلى إنكاره ورفضه.
وقد اتخذوا من انكاره وسيلة إلى نهب ما احتواه ليقيموا عليه كتبا زعموا أنها لهم أمثال الازهري والقالي وغيرهما.
وكان الازهري أشد المنكرين إنكار له، وأكثر أصحاب المعجمات إفادة منه.
زعم أن الكتاب ليس للخليل، وإنما هو لليث بن المظفر، نحله الخيلى " لينفقه باسمه ويرغب فيه من حوله " (٤)
_________________
(١) مقدمة الجمهرة ص ٣.
(٢) المزهر ١ / ٨٤ (٣) المزهر ١ / ٨٤.
(٣) مقدمة التهذيب ٢٨. [*]
[ ١ / ١٩ ]
وقد عقد الازهري في مقدمته بابا ذكر فيه الائمة الذين اعتمد عليهم فيما جمع في
كتابه " تهذيب اللغة "، ذكر أكثر الدارسين الذين صنفوا الكتب في اللغات، وفي علم القرآن وفي القراءات، بدأهم بأبي عمرو بن العلاء، وختمهم بأبي عبد الله نفطويه، ولم يكن الخليل بن أحمد واحدا من هؤلاء الاثبات فقد تجاهل مكانته في الدراسات اللغوية، ولم يذكره إلا على أنه أستاذ سيبويه، وأنه " رجل من الازد من فراهيد " وأن ابن سلام كان يقول: " استخرج من العروض واستنبط منه ومن علله ما لم يستخرجه أحد، ولم يسبقه إلى علمه سابق من العلماء كلهم " (١) .
ولم يكن الخليل ليساوي عنه الازهرى حتى أصغر تلاميده الذين سلكهم في مصادره المعتمدة حتى كأن الخليل لا علاقة له باللغة ولا بالنحو ولا بالتأليف المعجمي، مع أنه اقتبس مقدمة لعين بكل تفصيلاتها، وجعلها مقدمة لمغجمه، نقل منها رأي الخليل في عدة حروف العربية، وأحيازها ومخارجها وصفاتها، وتأثير بعضها في بعض، حين تتألف وتتجاور في كلمات، وأخذ عنه تصنيف الكلم من حيث عدة أصولها، وأخذ عنه ما يأتلف من الاصوات وما لا يأتلف.
ولم يجعل الليث من مصادره، لان الليث، فيما زعم، من أولئك الذين ألفوا " كتبا أودعوها الصحيح والسقيم، وحشوها بالمزال والمصحف المغير " (٢) .
ولكننا حين نتصفح " تهذيب اللغة " ونقابله بما في كتاب العين نعجب من أمر الرجل الذي حاول في غير ذكاء أن يجمع بين تحامله على الليث وغضه من شأنه، ونهب ما في كتابه، على حد زعمه، ليبني كتابه عليه.
لقد كان " العين بكل ما فيه من ترجمات وبيانات وتفسيرات أساس كتابه الذي لم يزد عليه إلا روايات ونقولا عن غير الخليل، ولم يضف شيئا على ما فعله الخليل الذي يسميه بالليث أو بان المظفر إلا مفردات أهملها الخليل.
_________________
(١) مقدمة التهذيب ١٠.
(٢) مقدمة التهذيب ص ٢٨. [*]
[ ١ / ٢٠ ]
أما ما كان يرد به على الليث، ويزعم أنه مصحف أو أنه غير معروف فأكثره مزاعم يبطلها مراجعة نصوص العين.
وقد وضح لدينا في كثير من الاحيان أن الازهري كان لا يتواني عن النيل من العين أو نسبة التخليط إليه ولو باطلا.
فقد جاء في التهذيب في ترجمة (سعد): " وخلط الليث في تفسير السعدان.
فجعل الحملة ثمر السعدان، وجعل حسكا كالقطب، وهذا كله غلط.
القطب: شوك غير السعدان يشبه الحسك والسعدان مستدير شوكه في وجهه.
وأما الحملة فهي شجرة أخرى وليست من السعدان في شئ " (١) وإنه لمن الواضح أن الازهري بهذا حاول أن يوهم من حوله بصحة تقويمه الليث حين جعله من غير الاثبات وممن ألفوا كتبا أو دعوها الصحيح والسقيم وحشوها بالمصحف إلى اخر ما تحامل به عليه.
غير أن ما نسبه إلى الليث هنا لم يقله الليث، وحقيقة ما جاء في العين مما اتفقت عليه النسخ وهو قوله: " والسّعدان نباتٌ له شوكُ كحسك القُطْب، غير أنه غليظ مُفْرْطَح كالفَلكْةَ، ونباته سمّي الحَلَمَةَ وهو من أفضل المراعي ويقال الحملة نبتٌ حسنٌ غير السعدان " (٢) فأين هذا مما زعمه الازهري.
تَأبى بدِرّتها إذا ما استكرهت * إلاّ الحميَم فإنّه يتبصَّع بالصاد، أي: يسيل قليلا قليلا، فقال: ابن دريد " أخذ هذا من كتاب ابن المظفر فمر على التصحيف الذي صحفه " (٣) .
لم يكن الخليل مصحفا، ولا الليث كما يحلو للازهري ذلك، فقد عرض في العين في ترجمة (بصع) لكلتا الرواتين، يتبصع بالصاد المهملة، ويبضع بالضاد المهملة ولكن الازهري أخفي هذا ليضفي على زعمه شيئا من الوجاهة.
_________________
(١) التهذيب ٢ / ٧٣.
(٢) العين، ترجمة (سعد) في باب العين والسين والدال معهما.
(٣) التهذيب ٢ / ٥٣. [*]
[ ١ / ٢١ ]
ومن ذلك ما جاء في ترجمة (عصم): " والاعصم: الوعل، وعصمته بياض شبه زمعة الشاة في رجل الوعل في موضع الزمعة من الشاء ".
(١) قال الازهري: " الذي قاله الليث في نعت الوعل أنه شبه الزمعة تكون في الشاء محال ".
(٢) .
وتغافل عما ورد في الترجمة نفسها من قوله: " قال أبو ليلى: هي عُصْمَة في إحدى يديه من فوق الرُّسغ إلى نصف كراعه " ثم أردفه بشاهد من قول الاعشي: فأرتك كفا في الخضا * ب معصما ملء الجباره.
وذكره الرأيين يسد باب التحامل في وجه الازهري.
وأعجب من هذا كله فعلته في ترجمعة (سمع) فقد زعم أن الليث قال: " تقول العرب: سمعت أذني زيدا يفعل كذا، أي: أبصرته بعيني يفعل ذاك "، فعقب عليه بقوله: " قلت: لا أدري من أين جاء الليث بهذا الحرف، ليس من مذاهب العرب أن يقول الرجل: سمعت أذني بعني ابصرت عيني، وهو عندي كلام فاسد، ولا آمن أن يكون مما ولده أهل البدع والاهواء، وكأنه من كلام الجهمية " (٣) .
وجاء ابن منظور على عادته فنقل ذلك عنه من دون تحفظ.
إذا استطاع الازهري أن يثير الدخان حول " العين " ويكدر الهواء من حوله حينا من الدهر فلن يستطيع دخانه أن يثبت أبدا فسيتبد أمام الواقع الناصع، والحقيقة المجلوة، وقد أتيح لكتاب " العين " أن يبقي، وأن يستعصي على ما أراد له الازهري وأمثاله، وأن تتداوله أقلام النساخ على تعاقب العصور شاهدا على جحود أبناء العربية لكتابها الاول كتاب " العين ".
وهذا هو النص الذي شوهه الازهري، أو جاءه مشوها ولم يتحر فيه الصواب، وهو مما اتفقت فيه نسخ العين الموجودة.
_________________
(١) انظر مادة " زمع " في التهذيب.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) انظر مادة " سمع " في " التهذيب ". [*]
[ ١ / ٢٢ ]
قال الخليل في ترجمة (سمع): " وتقول: سَمِعتْ أذني زيدًا يقول كذا وكذا، أي: سَمِعتُه، كما تقول: أَبَصَرْت عيني زيدًا يفعل كذا وكذا، أي: أَبْصَرْتُ بعيني زيدا " (١) .
فأين هذا مما خلط فيه الازهري وحرف وصحف، وهو كلام سليم لا غبار عليه، غير أن ما فعله الازهري هنا لقليل من كثير مما تعرض له العين من الازهري ومن حذا حذوه، وهو قليل من كثير مما ورط الازهري نفسه فيه من تحامل على الخليل، والغض من شأن عمله اللغوي الكبير من وراء حجاب سماه الليث أو ابن المظفر.
على أن كثير مما كان ينسبه الازهري إلى الليث كان ابن فارس ينسبه إلى الخليل، ومن ذلك أن الازهري قال: " وقال الليث: العسن: نجع العلف والرِّعْيِ في الدّوابِّ " (٢) وقال ابن فارس: " قال الخليل: العَسَنُ: نُجُوعُ العلف والرِّعْيِ في الدواب " (٣) .
وإن كل ما كان ينسبه الازهري إلى الليث كان أبو علي القالي ينسبه في " بارعه " إلى الخليل.
من ذلك: (١) ما جاء في التهذيب في ترجمة (ضغط): " قال الليث ": " الضغط عصر شئ إلى شئ، والضِّغاطُ: تَضاغُط الناس في الزحام ونحو ذلك " (٤) فقد جاء في البارع قوله: " وقال الخليل: الضغط: عصر شئ إلى شئ، والضِّغاطُ: تَضاغُط الناس في الزحام ونحوه " (٥) .
_________________
(١) العين، باب العين والسين والميم معهما، (سمع) .
(٢) التهذيب ٢ / ١٠١.
(٣) المقاييس ٤ / ٣١٦.
(٤) التهذيب ٨ / ٣.
(٥) البارع ص ٢٥٧. [*]
[ ١ / ٢٣ ]
(٢) وما جاء في التهذيب في ترجمة (غضن)، قال: وقال الليث: الغضن والغضون: مكاسر الجلد في الجبين) (١) .
وجاء في البارع: " وقال الخليل: الغَضْنُ والغُضُون مكاسر جلدِ الجبين " (٢) (٣) وما جاء في التهذيب في ترجمة (غضف): " قال الليث: الغَضَف: شجر بالهند كهيئة النخل سواء من أسفله إلى أعلاه [له] سعفٌ أخضر مغش عليه.
ونواه مقشر بدون لحاء " (٣) .
فقد جاء في البارع هكذا: " وقال الخليل: الغضف بفتع الغين والضاد شجر بالهند كهيئة النخل سواء من أسفله إلى أعلاه [له] سعف مغش عليه، ونواه مقشر بدون لحاء " (٤) وكان الدكتور عبد الله درويش قد فطن لهذا حين قال: " نرى أن الازهري في تهذيبه، حينما لم تسعفه الامور بما يرى به الخليل، كما فعل بابن دريد وغيره رأي أن يتحاشي أن يترجم للخليل حتى لا يتعرض لذكر العين تحت اسمه بالمرة [كذا] وعند ما نرى في مقدمته ذكر الخليل فإنما كان ذلك عرضا عند الكلام على اخرين كتلاميده مثلا.
وترى قبل أن نعرض للسبب الرئيسي لتجنب الازهري ذكر الخليل أن نذكر أن تعضب الازهري لم يكن فقط ضد [كذا] كتاب العين أو ابن دريد الذي رأى أن العين تأليف الخليل بل تعداه هذا إلى كل من ألف في المعجم من قبله " (٥) .
_________________
(١) التهذيب ٨ / ١٠.
(٢) البارع ص ٢٥٥.
(٣) التهذيب ٨ / ٩٧.
(٤) البارع ص ٢٦٠ (٥) المعاجم العربية ص ٥٦. [*]
[ ١ / ٢٤ ]
وهكذا كانت الحال مع أبي علي القالي الذي أشاع نفي نسبة العين إلى الخليل في ربوع الاندلس التي رحل إليها، ولقن تلاميذه تللك الافعولة التي افتعلها ذهن أبي حاتم السجستاني، وحبه لنفسه وتعصبه على كل ما ليس بصريا، وما لم يصل إليه علمه وراح تلميذه أبو بكر الزبيدي يردد ما تلقاه عنه في غير وعي.
وإذا أنكر عليه من في الاندلس من الدارسين حملته على كتاب العين ونفي نسبته إلى الخليل والطعن عليه بالتخليط والخلل والفساد أخذ يدري حملات الدارسين عليه بالثناء على الخليل " أوحد العصر وقريع الدهر، وجهبذ الامة، وأستاذ أهل الفطنة، الذي لم ير نظيره، ولا عرف في الدنيا عديله ".
(١) ولكنه ما زال ينفي أن يكون العين كتاب الخليل مرددا مزاعم أبي حاتم الجستاني في نفيه نسبته إلى الخليل، محتجا بحجته، زاعما.
أن فيه من الخطأ " ما لا يذهب على من شدا شيئا من النحو، أو طالع بابا من الاشتقاق والتصريف " (٢) .
ولكنه لم يعزر زعمه بذكر أمثله التخليط والخلل والفساد، حتى إن السيوطي بعد أن اقتبس من كتابه المسمى ياستدراك الغلط الواقع في كتاب العين قال: " وقد طالعته إلى اخره فرأيت وجه التخطئة فما خطئ فيه غالبه من جهة التصريف والاشتقاق كذكر حرف مزيد في مادة أصلية، أو مادة ثلاثية في مادة رباعية، ونحو ذلك.
وبعضه ادعى فيه التصحيف، وأما أنه يخطأ في لفظة من حيث اللغة بأن يقال: هذه اللفظة كذب، أولا تعرف فمعاذ الله لم يقع ذلك " (٣) وإذا كان الامر كما قال السيوطي لم يكن يقتضي كل تلك الضجة ولا كل ذلك التشهير، وكان من الانصاف لكتاب العين أن يحمل ما زعموا من تخليط وخلل وفساد على
أنه من عبث الوراقين وجهل النساخ، كان يسيرا.
لو حسنت النببة، أن يقوم الكتاب،
_________________
(١) المزهر ١ / ٨٠ (٢) المزهر ١ / ٨٦.
(٢) المزهر ١ / ٨٦. [*]
[ ١ / ٢٥ ]
ويصحح ما فيه من خطأ، وينبه على ما فيه من تصحيف لم يسلم منه كتاب في ذلك الزمان.
ولكن الزبيدي لم يفعل شيئا من ذلك، بل عمد، استجابة الامر المستنصر بالله إلى " اختصار الكتاب المعروف بكتاب العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي بأن يؤخذ عنه عبونه، ويلخص لفظه ويحذف حشوه، ويسقط فضول الكلام المتكررة فيه، لتقر بذلك فائدته، ويسهل حفظه، ويخف على الطالب جمعه " (١) .
لقد أراد أبو بكر الزبيدي باختصاره العين أن يحسن إليه فأساء إليه إذا حذف منه " شواهد القرآن والحديث وصحيح أشعار العرب " (٢)، وتركه جسما بلا روح.
وأبو بكر الزبيدي تلميذ أبي علي القالي، وعنه تلقى الدعوة إلى التشهير بكتاب العين ورميه بالتخليط، والخلل والفساد، فقد ارتحل القالي إلى ربوع الاندلس وحمل معه السجستاني، وأشاعه في تلك الربوع، وألف معجما بناه على كتاب العين، لكنه سماه بالبارع غمزا لكتاب العين، وإيهاما بفضله عليه، كما فعل الازهري في المشرق حين سمى كتابه بتهذيب اللغة لذلك.
على أن أبا علي بتأثير شيخه ابي بكر بن دريد، وبالتزامه مقابلة نسخ العين بأمر من الحكم المستنصر بالله لم ير مناصا من الاعتراف بواقع الامر، وبتصحيح نسبة الكتاب إلى الخليل، ولذلك حين صنف (البارع) نسب كل ما فيه إلى الخليل، ولم ينسب شيئا فيه إلى الليث، كما دأب الازهري عليه، وقد مربنا أمثلة ذلك.
وقد أتيح لدارس محدث عني بتحقيق نص من البارع أن يوازن بين ما رواه عن
الخليل في هذا الجزء وهو معظمه وما جاء في نسختي كتاب العين اللتين وقف عليهما " فإذا بالكتابين [يعني البارع والعين] ومتطابقان حذو القذة بالقذة " (٣) .
وينتهي هذا الدرس إلى ان يقول: " بهذا يكون البارع أقدام نسخة وصلت إلينا من
_________________
(١) الورقة (ء (من مختصر العين (نسخة مدريد) .
(٢) المزهر ١ / ٨٨.
(٣) البارع تحقيق الدكتور هاشم الطعان ص ٦٦. [*]
[ ١ / ٢٦ ]
كتاب العين ".
ولو كان من هم هذا الدارس أن يوازن بين منا نقله من العين وما في نسخ العين لعرف أن " تهذيب اللغة " نسخة قديمة أخرى لكتاب العين زيد عليها نقول عن أعلام اخرين فعل القالي في البارع.
ومن المستغرب الن تجوز هذا الافعولة على الدارسين المحدثين فيستمسك بها للطعن في نسبة " العين " إلى الخليل بدون تثبت ولا تحقيق.
وبعد الوقوف على أهم نسخ العين الموجودة ومقابلتها بما في التهذيب والبارع والمقاييس والمحكم، وبما حكته أمات المعجمات هنا وهناك تراثا نصل إلى نقطتين مهمتين: الاولى: أن كتاب " العين " بتأسيسه وبحشوه، وببيانه وتفسيره واستشهاده، إنما هو كتاب الخليل، لانه بعمله وعقله أشبه.
الثانية: أن كتاب العين بالرغم مما قيل فيه، ومما مني به من جحود وتحامل وتشهير، وبالرغم مما فعل به تقادم الزمن وعبث الوراقين كان مصدر إلهام اللغويين الذين احتذوه، ونهجوا نهجه، بل كان المادة الاساس لمعجماتهم وارائهم في اللغة وفقهها، كان مصدر إلهام اللغويين الذين احتذوه، ونهجوا نهجه، بل كان المادة الاساس لمعجماتهم وارائهم في اللغة وفقهها، كان نقلة عظيمة نقلت التأليف المعجمي من طور السذاجة إلى طور النضج والاكتمال.
وإذا كان أحمد بن فارس اللغوي والجوهري وغيرهما قد اختطوا لمعجماتهم رسما جديدا، وبنوها على أسس جديدة فقد كان ذلك، بلا ريب، من تأثير العين وتوجيهه.
[ ١ / ٢٧ ]