قَالَ الشَّيْخ أَبُو هِلَال الْحسن بن عبد الله بن سهل رَحمَه الله تَعَالَى الشَّاهِد على أَن اخْتِلَاف الْعبارَات والاسماء يُوجب اخْتِلَاف الْمعَانِي أَن الِاسْم كلمة تدل على معنى دلَالَة الْإِشَارَة وَإِذا أُشير إِلَى الشَّيْء مرّة وَاحِدَة فَعرف فالإشارة إِلَيْهِ ثَانِيَة وثالثة غير مفيدة وواضح اللُّغَة حَكِيم لَا يَأْتِي فِيهَا بِمَا لَا يُفِيد فَإِن أُشير مِنْهُ فِي الثَّانِي وَالثَّالِث إِلَى خلاف مَا أُشير إِلَيْهِ فِي الأول كَانَ ذَلِك صَوَابا فَهَذَا يدل على أَن كل اسْمَيْنِ يجريان على معنى من الْمعَانِي وَعين من الْأَعْيَان فِي لُغَة وَاحِدَة فَإِن كل اسْمَيْنِ يجريان على معنى من الْمعَانِي وَعين من الْأَعْيَان فِي لُغَة وَاحِدَة فَإِن كل وَاحِد مهما يَقْتَضِي خلاف مَا يَقْتَضِيهِ الآخر وَإِلَّا لَكَانَ الثَّانِي فضلا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَإِلَى هَذَا ذهب الْمُحَقِّقُونَ من الْعلمَاء واليه أَشَارَ الْمبرد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى (لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا) قَالَ فعطف شَرعه على منهاج لِأَن الشرعة لأوّل الشَّيْء والمنهاج لمعظمة ومتسعه واستشهدت على ذَلِك بقَوْلهمْ شرع فلَان فِي كَذَا إِذا ابتدأه وأنهج البلى فِي الثَّوْب إِذا اتَّسع فِيهِ قَالَ وَعطف الشَّيْء على الشَّيْء وان كَانَا يرجعان إِلَى شَيْء وَاحِد كَانَ فِي أَحدهمَا خلاف للْآخر فَأَما إِذا اريد بالثناني مَا أُرِيد بِالْأولِ فعطف أَحدهمَا على الآخر خطأ لَا تَقول
جَاءَنِي زيد وَأَبُو عبد الله إِذا كَانَ زيد هُوَ أَبُو عبد الله وَلَكِن مثل قَوْله من الْبَسِيط
(أَمرتك الْخَيْر فافعل مَا أمرت بِهِ فقد تركتك ذَا مَال وَذَا نشب) وذلكت أَن المَال إِذا لم يُقيد فَإِنَّمَا يعْنى بِهِ الصَّامِت كَذَا قَالَ والنشب
[ ٢٢ ]
مَا ينشب وَيثبت من العقارات وكلك قَول الحطيئة من الطَّوِيل
(أَلا حبذا هِنْد وَأَرْض بهَا هِنْد وَهِنْد أَتَى من دونهَا الناي والبعد)
وَذَلِكَ أَن النأي يكون لما ذهب عَنْك إِلَى حَيْثُ بلغ وَأدنى ذَلِك يُقَال لَهُ نأي والبعد تَحْقِيق التروح والذهاب إِلَى الْموضع السحيق وَالتَّقْدِير أَتَى من دونهَا النأي الَّذِي يكون أول الْبعد والبعد الَّذِي يكَاد يبلغ الْغَايَة قَالَ أَبُو هِلَال ﵀ وَالَّذِي قَالَه هَهُنَا فِي الْعَطف يدل على أَن جَمِيع مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن وَعَن الْعَرَب من لفظين جاريين مجْرى مَا ذكرنَا من الْعقل واللب والمعرفة وَالْعلم وَالْكَسْب وَالْجرْح وَالْعَمَل وَالْفِعْل مَعْطُوفًا أَحدهمَا على أخلا فَإِنَّمَا جَازَ هَذَا فيهمَا لما بَينهمَا من الْفرق فِي الْمَعْنى وَلَوْلَا ذَلِك لم يجز عطف زيد على أبي عبد الله إِذْ كَانَ هوهو قَالَ أَبُو هِلَال ﵀ وَمَعْلُوم أَن من حق الْمَعْطُوف أَن يتَنَاوَل غير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ ليَصِح عطف مَا عطف بِهِ لعيه إِلَّا إِ ١ اعْلَم أَن الثَّانِي ذكر تفخيما وَأَفْرج عَمَّا قبله تَعْظِيمًا نَحْو عطف جِبْرِيل وَمِيكَائِيل على الْمَلَائِكَة فِي قَوْله تَعَالَى (من كَانَ عدوا الله
وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال) وَقَالَ بعض النَّحْوِيين لَا يجوز أَن يدل اللَّفْظ الْوَاحِد على مَعْنيين مُخْتَلفين حَتَّى تُضَاف عَلامَة لكل وَاحِد مِنْهُمَا فَإِن لم يكن فِيهِ لذَلِك عَلامَة أشكل وألبس على الْمُخَاطب وَلَيْسَ من الْحِكْمَة وضع الْأَدِلَّة المشكلة إِلَّا أَن يدْفع ذلكت ضَرُورَة أوعلة وَلَا يَجِيء فِي الْكَلَام غير ذَلِك إِلَّا مَا شَذَّ وَقل وكما لَا يجوز أَن يدل اللَّفْظ الْوَاحِد عَليّ مَعْنيين فَكَذَلِك لَا يجوز أَن يكون اللفظان يدلان على معنى وَاحِد لِأَن فِي ذَلِك تَكْثِير للغة بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ
قَالَ وَلَا يجوز أَن يكون فعل وأفعل بِمَعْنى وَاحِد كَمَا لَا يكونَانِ على
[ ٢٣ ]
بِنَاء وَاحِد إِلَّا أَن يجي ذَلِك فِي لغتين فَأَما فِي لُغَة وَاحِدَة فمحال أَن يخْتَلف اللفظان وَالْمعْنَى وَاحِد كَمَا ظن كثير من النَّحْوِيين واللغويين وَإِنَّمَا سمعُوا الْعَرَب تَتَكَلَّم بذلك على طباعها وَمَا فِي نفوسها من مَعَانِيهَا الْمُخْتَلفَة وعَلى مَا جرت بِهِ عاداتها وتعارفها وَلم يعرف السامعون تِلْكَ الْعِلَل والفروق فطنوا مَا ظنوه من ذَلِك وتأولوا على الْعَرَب مَا لَا يجوز فِي الحكم وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ من أهل الْعَرَبيَّة لَا يجوز أَن تخْتَلف الحركتان فِي الكمتين ومعناهما وَاحِد قَالُوا فَإِذا كَانَ الرجل عدَّة للشي قيل فِيهِ مفعل مثل مرحم ومحرب وَإِذا كَانَ قَوِيا على الْفِعْل قيل فعول مثل صبور وشكور وَإِذا كَانَ ذَلِك عَادَة لَهُ قيل مفعال مثل معوان ومعطاء ومهداء وَمن لَا يتَحَقَّق الْمعَانِي يظنّ أَن ذَلِك كُله يُفِيد الْمُبَالغَة فَقَط وَلَيْسَ الْأَمر كذلكت بل هِيَ مَعَ إفادتها الْمُبَالغَة تفِيد الْمعَانِي الَّتِي ذَكرنَاهَا وَكَذَلِكَ قَوْلنَا فعلت يُفِيد خلاف مَا يُفِيد أفعلت فِي جَمِيع الْكَلَام إِلَّا مَا كَانَ من ذَلِك لغتين فقولك سقيت الرجل يُفِيد أَنَّك أَعْطيته مَا يشربه أَو صببت ذَلِك فِي حلقه وأسقيته يُفِيد أَنَّك جعلت لَهُ سقيا أَو حظا من المَاء وقولك شَرقَتْ الشَّمْس يُفِيد
خلاف غربت وأشرقت يُفِيد أَنَّهَا صَارَت ذَات اشراق ورعدت السَّمَاء أَتَت برعد وأرعدت صَارَت ذَات رعد فَأَما قَول بعض أهل اللُّغَة إِن الشّعْر وَالشعر وَالنّهر وَالنّهر بِمَعْنى وَاحِد فَإِن ذَلِك لُغَتَانِ وَإِذا كَانَ اخْتِلَاف الحركات يُوجب اخْتِلَاف الْمعَانِي فاختلاف الْمعَانِي أَنْفسهَا أولى أَن يكون كَذَلِك وَلِهَذَا الْمَعْنى أَيْضا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ من أهل الْعَرَبيَّة إِن حُرُوف الْجَرّ لَا تتعاقب حَتَّى قَالَ ابْن درسْتوَيْه فِي جَوَاز تعاقبها إبِْطَال حَقِيقَة اللُّغَة وإفساد الْحِكْمَة فِيهَا وَالْقَوْل بِخِلَاف مَا يُوجِبهُ الْعقل وَالْقِيَاس قَالَ أَبُو هِلَال ﵀ وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذا تعاقبت خرجت عَن
[ ٢٤ ]
حقائقها وَوَقع كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَعْنى الآخر فَأوجب ذَلِك أَن يكون لفظان مُخْتَلِفَانِ لَهما معنى وَاحِد فَأبى الْمُحَقِّقُونَ أَن يَقُولُوا بذلك وَقَالَ بِهِ من لَا يتَحَقَّق الْمعَانِي وَلَعَلَّ قَائِلا يَقُول إِن امتناعك من أَن يكون للفظين الْمُخْتَلِفين معنى وَاحِد رد على جَمِيع أهل اللُّغَة لأَنهم إِذا أَرَادو أَن يفسروا اللب قَالُوا هُوَ الْعقل أَو الْجرْح قَالُوا هُوَ الْكسْب أَو السكب قَالُوا هُوَ الصب وَهَذَا يدل على أَن اللب وَالْعقل عِنْدهم سَوَاء وَكَذَلِكَ نقُول إِلَّا أَنا نَذْهَب إِلَى أَن قَوْلنَا اللب وان كَانَ هُوَ الْعقل فَإِنَّهُ يُفِيد خلاف مَا يُفِيد قَوْلنَا الْعقل وَمثل ذَلِك القَوْل وَإِن كَانَ هُوَ الْكَلَام وَالْكَلَام هُوَ القَوْل فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا يُفِيد بِخِلَاف مَا يفِيدهُ الآخر وَكَذَلِكَ الْمُؤمن وَإِن كَانَ هُوَ الْمُسْتَحق للثَّواب فَإِن قَوْلنَا مُسْتَحقّ للثَّواب يُفِيد خلاف مَا يفِيدهُ قَوْلنَا مُؤمن وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا فِي هَذَا الْبَاب وَلِهَذَا الْمَعْنى قَالَ الْمبرد الْفرق بَين ابصرته وبصرت بِهِ على اجْتِمَاعهمَا فِي الْفَائِدَة أَن بصرت بِهِ مَعْنَاهُ أَنَّك صرت بَصيرًا بموضعه وَفعلت أَي انْتَقَلت إِلَى هَذَا الْحَال وَأما أبصرته فقد يجوز أَن يكون مرّة وَيكون لأكْثر من ذَلِك وَكَذَلِكَ أدخلته
وَدخلت بِهِ فَإِذا قلت أدخلته جَازَ أَن تدخله وانت مَعَه وجا إلاتكون مَعَه وَدخلت بِهِ إِخْبَار بِأَن الدُّخُول لَك وَهُوَ مَعَك بسببك وحاجتنا إِلَى الِاخْتِصَار تلزمنا الِاقْتِصَار فِي تأييد هَذَا الْمَذْهَب على مَا ذَكرْنَاهُ وَفِيه كِفَايَة
فَأَما مَا يعرف بِهِ الْفرق بَين هَذِه الْمعَانِي وأشباهها فإشياء كَثِيرَة مِنْهَا اخْتِلَاف مَا يسْتَعْمل عَلَيْهِ اللفظان اللَّذَان يُرَاد الْفرق بَين معنييهما وَمِنْهَا اعْتِبَار صِفَات الْمَعْنيين اللَّذين يطْلب الْفرق بَينهمَا وَمِنْهَا اعْتِبَار مَا يؤول إِلَيْهِ المعنيات وَمِنْهَا اعْتِبَار الْحُرُوف الَّتِي تعدى بهَا الْأَفْعَال
[ ٢٥ ]
وَمِنْهَا اعْتِبَار النقيض وَمِنْهَا اعْتِبَار الاشقاق وَمِنْهَا مَا يُوجِبهُ صِيغَة اللَّفْظ من الْفرق بَينه وَبَين مَا يُقَارِبه وَمِنْهَا اعْتِبَار حَقِيقَة اللَّفْظَيْنِ أَو أَحدهمَا فِي أصل اللُّغَة
فَأَما الْفرق الَّذِي يعرف من جِهَة مَا تسْتَعْمل عَلَيْهِ الكلمتان فكالفرق بَين الْعلم والمعرفة وَذَلِكَ أَن الْعلم يتَعَدَّى إِلَى مفعولين والمعرفة تتعدى إِلَى مفعول وَاحِد فتصرفهما على هَذَا الْوَجْه وَاسْتِعْمَال أهل اللُّغَة إيَّاهُمَا عَلَيْهِ يدل على الْفرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى وَهُوَ أَن لفظ الْمعرفَة يُفِيد تَمْيِيز الْمَعْلُوم من غَيره وَلَفظ الْعلم لَا يُفِيد ذَلِك إِلَّا بِضَرْب آخر من التَّخْصِيص فِي ذكر الْمَعْلُوم وسنتكلم فِي ذَلِك بِمَا فِيهِ كِفَايَة إِذا انتهينا إِلَى مَوْضِعه
وَأما الْفرق الَّذِي يعرف من جِهَة صِفَات الْمَعْنيين فكالفرق بَين الْحلم والإمهال وَذَلِكَ أَن الْحلم لَا يكون إِلَّا حسنا والإمهال يكون حسنا وقبيحا وسنبين ذَلِك فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله
وَأما الْفرق الَّذِي يعرف من جِهَة اعْتِبَار مَا يؤول إِلَيْهِ المعنيان فكالفرق بَين المزاح والاستهزاء وَذَلِكَ أَن المزاح لَا يَقْتَضِي تحقير الممازح وَلَا اعْتِقَاد ذَلِك فِيهِ أَلا ترى التارع يمازح المبتوع من الرؤساء والملوك فَلَا يدل ذَلِك مِنْهُ على تحقيرهم وَلَا اعْتِقَاد تحقيرهم وَلَكِن يدل
على استئناسه بهم والاستهزاء يَقْتَضِي تحقيره المستهزا بِهِ فَظهر الفرق بَين الْمَعْنيين بتباين مَا دلا عَلَيْهِ وأوجباه
وَأما الْفرق الَّذِي يعلم من جِهَة الْحُرُوف الَّتِي تعدى بهَا الْأَفْعَال فكالفرق بَين العقو والغفران ذَلِك أَنَّك تَقول عَفَوْت عَنهُ فَيَقْتَضِي ذَلِك أَنَّك محوت الذَّم وَالْعِقَاب عَنهُ وَتقول غفرت لَهُ فَيَقْتَضِي ذَلِك أَنَّك سترت لَهُ ذَنبه وَلم تفضحه بِهِ وَبَيَان هَذَا يَجِيء فِي بَابه إِن شَاءَ الله
واما الْفرق الَّذِي يعرف من جِهَة اعْتِبَار النقيض فكالفرق بَين الْحِفْظ وَالرِّعَايَة وَذَلِكَ أَن نقيض الْحِفْظ الإضاعة ونقيض الرِّعَايَة
[ ٢٦ ]
الإهمال وَلِهَذَا يُقَال للماشية إِذا لم يكن لَهَا رَاع همل والإهمال مَا يُؤَدِّي إِلَى الإضاعة فعلى هَذَا يكون الْحِفْظ وَصرف المكاره عَن الشَّيْء لِئَلَّا يهْلك وَالرِّعَايَة فعل السَّبَب الَّذِي يصرف بِهِ المكاره عَنهُ وسنشرح هَذَا فِي مَوْضِعه ان شَاءَ الله وَلَو لم يعْتَبر فِي الْفرق بَين هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ وَمَا بسبيلهما النقيض لصعب معرفَة الْفرق بَين ذَلِك
وَأما الْفرق من جِهَة الِاشْتِقَاق فكالفرق بَين السياسة وَالتَّدْبِير وَذَلِكَ أَن السياسة هِيَ النّظر فِي الدَّقِيق من أُمُور السوس مشتقه من السوس هَذَا الْحَيَوَان الْمَعْرُوف وَلِهَذَا لَا يُوصف الله تَعَالَى بالسياسة لِأَن الْأُمُور لَا تدق عَنهُ التَّدْبِير مُشْتَقّ من الدبر ودبر كل شَيْء آخِره وأدبار الْأُمُور عواقبها فالتدبير آخر الْأُمُور وسوقها إِلَى مَا يصلح بِهِ أدبارها أَي عواقبها وَلِهَذَا قيل للتدبير المستمر سياسة وَذَلِكَ أَن التَّدْبِير إِذا كثر وَاسْتمرّ عرض فِيهِ مَا يحْتَاج إِلَى دقة النّظر فَهُوَ رَاجع إِلَى الأول وكالفرق بَين التِّلَاوَة وَالْقِرَاءَة وَذَلِكَ أَن التِّلَاوَة لَا تكون فِي الْكَلِمَة الْوَاحِدَة وَالْقِرَاءَة تكون فِيهَا تَقول قَرَأَ فلَان اسْمه وَلَا تَقول تَلا اسْمه وَذَلِكَ أَن أصل التِّلَاوَة من قَوْلك تَلا الشَّيْء الشَّيْء يتلوه إِذا تبعه فَإِذا لم تكن الْكَلِمَة تتبع أُخْتهَا لم تسْتَعْمل فِيهَا التِّلَاوَة وتستعمل فِيهَا الْقِرَاءَة لِأَن القراءاة اسْم الْجِنْس هَذَا الْفِعْل
وَأما الْفرق الَّذِي توجبه صيفة اللَّفْظ فكالفرق بَين الِاسْتِفْهَام وَالسُّؤَال وَذَلِكَ أَن الِاسْتِفْهَام لَا يكون إِلَّا لما يجهله المستفهم أَو يشك فِيهِ لِأَن المستفهم طَالب لِأَن يفهم وَقد يجوز أَن يسْأَل فِيهِ السَّائِل عَمَّا يعلم وَعَما لَا يعلم فصيغة الِاسْتِفْهَام هِيَ استفعال والاستفعال صيفته من الاسماء وَالْأَفْعَال فَمَعْنَاه مُخْتَلف مثل الضعْف والضعف والجهد والجهد وَغير ذَلِك مِمَّا يجْرِي مجْرَاه
وَأما الْفرق الَّذِي يعرف من جِهَة اعْتِبَار أصل اللَّفْظ فِي اللُّغَة
[ ٢٧ ]
وَحَقِيقَته فِيهَا فَالْفرق بَين الحنين واشتياق وَذَلِكَ أَن أصل الحنين فِي اللُّغَة هُوَ صَوت من أصوات الأبل تحدثها إِذا اشتاقت إِلَى أوطانها ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى أجْرى اسْم كل وَاحِد منخا على الاخر كَمَا يجْرِي على السَّبَب وعَلى الْمُسَبّب أسم السَّبَب فَإِذا اعْتبرت هَذِه الْمعَانِي وَمَا شاكلها فِي الْكَلِمَتَيْنِ وَلم يستبن لَك الْفرق بَين معنييهما فَاعْلَم أَنَّهُمَا من لغتين مثل الْقدر بالبصرية والبرمة بالمكية وَمثل قَوْلنَا الله بِالْعَرَبِيَّةِ وأزر بِالْفَارِسِيَّةِ وَهَذِه جملَة إِذا اعتمدتها أوصلتك إِلَى بغيتك من هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله
[ ٢٨ ]