اعلم، نفعنا الله وإياك، أنّ الظّنّ يأتي على وجهين: يكون شكّا، ويكون يقينا.
فأمّا إذا كان بمعنى الشّكّ، فنحو قوله، ﷿: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا (١)، وإِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ (٢)، وإِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ (٣)، وإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي (٤)،
وذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ (٥)، وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (٦)، وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ (٧)، وظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (٨)، وإِلَّا يَظُنُّونَ (٩)، وإِبْلِيسُ ظَنَّهُ (١٠)، [وما كان مثله].
وأمّا إذا كان بمعنى اليقين، فنحو قوله ﷿: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ (١١)، وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ (١٢)، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (١٣)، وإِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي
_________________
(١) الجاثية ٣٢.
(٢) النساء ١٥٧.
(٣) الأنعام ١١٦ والآية ليست في م.
(٤) يونس ٣٦.
(٥) فصلت ٢٣.
(٦) الأحزاب ١٠.
(٧) الجن ٧.
(٨) الانشقاق ١٤.
(٩) البقرة ٧٨
(١٠) سبأ ٢٠.
(١١) البقرة ٤٦.
(١٢) التوبة ١١٨.
(١٣) القيامة ٢٨.
[ ٣٦ ]
مُلاقٍ حِسابِيَهْ (١)، وقالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ (٢)، ولِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا (٣)، وإِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ (٤)، وَظَنَّ داوُدُ (٥)، وما كان مثله.
واختلف القرّاء في قوله ﷿ في سورة يوسف: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا (٦) / ١١٨ أ/: فقرأ عاصم (٧)، وحمزة (٨)، والكسائي (٩):
كذبوا، بتخفيف الذّال. وقرأ سائر القرّاء: بتشديدها. وقرأ مجاهد (١٠):
كذبوا، بفتح الكاف والذّال وتخفيفها.
فمن قرأ بتخفيف الذّال كان الظّنّ بمعنى الشّكّ، لأنّ الضمير في (ظنّوا) للكفّار، والمعنى: وظنّ الكفار أنّ الرّسل قد كذبوا فيما وعدوا به من النّصر أن يأتيهم، أي: توهموا ذلك.
ومن قرأ بتشديد الذّال كان الظّنّ بمعنى اليقين، لأنّ الضمير في (ظنّوا)
_________________
(١) الحاقة ٢٠.
(٢) البقرة ٢٤٩.
(٣) يوسف ٤٢.
(٤) البقرة ٢٣٠. وفي النسختين: أن لا يقيما. وهو وهم.
(٥) ص ٢٤.
(٦) يوسف ١١٠. وينظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ٥٦، والسبعة ٣٥١، والتيسير ١٣٠، والاكتفاء ١٦٥، والمفتاح ٢٠٤.
(٧) ابن أبي النجود الكوفي، أحد السبعة، ت نحو ١٢٧ هـ. (أحاسن الأخبار في محاسن السبعة الأخيار ٤٣٠ - ٤٦٢، وطبقات القراء السبعة ٤٨ ..).
(٨) ابن حبيب الكوفي، أحد السبعة، ت ١٥٦ هـ. (أحاسن الأخبار ٣٠٣ - ٣٦٦، وطبقات القراء السبعة ٩٢ ..).
(٩) علي بن حمزة الكوفي، أحد السبعة، ت ١٨٩ هـ. (أحاسن الأخبار ٤١٠ - ٤٢٩، وطبقات القراء السبعة ٨٩ ..).
(١٠) الشواذ لابن خالويه ٦٥، والمحتسب ١/ ٣٥٠، وشواذ القراءات ٢٥٣، وزاد المسير ٤/ ٢٩٦. ومجاهد بن جبر المكي، ت ١٠٣ هـ. (معرفة القراء الكبار ١/ ١٦٣، وغاية النهاية ٢/ ٤٤).
[ ٣٧ ]
للرسل، والمعنى: وظنّ الرّسل أنّ قومهم قد كذبوهم، أي: أيقنوا ذلك منهم.
ومعنى قراءة مجاهد كمعنى قراءة الأولين، والتقدير: وتوهم الكفار أنّ الرّسل قد كذبوهم فيما أخبروهم من نزول العذاب إن لم يؤمنوا.
فأمّا قوله في فصّلت: وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (١) فيحتمل أن يكون بمعنى الشّكّ، وبمعنى اليقين جميعا.
وأمّا قوله، ﷿، في كوّرت: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢) فهو مرسوم في المصاحف بالضاد (٣).
واختلف القرّاء في قراءته: فقرأه ابن كثير (٤)، وأبو عمرو (٥)، والكسائي:
بالظّاء، على معنى: ليس بمتهم فيما يخبركم به عن الله، ﷿.
وقراءة (٦) نافع (٧)، وعاصم، وابن عامر (٨)، وحمزة: بالضاد، على معنى: ليس ببخيل لما يأتيه من عند الله، ﷿.
ومنه: الضّنّة، والمضنّة: كلّ ذلك من البخل، ومنه قول الشّاعر (٩):
_________________
(١) فصلت ٤٨.
(٢) التكوير ٢٤. ينظر: السبعة ٦٧٣، والوجيز ٣٧٥، والمفتاح ٣٦٠.
(٣) في المطبوع: بالظاء. وهو وهم. ينظر: الوسيلة ٢٤٤ - ٢٤٥، وفتح الوصيد ٤/ ١٣١١ - ١٣١٢، والجامع لما يحتاج إليه من رسم المصحف ١٤٣.
(٤) عبد الله المكي، أحد السبعة، ت ١٢٠ هـ. (أحاسن الأخبار ١٨٥ - ٢١٤، وطبقات القراء السبعة ٦٥ ..).
(٥) ابن العلاء البصري، أحد السبعة، ت ١٥٦ هـ. (أحاسن الأخبار ٣٦٧ - ٤٠٩، وطبقات القراء السبعة ٧٧ ..).
(٦) المطبوع: وقرأه.
(٧) ابن عبد الرحمن المدني، أحد السبعة، ت ١٦٩ هـ. (أحاسن الأخبار ٢١٥ - ٢٤٧، وطبقات القراء السبعة ٧٠ ..).
(٨) عبد الله الشامي، أحد السبعة، ت ١١٨ هـ. (أحاسن الأخبار ٢٤٨ - ٣٠٢، وطبقات القراء السبعة ٧٤ ..).
(٩) قعنب بن أمّ صاحب في الكتاب ١/ ١١، وشرح أبيات الكتاب للنحاس ٤٨، ولابن-
[ ٣٨ ]
مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقي أنّي أجود لأقوام وإن ضننوا
والمصدر من الظّنين: الظّنّة (١) والمظنّة.
والظّنون: الرّجل السّيّئ الظّنّ، وهو القليل الخير أيضا.
وكلّ شيء تتوهمه ولست فيه على يقين فهو ظنون، وهو قول عمر (٢)، ﵁: (الدّين الظّنون لا زكاة فيه).
والتّظنّي في موضع التّظنّن (٣)، يقال: تظنّيت، والأصل: تظنّنت، إلّا أنّهم أبدلوا من النّون الآخرة ياء لكراهة (٤) اجتماع النّونات.
والمظانّ والمظانّة: معالم الأمور. قال الشّاعر (٥):
فإنّ مظنّة الجهل السّباب
ويروى: الشّباب. يقال: طلبت الشّيء في مظانّه، أي: في موضعه.
وتقول في تصريف فعل البخل: ضننت أضنّ، بكسر النّون في الماضي وفتحها في المستقبل.
وفي التّهمة: ظننت أظنّ (٦)، بفتح النّون في الماضي وضمّها في المستقبل (٧).
_________________
(١) - السيرافي ١/ ٣١٨، والخصائص ١/ ١٦٠، وتحصيل عين الذهب ٥٨.
(٢) (الظنة و): ساقطة من المطبوع.
(٣) ابن الخطاب، ت ٣٣ هـ. (أسد الغابة ٤/ ١٤٥، وتاريخ الخلفاء ١٣٣). وفي النهاية ٣/ ١٦٤: (لا زكاة في الدين الظّنون: هو الذي لا يدري صاحبه أيصل إليه أم لا).
(٤) المطبوع: والتظنن في موضع التظنون.
(٥) المطبوع: كراهة.
(٦) النابغة الذبياني، ديوانه ١٥٥، وصدره: إن يك عامر قد قال جهلا.
(٧) المطبوع: أظنّ به.
(٨) ينظر في (ظن): الوجوه والنظائر لمقاتل ١٤٩، ولهارون ٢٣٢، وحصر حرف الظاء ١٧، وظاءات القرآن ٢٢، والظاء ٧١، وتحفة الإحظاء ق ١٥.
[ ٣٩ ]