بسم الله الرحمن الرحيم
/قال أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي صاحب الأزهري:
سبحان من له في كل شيء شاهد بأنه إله واحد، وفي جميع ما أدركه بصر وأفضى إليه نظر دليل قائم على أنه قديم قادر، ينطق برهانه عن كل محسوس، ويعقل سلطانه عن كل موجود، دل على أنه حكيم عالم بخلق أحكمه، وقضاء أبرمه، وصنع أتقنه، وإنسان كونه خصيمًا مبينًا وجدلًا منطيقًا، من نطفة أمشاج وماء مهين، سمك السماء فليس بها فطور، وخلق الأفلاك ذائبة الحركات فليس لها فتور، كساها من الأنجم الزهر لباسًا، ووكل بها من الشهب الثاقبة حراسًا، فلا على عمد رفع السماء، ولا على مثال أحدث الأشياء، ذلك صنع من لا تعتوره الأحوال، ولا تقرن إليه الأشكال، ولا يلحق به الأولاد ولا يقاس إليه الأنداد، فالق الحب وبادئ النسم، وموجد الأشياء من بعد العدم، وخالق الأنوار والظلم، كل شيءٍ له مسبح، وبإخبار ذوي العقول أنه/ القديم الأول، مصرح، جل فيما أنشأ وفطر عن وزير وتعالى فيما دبر وقدر عن ظهير، واستغنى عن مشير، وتقدس عن نظير، فسبحانه ملكًا عنت الوجوه له، وربًا إليه المصير، وإلهًا يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وصلى الله على من تناسخته أرحام مطهرة، وأصلاب مكرمة، فأدته طاهرًا نجاره، زاكيًا نصابه، منتظرًا للأمر العظيم والخطب الجسيم، متوسمًا نور النبوة بين عينيه، معاينًا خاتم الرسالة بين كتفيه، محروسًا في نشئه وأجزاء عمره إلى استكماله قوى عقله، وتدريج الله إياه في مراقي التشريف إلى المقضي من أمره فأصبحه المعجزات وشيعه بالبينات، وحفه بالضياء، وغشاه بالنور، وختم به الدنيا، وفتح به الآخرة، وأرسله إلى الثقلين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فحمل أثقال النبوة ونهض بأعباء الرسالة، وجاهد في إيضاح السبل، وصبر صبر أولي العزم من الرسل،
[ ١ / ٣٣ ]
وتلقى الأذى في ربه برحب من قلبه، وانشراح من صدره، على ما لقى في الله ﷿ وحده، حتى أنجز وعده، وأسبغ عليه فضله، وأظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابًا متشابهًا/ مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، جعله نورًا مبينًا وحبلًا متينًا، وكساه نظمًا بديعًا، ونسقًا عجيبًا، ناقدًا للعادة، غريبًا أذل به رقابًا ساسية، ونكس به أبصارًا طامحة، وضرب فيه أمثالًا واضحةً وأخرس به ألسنًا ناطقة، وأفحم به قومًا لدًا، وجعله للحكم مستودعًا ولكل علم منبعًا، وإلى يوم القيامة نجمًا طالعًا، ومنارًا لامعًا، وعلمًا ظاهرًا لا يخلقه الزمان، ولا يذهب برونقه التكرار، ولا يطفئ نوره الاستكثار لا الأسماع تمجه، ولا الطباع تمله، شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين.
والحمد لله الذي جعل صدورنا أوعية كتابه، وآذاننا موارد سنن نبيه - ﷺ -، وهممنا مصروفة إلى تعلمهما، وإرادتنا منوطة بتدبرهما والبحث عن معانيهما وغرائبهما، طالبين بذلك رضا رب العالمين ومتدرجين به إلى علم الملة والدين، وفقنا الله فيهما لسلوك سبيل الرشاد وهدانا إلى منهج القصد والسداد، ويسرنا لمصالح عاجلتنا وآجلتنا، ومعاشنا ومعادنا، بمنه وطوله، وقوته وحوله.
وبعد:
فإن اللغة العربية/ إنما يحتاج إليها لمعرفة غريبي القرآن وأحاديث الرسول - ﷺ -، والصحابة والتابعين. والكتب المؤلفة فيها جمة وافرة، وفي كل منها فائدة، وجمعها متعب وحفظها عن آخرها معجز، هذا! والأعمار قصيرة والعلوم كثيرة، والهمم ساقطة، والرغبات نائمة، والمستفيد مستعجل، والحفظ تحليل، والحرص قليل، فمتى اشتغل المرء بتحصيلها كلها بعدت عليه الشقة، وعظمت الكلفة، وفات الوقت، واستولى الضجر، فقبض عن النظر فيما هو أولى بالنظر.
[ ١ / ٣٤ ]
وكنت أرجو أن يكون سبقني إلى جمعهما، وضم كل شيء إلى لفقه منهما، على ترتيب حسن، واختصار كاف، سابق، فكفاني مؤونة الدأب وصعوبة الطلب فلم أجد أحدًا عمل ذلك إلى غايتنا هذه، فاستخرت الله﷿ وتقدس- فيه، وسألته التوفيق له، ليكون تذكرة لنفسي مدة حياتي، وأثرًا حسنًا لي بعد وفاتي، إن شاء الله ﷿، وبه الثقة.
وكتابي هذا لمن حمل القرآن وعرف الحديث ونظر في اللغة، ثم احتاج إلى معرفة الحروف المعجمة نبدأ بالهمزة فنفيض بها على سائر الحروف حرفًا حرفًا، ونعمل لكل حرف بابًا ونفتتح/ كل باب بالحرف الذي يكون آخره الهمزة ثم الباء ثم التاء ثم الثاء إلى آخر الحروف، إلا أن لا نجده فنتعداه إلى ما نجده على الترتيب فيه، ثم نأخذ في كتاب الباء على هذا العمل، إلى أن تنتهي بالحروف كلها إلى آخرها؛ ليصير المفتش عن الحرف إلى إصابته من الكتاب، بأهون سعي وأخف طلب.
وشرطي فيه الاختصار، إلا إذا اختل الكلام دونه، وترك الاستظهار بالشواهد الكثيرة، إلا إذا لم يستغن عنها، وليس لي فيه إلا الترتيب والنقل من كتب الإثبات الثقات، طلبًا للتخفيف، وحذفًا للتطويل، وحصرًا للفائدة، وتوطئة للسبيل. فمن حفظه كان كمن حصل تلك الكتب عن آخرها، واستأثر بنكتها، وشرب زلالها، وسلبها جريًا لها.
وبالله ﷿ أستعين وعليه أتوكل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله على محمد سيدي وسيد المسلمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
[ ١ / ٣٥ ]
الهمزة
أ
[ ١ / ٣٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم