كل مَا فِي الْقُرْآن من ﴿لَا يُكَلِفُ اللهُ نفسا إِلَّا
وُسْعَها﴾ فَالْمُرَاد مِنْهُ الْعَمَل إِلَّا الَّتِي فِي " الطَّلَاق " فَإِنَّهُ المُرَاد مِنْهُ النَّفَقَة.
[اللاسع]: كل ضَارب بمؤخرة فَهُوَ لاسع كالعقرب والزنبور.
[اللادغ]: وكل ضَارب بِفِيهِ فَهُوَ لادغ كالحية وسام أبرص. وكل قَابض بِأَسْنَانِهِ فَهُوَ ناهش كَالْكَلْبِ وَسَائِر السبَاع.
[لَا]: كل شَيْء حَسُن أَن يعْمل فِيهِ (رب] حَسُن أَن تعْمل فِيهِ (لَا)، وَهِي كلمة تبرئة إِذا دخلت اسْما وَاحِدًا بني على الْفَتْح وَلم ينوّن لِأَنَّهُمَا يصيران كاسم وَاحِد
(لَا) مَعَ الْمَاضِي بِمَعْنى (لم) مَعَ الْمُسْتَقْبل كَمَا فِي قَوْله:
(إِن تَغْفِر اللَّهُمَّ فاغْفِرْ جَما وأَيُّ عبدٍ لكَ لَا ألَمّا)
أَي: لم يلم الذَّنب.
و(لَا) أدل على النَّفْي لكَونهَا مَوْضُوعَة للنَّفْي وَمَا فِي مَعْنَاهُ كالنهي خَاصَّة، وَلَا تفِيد الْإِثْبَات إِلَّا بطرِيق الْحَذف أَو الْإِضْمَار، وَأما (مَا) فَغير مُخْتَصَّة للنَّفْي لِأَنَّهَا وَارِدَة لغيره من الْمعَانِي حَيْثُ تكون اسْما.
لَا: لنفي النكرات كثيرا والمعارف قَلِيلا مَعَ تكريرها، و(مَا) لنفي المعارف كثيرا والنكرات
[ ٩٦٥ ]
قَلِيلا، وَإِذا دَخَلنَا الْأَفْعَال ف (مَا) لنفي الْحَال عِنْد الْجُمْهُور، و(لَا) لنفي الِاسْتِقْبَال عِنْد الْأَكْثَرين، وَقد تكون لنفي الْحَال. وَقَوْلهمْ: (لَا) لَا تدخل إِلَّا الْمُضَارع بِمَعْنى الِاسْتِقْبَال و(مَا) لَا تدخل إِلَّا الْمُضَارع بِمَعْنى الْحَال بِنَاء على الْغَالِب، وَقد ذكرُوا دُخُول (لَا) فِي الْمُضَارع مرَادا بِهِ الْحَال، وَدخُول (مَا) فِي الْمُضَارع مرَادا بِهِ الِاسْتِقْبَال.
«لَا) النافية عاملة عمل (إنَّ) و(لَيْسَ) وَلَا تعْمل إِلَّا فِي النكرات، وَتَكون عاطفة بِشَرْط أَن يتقدمها إِثْبَات نَحْو: (جَاءَ زيد لَا عَمْرو)، أَو أَمر نَحْو: (اضْرِب زيدا لَا عمرا)، وَأَن يتغاير متعاطفاها فَلَا يجوز (جَاءَنِي رجل لَا زيد) لِأَنَّهُ يصدق على زيد اسْم الرجل) .
وَيكون جَوَابا مناقضًا لنعم، وتحذف الْجمل بعْدهَا كثيرا، وَتعرض بَين الْخَافِض والمخفوض نَحْو: (جِئْت بِلَا زَاد) . و(لَا) بِمَعْنى (غير) عَامل عِنْد الكوفية، وَغير عَامل بل الْبَاء عِنْد البصرية، وَتَكون مَوْضُوعَة لطلب التّرْك، وتختص بِالدُّخُولِ فِي الْمُضَارع وتقتضي جزمه واستقباله سَوَاء كَانَ نهيا نَحْو: ﴿لَا تنسوا الْفضل﴾ أَو دُعَاء نَحْو: ﴿لَا تُؤَاخِذنَا﴾ .
[وَقد يذكر (لَا) وَيُرَاد بِهِ سلب الْمَعْنى دون إِثْبَات شَيْء وَتسَمى مَا يدْخلهُ ذَلِك الِاسْم غير المحصل نَحْو: (فلَان لَا إِنْسَان) إِذا قصدت سلب
الإنسانية، وعَلى هَذَا قَول الْعَامَّة لَا أحد] .
(لَا) و(لن) هما أختَان فِي نفي الْمُسْتَقْبل إِلَّا أَن فِي (لن) توكيدًا وتشديدًا تَقول لصاحبك: (لَا أقيم غَدا عنْدك) . فَإِن أنكر عَلَيْك تقل: (لن أقيم غَدا) . ذكره الزَّمَخْشَرِيّ، وَهَذِه دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا، بل قد يكون النَّفْي بِلَا آكِد من النَّفْي بلن، لِأَن الْمَنْفِيّ بِلَا قد يكون جَوَابا للقسم نَحْو: (وَالله لَا يقوم زيد) . والمنفي بلن لَا يكون جَوَابا لَهُ، وَنفي الْفِعْل إِذا أقسم عَلَيْهِ آكِد مِنْهُ إِذا لم يقسم.
(لَا) أَكثر مَا يضمر فِي الْأَقْسَام نَحْو: ﴿تَفْتَؤ تَذْكُر يُوسُف﴾ أَي: لَا تفتؤ. وَقد تذكر فِي غير الْقسم كَقَوْلِه:
(أُوصِيكَ أَنْ تحمدكَ الأقَارِبُ ويَرْجِع الْمِسْكِين وهُوَ خَائِبُ)
أَي: وَلَا يرجع. وَقد استعملوها زَائِدَة على وَجه الفصاحة وتحسين الْكَلَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن لَا تَسْجُد﴾ بِدَلِيل (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُد﴾ .
وتزاد مَعَ الْوَاو العاطفة بعد النَّفْي لفظا نَحْو: (مَا جَاءَنِي زيدا وَلَا عَمْرو)، أَو معنى نَحْو: ﴿غَيرِ المغْضُوبِ عَلَيْهم ولاَ الضَّالِّين﴾ للتَّأْكِيد تَصْرِيحًا بشموله لكل وَاحِد من الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن الْمَنْفِيّ هُوَ الْمَجْمُوع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع، وَمَعَ (أَن)
[ ٩٦٦ ]
المصدرية كَمَا فِي ﴿أَن لَا تَسْجُدَ﴾ وقلَّت زيادتها قبل (أقسم) نَحْو: ﴿لَا أقسم بِهَذَا الْبَلَد﴾ .
(لَا) النافية تعْمل عمل (إنّ) إِذا أُرِيد بهَا نفي الْجِنْس على سَبِيل التَّنْصِيص وَتسَمى تبرئة وَإِنَّمَا يظْهر نصبها إِذا كَانَ مُضَافا أَو شبهه، وَإِلَّا فيركب مَعهَا نَحْو: (لَا إِلَه إِلَّا الله)، وَإِن تكَرر جَازَ التَّرْكِيب وَالرَّفْع نَحْو: ﴿فَلَا رفث وَلَا فسوق وَلَا جِدَال﴾، ﴿لَا بيع فِيهِ وَلَا خلة﴾ .
وتعمل عمل (لَيْسَ) نَحْو: ﴿وَلَا أَصْغَر من ذَلِك وَلَا أكبر إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ .
[وَتَكون عاطفة بِشَرْط أَن يتقدمها إِثْبَات نَحْو: (جَاءَنِي زيد لَا عَمْرو): أَو أَمر نَحْو: (اضْرِب زيدا لَا عمرا)، وَأَن يتغاير متعاطفاها فَلَا يجوز: (جَاءَنِي رجل لَا زيد) لِأَنَّهُ يصدق على زيد اسْم الرجل. وَتَكون جوابية] .
وَإِن كَانَ مَا بعد (لَا) جملَة اسمية صدرها معرفَة أَو نكرَة وَلم تعْمل فِيهَا أَو فعلا مَاضِيا لفظا أَو تَقْديرا وَجب تكرارها نَحْو: ﴿فَلَا صدق وَلَا صلى﴾ و(مَرَرْت بِرَجُل لَا كريم وَلَا شُجَاع)، وَإِن كَانَ مضارعًا لم يجب ذَلِك نَحْو: ﴿لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل﴾ .
(لَا) كَمَا تفِيد عُمُوم النكرَة الَّتِي تدخل عَلَيْهَا تفِيد أَيْضا عُمُوم الْفِعْل الَّذِي تدخل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْهَا أَو
يشبهها نَحْو: ﴿لَا يستوون﴾ و(لَا أكلت) فتفيد نفي جَمِيع وجود الاسْتوَاء الْمُمكن نَفْيه وَنفي جَمِيع المأكولات.
وَترد اسْما بِمَعْنى (غير) فَيظْهر إعرابها فِيمَا بعْدهَا نَحْو: ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ .
(لَا) فِي أَصْلهَا مَوْضُوعَة للنَّفْي، واشتهرت بِهَذَا الْمَعْنى كَأَنَّهَا عَلَمٌ لَهُ، فَإِذا أُرِيد بِهِ التَّعْبِير عَمَّا فِي (غير) من معنى النَّفْي عبِّر بِمَا هُوَ أظهر دلَالَة على النَّفْي وأرسخ قدمًا فِيهِ.
(لَا) الناهية أَعنِي الْمَوْضُوعَة للنَّهْي مُطلقًا تَجِيء للمخاطب وَالْغَائِب على السوَاء بِخِلَاف اللَّام فَإِنَّهَا لَا تدخل على الْفَاعِل الْمُخَاطب فِي الْأَغْلَب. وَقد تدخله لتفيد التَّاء الْخطاب وَاللَّام الْغَيْبَة فَيعم اللَّفْظ مَجْمُوع الْأَمريْنِ مَعَ التَّنْصِيص على كَون بَعضهم حَاضرا وَبَعْضهمْ غَائِبا كَمَا قرئَ فِي الشواذ ﴿فَلْتَفْرحُوا﴾ .
(لَا) العاملة عمل (لَيْسَ) لنفي الْوحدَة، والعاملة عمل (إِن) لنفي الْجِنْس.
(لَا) بِمَعْنى (غير) مُقَيّدَة للْأولِ منبئة لوضعه، والعاطفة تنبئ حكما جَدِيدا لغيره.
(لَا) المحققة تفْتَقر إِلَى تقدم نفي نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿لم يكن الله ليغفر لَهُم وَلَا ليهديهم سَبِيلا﴾ .
[ ٩٦٧ ]
و(لَا) الصِّلَة لَا تفْتَقر إِلَى ذَلِك كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تستوي الْحَسَنَة وَلَا السَّيئَة﴾ ف (لَا) مُؤَكدَة وَالْمعْنَى: لَا تستوي الْحَسَنَة والسيئة، لِأَن (يَسْتَوِي) من الْأَفْعَال الَّتِي لَا تكتفي بفاعل وَاحِد.
(لَا) المحمودة تكون فِي مُقَابلَة (أتمنعني) أَو (أتحرمني) .
و(لَا) المذمومة تكون فِي جَوَاب (أَعْطِنِي) وَللَّه در الْقَائِل:
(أبَى جُودُه لَا البُخْلَ واسْتَعْجَلَت بِهِ نَعَمْ مِنْ فَتىً لَا يَمْنَعُ الْجُود قاتِله)
يرْوى: قَوْله (الْبُخْل) بِالنّصب والجر، فالجر على إِضَافَة (لَا) إِلَيْهِ، وَالْمعْنَى: أَبى جوده النُّطْق بِلَا الَّتِي للبخل. وَأما النصب فعلى أَن يكون الْبُخْل بَدَلا من (لَا) أَو عطف بَيَان أَو مَفْعُولا لأَجله على حذف مُضَاف، أَي: كَرَاهَة الْبُخْل، فَالْمَعْنى أَنه لَا ينْطق ب (لَا) قطّ لِئَلَّا يَقع فِي الْبُخْل. و(من فَتى) صفة أَو حَال من (نعم) أَي: صادرة نعم المستعجلة بِهِ من فَتى شَأْنه لَا يمْنَع الْجُود قَاتله، أَي: لَو قدر أَن شخصا ضربه فانفذ مقاتله ثمَّ أَتَى الضَّارِب يسْأَل أَن يجود عَلَيْهِ بِشَيْء يَطْلُبهُ مِنْهُ لما مَنعه إِيَّاه مَعَ علمه بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أنفذ مقاتله، فَإِذا صدرت من الْجواد الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصّفة لم يتَخَلَّف مقتضاها. وَقد أبدع فِي هَذَا الْمَعْنى حسان فِي مدح رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ:
(مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشهدِهِ لَوْلَا التَّشَهُّدُ لم تُسْمَعْ لَهُ لاء)
وَفِي رِوَايَة: كَانَت لاؤه نعم.
لَا يَنْبَغِي: أَي لَا يَصح وَلَا يتسهل وَلَا يتسخر، وَمِنْه: ﴿وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ لِأَن لِسَانه لَا يجْرِي بِهِ، أَو لَا يَسْتَقِيم عقلا. وَهُوَ فِي لُغَة الْقُرْآن وَالرَّسُول للممتنع شرعا وعقلًا.
وَقد تسْتَعْمل فِي مَوضِع (لَا يجوز) كَمَا فِي قَوْلهم: (لَا يَنْبَغِي لوالٍ عِنْده حد من حُدُود الله إِلَّا أَن يقيمه) كَذَلِك لفظ (يَنْبَغِي) فَإِنَّهُ قد يسْتَعْمل فِي مَوضِع (يجب) كَمَا فِي قَوْلهم: (إِذا شهِدت الْأَرْبَعَة بِالزِّنَا بَين يَدي القَاضِي يَنْبَغِي أَن يسألهم عَن الزِّنَا مَا هُوَ وَكَيف هُوَ) .
وَفِي عرف الْفُقَهَاء يسْتَعْمل فِيمَا لم يكن فِيهِ رِوَايَة صَحِيحَة.
وَفِي " الْمِصْبَاح ": قَوْلهم (يَنْبَغِي أَن يكون كَذَا) مَعْنَاهُ: يَنْبَغِي ندبا مؤكدًا لَا يحسن تَركه.
وَقَالَ بَعضهم: كلمة (يَنْبَغِي) تَقْتَضِي رُجْحَان أحد الطَّرفَيْنِ وَجَوَاز الآخر، وَقيل فِي معنى قَوْله: (يَنْبَغِي للْمُصَلِّي أَن يفعل كَذَا) أَي: يطْلب مِنْهُ ذَلِك الْفِعْل وَيُؤمر بِهِ، وَيُقَال: يَنْبَغِي لَك أَن تفعل كَذَا أَي: طاوعك وانقاد لَك فعل كَذَا، وَهُوَ لَازم (بغى) يُقَال: بغيته فانبغى.
و﴿لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي﴾ أَي: لَا يَصح.
و" يَنْبَغِي للْمُسلمين أَن لَا يغدروا وَلَا يغلوا وَلَا يميلوا " أَي: يجب.
و" يتبغي للسُّلْطَان أَن يتَصَدَّق وَإِن لم يَفْعَله لَا يَأْثَم " أَي، الأولى لَهُ. وَلَا يكَاد يسْتَعْمل ماضيه لكَونه غَرِيبا وحشيًا.
لَا سِيمَا: هِيَ كلمة تَنْبِيه على أَوْلَوِيَّة الْمَذْكُور
[ ٩٦٨ ]
بعْدهَا بالحكم وَلَيْسَ باستثناء، وَقيل: يسْتَعْمل لإِفَادَة زِيَادَة تعلق الْفِعْل بِمَا يذكر بعده. والسيّ: بِمَعْنى الْمثل، وَاحِد (سيّان) أَي: مثلان، و(لَا) لنفي الْجِنْس، و(مَا) زَائِدَة أَو مَوْصُولَة أَو مَوْصُوفَة، وَقد يحذف (لَا) فِي اللَّفْظ لكنه مُرَاد. وَفِي " شرح تَلْخِيص الْجَامِع الْكَبِير " للبلباني أَن اسْتِعْمَال (سِيمَا) بِلَا لَا لَا نَظِير لَهُ فِي كَلَام الْعَرَب، وَيجوز مَجِيء الْوَاو قبل (لَا سِيمَا) إِذا جعلته بِمَعْنى الْمصدر وَعدم مجيئها إِلَّا أَن مجيئها أَكثر.
(وَلَا سِيَّما يومٌ بدَارةِ جُلْجُلِ )
وَهِي اعتراضية كَمَا فِي قَوْله:
(فأنْتِ طَلاقٌ والطَّلاقُ عَزيمةٌ )
إِذْ هِيَ مَعَ مَا بعْدهَا بِتَقْدِير جملَة مُسْتَقلَّة.
وعدّه النُّحَاة من كَلِمَات الِاسْتِثْنَاء، وتحقيقه أَنه للاستثناء عَن الحكم الْمُتَقَدّم ليحكم عَلَيْهِ على وَجه أتم من جنس الحكم السَّابِق، وَلَا يسْتَثْنى ب (لَا سِيمَا) إِلَّا فِيمَا قصد تَعْظِيمه.
وَفِيمَا بعده ثَلَاثَة أوجه: الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالْجُمْلَة صلَة (مَا)، وَالنّصب على الِاسْتِثْنَاء، والجر على الْإِضَافَة. وَكلمَة (مَا) على الْأَخيرينِ زَائِدَة، فَإِذا قلت مثلا: (قَامَ الْقَوْم لَا سِيمَا زيد) فالجر بِأَن تجْعَل (مَا) زَائِدَة، وتجر زيدا بِإِضَافَة (سيّ) إِلَيْهِ، وَخبر (لَا) مَحْذُوف كَأَنَّك قلت: (لَا سيّ زيدٍ قَائِم) أَو بِأَن يكون (مَا) اسْما مجرورًا بِإِضَافَة (سيّ) إِلَيْهِ، و(زيد) مجرور على الْبَدَل من (مَا)، فَإِن (مَا)
قد جَاءَت لِذَوي الْعُقُول، وَأما الرّفْع فعلى أَن (مَا) بِمَعْنى الَّذِي، و(زيد) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَذَلِكَ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر صلَة (مَا) فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا مثل الَّذِي هُوَ زيد، وَقد يحذف مَا بعد (لَا سِيمَا) على جعله بِمَعْنى (خُصُوصا) فَإِذا قلت: (أحب زيدا وَلَا سِيمَا رَاكِبًا) فَهُوَ بِمَعْنى (وخصوصًا رَاكِبًا) ف (رَاكِبًا) حَال من مفعول الْفِعْل الْمُقدر أَي: وأخصه بِزِيَادَة الْمحبَّة خُصُوصا رَاكِبًا.
وَبِمَعْنى (لَا سِيمَا) لَا ترما، وَلم ترما، وأو ترما.
لَا بَأْس بِهِ: أَي لَا كَمَال شدَّة بِهِ.
وَلَا بَأْس عَلَيْك: أَي لَا خوف عَلَيْك.
وَفِي " الْعَيْنِيّ ": لَا بَأْس فِيهِ: لَا حرج.
وَلَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا: أَي حرجًا.
وَجُمْهُور الْمُحَقِّقين من عُلَمَائِنَا على أَن الْمَعْنى لَا يُؤجر عَلَيْهِ وَلَا يَأْثَم بِهِ فيستعملون فِيمَا يتَخَلَّص عَنهُ رَأْسا بِرَأْس.
وَفِي " شرح الكيداني ": الْمُسْتَحبّ مَا فعله النَّبِي من فعل أَو ترك كَتَرْكِ مَا قيل فِيهِ لَا بَأْس بِهِ.
وَفِي " النِّهَايَة ": كلمة (لَا بَأْس) قد تسْتَعْمل فِي مَوضِع كَانَ الْإِتْيَان بِالْفِعْلِ الَّذِي دَخلته هِيَ أولى من تَركه، بل تسْتَعْمل فِي فعل كَانَ الْإِتْيَان بذلك الْفِعْل وَاجِبا فَإِن الْجنَاح هُوَ الْبَأْس أَو فَوْقه، وَقد اسْتعْمل هُوَ بِهَذِهِ الصِّيغَة مَعَ أَن الْإِتْيَان بذلك الْفِعْل وَاجِب. قَالَ الله تَعَالَى: (إِن الصَّفَا
[ ٩٦٩ ]
والمَرْوَةَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْه أَن يَطَّوَفَ بهِما﴾ وَالسَّعْي بَينهمَا وَاجِب عندنَا وَفرض عِنْد الشَّافِعِي، وَقد اسْتعْمل فِيهِ كلمة (لَا جُناح) وَمَعْنَاهَا وَمعنى (لَا بَأْس) وَاحِد.
و" لَا بَأْس بِأَن ينقش الْمَسْجِد بِمَاء الذَّهَب " أَي: لَا يُؤجر عَلَيْهِ لكنه لَا يَأْثَم بِهِ. وَذكر صَاحب " الْكَافِي " أَنه يدل على أَن الْمُسْتَحبّ غَيره وَهُوَ الصّرْف إِلَى الْآخِرَة، لِأَن الْبَأْس هُوَ الشدَّة وَإِنَّمَا يفْتَقر إِلَى نفي الشدَّة فِي مظان الشدَّة.
لَا أبالك: قيل هِيَ كلمة مدح أَي: أَنْت شُجَاع مستغنٍ عَن أَب ينصرك. وَفِي لُغَة الْعَرَب أَشْيَاء يُرِيدُونَ مِنْهَا بَاطِنا خلاف الظَّاهِر. من ذَلِك قَوْلهم للشاعر المفلَّق: قَاتله الله، وللفارس المجرِّب: لَا أَب لَهُ، وَغير ذَلِك.
وَعَن الْأَزْهَرِي: إِذا قَالَ (لَا أَبَا لَك) لم يتْرك من الشتيمة شَيْئا أَي: لَا يعرف لَهُ أَب لِأَنَّهُ ولد الزِّنَا.
وَقيل: هِيَ كلمة جفَاء تستعملها الْعَرَب عِنْد أَخذ الْحق والإغراء، أَي: لَا أَبَا لَك إِن لم تفعل، وَهَذِه اللَّام تلْحق بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ تثبيتًا لِمَعْنى الْإِضَافَة وتوكيدًا لَهُ.
فِي " الْقَامُوس ": لَا أَب لَك وَلَا أَبَا لَك وَلَا أبك كل ذَلِك دُعَاء فِي الْمَعْنى لَا محَالة، وَفِي اللَّفْظ خبر، يُقَال لمن لَهُ أَب وَلمن لَا أَب لَهُ.
وَلَا أَرض لَك كلا أمَّ لَك.
لَا محَالة: أَي لَيْسَ لَهُ مَحل حِوَالَة فَكَانَ ضَرُورِيًّا، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل بِمَعْنى الْحَقِيقَة وَالْيَقِين، أَو بِمَعْنى لَا بُد وَالْمِيم زَائِدَة، وَهُوَ مَبْنِيّ
على الْفَتْح، وَيجوز أَن يكون من الْحول وَهُوَ الْفَوْز وَالْحَرَكَة أَو من الْحِيلَة أَي: لَا حِيلَة فِي التَّخَلُّص.
لَا بل: هِيَ لاستدراك الْغَلَط فِي كَلَام الْعباد. ولنفي الأول وَإِثْبَات الثَّانِي فِي كَلَام الله تَعَالَى.
لَا غير: مَبْنِيّ على الضَّم كقبلُ وبعدُ عِنْد الْبَصرِيين، وَقَالَ الزّجاج: بِالرَّفْع والتنوين على تَقْدِير: وَلَيْسَ فِيهِ غَيرهَا. وَعند الْكُوفِيّين مَبْنِيّ على الْفَتْح مثل: لَا تَثْرِيب، لِأَن (لَا) لنفي الْجِنْس لَا للْعَطْف.
لَا مشاحة: أَي لَا مضايقة وَلَا مُنَازعَة يُقَال: لَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح أَي: لَا مضايقة فِيهِ بل لكل أحد أَن يصطلح على مَا يَشَاء إِلَّا أَن رِعَايَة الْمُوَافقَة فِي الْأُمُور الْمَشْهُورَة بَين الْجُمْهُور أولى وَأحب.
لَا مساس، بِالْكَسْرِ: أَي لَا بِمَسّ وَكَذَلِكَ التّماس ﴿من قَبْلِ أنْ يَتَماسَّا﴾ وَقَوله تَعَالَى فِي السامري: ﴿فإنّ لَكَ فِي الحَيَاة أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ أَي: خوفًا من أَن يمسَّك أحد فتأخذك الْحمى مِمَّن مسّك فتتجافى النَّاس ويتحاموك وَتَكون طريدًا وحيدًا كالوحش النافر.
لَا جرم: هُوَ اسْم مَبْنِيّ على الْفَتْح ك (لَا بُد) لفظا وَمعنى أَي: لَا بُد، وَلَا انْقِطَاع أَي: لَا يَنْقَطِع فِي وَقت مَا فَيُفِيد معنى الْوُجُوب يَعْنِي وَجب وحقّ.
قَالَ الْفراء: معنى (لَا جرم) فِي الأَصْل: لَا بُد وَلَا محَالة، ثمَّ اسْتعْملت بِمَعْنى حَقًا فَيجْرِي
[ ٩٧٠ ]
مجْرى الْقسم فيجاب بِاللَّامِ يُقَال: لَا جرم لَأَفْعَلَنَّ كَذَا. وَقد يكون لمُجَرّد التَّأْكِيد بِدُونِ اخْتِيَار معنى الْقسم. وَعند الْكُوفِيّين: جرم بِمَعْنى كسب و(لَا) للرَّدّ.
لات، بِالْكَسْرِ كجير، وتقف الكوفية عَلَيْهَا بِالْهَاءِ كالأسماء، والبصرية بِالتَّاءِ كالأفعال.
وَهِي حرف نفي بِمَعْنى لَيْسَ، وَفعل مَاض بِمَعْنى حرف، وَاسم للصنم، و(لَا) هِيَ المشبهة بليس زيدت عَلَيْهَا تَاء التَّأْنِيث للتَّأْكِيد كَمَا زيدت على (رُبَّ) و(ثمَّ) وخصت بِلُزُوم الأحيان، وَحذف أحد المعمولين.
وَهِي تجر الأحيان كَمَا أَن (لَوْلَا) تجر الضمائر كَقَوْلِه:
(لولاك هَذَا الْعَالم لم أحجج )
لَا أُبَالِي بِهِ: أَي لَا أبادر إِلَى اعتنائه والانتظار بِهِ بل أنبذه وَلَا أَعْتَد بِهِ.
لابد: بُد: فعل من التبديد وَهُوَ التَّفْرِيق، فَلَا بُد أَي لَا فِرَاق.
لَا رادة فِيهِ: أَي لَا فَائِدَة وَلَا مُرُوءَة.
لَا مرْحَبًا بِهِ: دُعَاء عَليّ، تَقول لمن تَدْعُو لَهُ: مرْحَبًا أَي: أتيت رحبا من الْبِلَاد لَا ضيقا، أَو رَحبَتْ بلادك رحبًا ثمَّ تدخل عَلَيْهِ (لَا) فِي الدُّعَاء للمدعو عَلَيْهِ أَي: مَا أَتَى رحبًا وسعة.
لَا حاء وَلَا سَاءَ: هَذَا يُقَال لِابْنِ المئة أَي: لَا محسن وَلَا مسيء، أَولا رجل وَلَا امْرَأَة.
لاحول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه: أَي لَا حَرَكَة وَلَا استطاعة
إِلَّا بِمَشِيئَة الله، وَقيل: الْحول الْحِيلَة أَي: لَا توصل إِلَى تَدْبِير أَمر وتغيير حَال إِلَّا بِمَشِيئَة الله ومعونته، وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تحول عَن مَعْصِيّة الله إِلَّا بعصمة الله وَلَا قُوَّة بِطَاعَة الله أَلا بِتَوْفِيق الله وإقداره.
وَفِي إِعْرَاب هَذِه الْكَلِمَة خَمْسَة أوجه: فتحهما مثل: ﴿لَا رفث وَلَا فسوق﴾
وَنصب الثَّانِي مثل:
(لَا نَسَبَ اليومَ وَلاَ خُلّةً )
وَرفع الثَّانِي مثل:
(لَا أُمّ لي إنْ كَانَ ذَاكَ وَلاَ أَبُ )
ورفعهما مثل: ﴿لَا بَيْعُ فِيهِ وَلاَخُلّةًَ﴾
وَرفع الأول وَفتح الثَّانِي مثل: ﴿فَلاَ لَغْوٌ وَلَا تَأثيمَ فِيهَا﴾
لَا إِلَه إِلَّا الله: هِيَ كلمة التَّوْحِيد وَالْإِخْلَاص والنجاة وَالتَّقوى والعليا والطيبة وَالْقَوْل الثَّابِت. أَولهَا نفي وَآخِرهَا إِثْبَات، دخل أَولهَا على الْقلب فجلا ثمَّ تمكن آخرهَا فَخَلا، فنسخت ثمَّ رسخت، وسلبت ثمَّ أوجبت، ومحت ثمَّ أَثْبَتَت، وتقضت ثمَّ عقدت، وأفنت ثمَّ أبقت، وَهِي أرجح وَأولى من " أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله " بِالنّظرِ إِلَى غافل الْقلب عَن معنى التَّعْظِيم اللَّائِق بِجلَال الله تَعَالَى.
[واختير فِي التَّوْحِيد تِلْكَ الْكَلِمَة ليَكُون النَّفْي قصدا وَالْإِثْبَات إِشَارَة لِأَن الأَصْل فِي التَّوْحِيد هُوَ التَّصْدِيق فِي الْقلب عِنْد الْمُتَكَلِّمين وَالْإِقْرَار شَرط لإجراء الْأَحْكَام فِي الدُّنْيَا، وَعند الْفُقَهَاء وَإِن كَانَ
[ ٩٧١ ]
الْإِقْرَار ركنا لكنه زَائِد فاختير فِي الْبَيَان أَي الْإِقْرَار الَّذِي هُوَ غير مَقْصُود بِالْإِشَارَةِ الَّتِى هِيَ غير صَرِيحَة فِي الْبَيَان] .
وَالْأَصْل فِيهَا على رَأْي صَاحب " الْكَشَّاف ": الله إِلَه ثمَّ الْإِلَه الله، عدل عَن الأول إِلَى الثَّانِي لإِرَادَة الْحصْر والتخصيص على نَحْو: (المنطلق زيد) ثمَّ أُرِيد التَّصْرِيح بِإِثْبَات الألوهية لَهُ تَعَالَى ونفيها عَمَّا سواهُ فَقدم حرف النَّفْي ووسط حرف الِاسْتِثْنَاء فَصَارَ (لَا إِلَه إِلَّا الله) فَأفَاد الْكَلَام الْقصر وَهُوَ إِثْبَات الحكم للمذكور ونفيه عَمَّا عداهُ، وَهَذَا الْقصر إفرادي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُشرك، وقلبي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الجاحد، وَتَعْيِين بِالنِّسْبَةِ إِلَى المتردد. وَقد تجْرِي هَذِه الْأَنْوَاع فِي قصر الصّفة على الْمَوْصُوف من الْحَقِيقِيّ كَمَا هَهُنَا لِأَن الْإِلَه يتَضَمَّن معنى الْوَصْف لِأَنَّهُ بِمَعْنى المألوه أَي المعبود بِالْحَقِّ أَو الْمُسْتَحق لِلْعِبَادَةِ أَو الْوَاجِب الْوُجُود، والمقتضي للقصر بِحَسب نفس الْأَمر اسْتغْنَاء ذَات الْحق فِي تعينه عَن الْغَيْر. قَالَ بَعضهم: اتّفق النُّحَاة على أَن (إِلَّا) هَهُنَا بِمَعْنى غير، وَلَو حمل على الِاسْتِثْنَاء يكون نفيا لآلهة يسْتَثْنى مِنْهُم الله لَا نفيا لآلهة لَا يسْتَثْنى مِنْهُم الله فَلَا يكون توحيدًا مَحْضا. وَفِيه أَن (لَا) هَهُنَا لنفي الْجِنْس، وَالْجِنْس من حَيْثُ هُوَ شَامِل لجَمِيع الْأَفْرَاد فَيكون هَذَا نفيا لجَمِيع أَفْرَاد الْآلهَة الَّتِى يسْتَثْنى مِنْهُم الله وَلَا تبقى آلِهَة لَا يسْتَثْنى مِنْهُم الله تَعَالَى حَتَّى لَا تكون منفية أَو مثبتة.
[وَلِهَذَا ذهب أَبُو الْبَقَاء وَغَيره إِلَى أَن (إِلَّا) فِي
كلمة التَّوْحِيد للاستثناء، وَلَو حمل على (غير) يكون الْمَعْنى على نفي الْمُغَايرَة وَلَيْسَ مَقْصُودا، وَلذَا لم يجز كَون الِاسْتِثْنَاء مفرغًا وَاقعا موقع الْخَبَر لِأَن الْمَعْنى على نفي اسْتِحْقَاق الْعِبَادَة والألوهية عَمَّا سوى الله تَعَالَى لَا على نفي مُغَايرَة الله تَعَالَى عَن كل إِلَه]
وَلَا يلْزم اسْتثِْنَاء الشَّيْء من نَفسه على تَقْدِير لَا معبود بِحَق، إِذْ معنى الْمُسْتَثْنى غير معنى الْمُسْتَثْنى مِنْهُ بِلَا شُبْهَة، وَقد سلط النَّفْي على وجود مَا عدا الْمُسْتَثْنى بتنزيل وجوده منزلَة الْعَدَم لعدم الِاعْتِدَاد بِهِ فَثَبت لَهُ الْوُجُود الْمَنْفِيّ عَمَّا عداهُ. وَالظَّاهِر أَن هَذَا الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِل لَكِن أَدَاة الِاسْتِثْنَاء قرينَة دَالَّة على أَن الْمُسْتَثْنى غير دَاخل فِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فِي الْحَقِيقَة. [بل حكم الْمُسْتَثْنى هُنَا ثَابت بطرِيق الْإِشَارَة بِأَن أخرج الْمُسْتَثْنى قبل الحكم لِئَلَّا يتناقض ثمَّ حكم بِالنَّفْيِ على الْبَاقِي إِشَارَة إِلَى أَن الحكم فِي الْمُسْتَثْنى خلاف حكم الْمصدر وَهَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ جُمْهُور الْأَئِمَّة من الْحَنَفِيَّة ومحققو عُلَمَاء الْعَرَبيَّة ﵃ أَجْمَعِينَ] . فَلَا تنَاقض فِيهِ، ثمَّ الِاسْم الْجَلِيل بعد الثنيا لَو وقف عَلَيْهِ تعين السّكُون، وَإِن وصل بِشَيْء آخر مثل: (وَحده لَا شريك لَهُ) فَفِيهِ وَجْهَان: الرّفْع وَهُوَ الْأَرْجَح لِأَن السماع وَالْأَكْثَر الرّفْع، وَالنّصب وَهُوَ مَرْجُوح وَلم يَأْتِ فِي الْقُرْآن غير الرّفْع، فَفِي صُورَة الرّفْع إِمَّا بدل أَو خبر، وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور الْجَارِي على أَلْسِنَة المعربين. [وصلاحية الْحُلُول مَحل الأول لَيْسَ
[ ٩٧٢ ]
بِشَرْط عِنْد الْمُحَقِّقين] .
ثمَّ الأولى أَن يكون الْبَدَل من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي الْخَبَر الْمُقدر [الرَّاجِع إِلَى اسْم لَا] لِأَنَّهُ أقرب وَلِأَنَّهُ دَاعِيَة إِلَى الإتباع بِاعْتِبَار الْمحل نَحْو: (لَا أحد فِيهَا إِلَّا زيد) مَعَ إِمْكَان الإتباع بِاعْتِبَار اللَّفْظ نَحْو: (مَا قَامَ أحد إِلَّا زيد) وَالثَّانِي قَالَ جمَاعَة قَالَ نَاظر الْجَيْش: وَيظْهر لي أَنه رَاجِح من القَوْل بالبدلية وَلَا خلاف يعلم فِي نَحْو (مَا زيد إِلَّا قَائِم) أَن (قَائِم) خبر عَن زيد، وَلَا شكّ أَن زيدا فَاعل فِي قَوْله: (مَا قَامَ إِلَّا زيد) مَعَ أَنه مُسْتَثْنى من مُقَدّر فِي الْمَعْنى، أَي: مَا قَامَ أحد إِلَّا زيد فَلَا مُنَافَاة بَين كَون الِاسْم فِيمَا بعد إِلَّا خَبرا عَن اسْم قبله وَبَين كَونه مُسْتَثْنى من مُقَدّر إِذْ جعله خَبرا مَنْظُور فِيهِ إِلَى جَانب اللَّفْظ وَجعله مُسْتَثْنى مَنْظُور فِيهِ إِلَى جَانب الْمَعْنى.
وَاخْتلف أهل الْعَرَبيَّة فِي خبر (لَا) فبنو تَمِيم لَا يثبتونه إِذا كَانَ عَاما كالموجود بل يوجبون الْحَذف. والحجازيون يثبتون، وَفِي الْخَاص كالقيام هم والحجازيون سَوَاء فِي الْإِثْبَات إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول: إِن هَهُنَا مغالطة صعبة ذكرهَا بعض الْفُضَلَاء وَهِي أَنه إِن قدر الْخَبَر فِي كلمة التَّوْحِيد مَوْجُود يلْزم نفي الْوُجُود عَمَّا سوى الله من الْآلهَة وإثباته لَهُ تَعَالَى لَا نفي الْإِمْكَان عَن الْآلهَة وَإِثْبَات الْوُجُود لَهُ تَعَالَى فَيجوز أَن يكون فِي الْإِمْكَان آلِهَة مُتعَدِّدَة وَإِن قدر مُمكن يلْزم مِنْهُ نفي
إِمْكَان الْوُجُود عَن الْآلهَة وَإِثْبَات إِمْكَانه لَهُ تَعَالَى لَا نفي الْوُجُود عَن الْآلهَة وإثباته لَهُ تَعَالَى، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يتم التَّوْحِيد لِأَن التَّوْحِيد إِنَّمَا يتم بِنَفْي إِمْكَان الْوُجُود عَمَّا سوى الله (من الْآلهَة) . وَإِثْبَات الْوُجُود لَهُ تَعَالَى (وَاللَّازِم على الأول نفي الْوُجُود عَمَّا سوى الله وإثباته لَهُ من غير نفي الْإِمْكَان عَمَّا سواهُ، وعَلى الثَّانِي نفي الْإِمْكَان عَمَّا سوى الله وإثباته لَهُ من غير تعرض لإِثْبَات الْوُجُود لَهُ تَعَالَى) وَقد كثرت الْأَقْوَال فِي دفع هَذِه المغالطة.
قَالَ القَاضِي عضد الدّين فِي " شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب ": كلمة الشَّهَادَة غير تَامَّة فِي التَّوْحِيد بِالنّظرِ إِلَى الْمَعْنى اللّغَوِيّ لِأَن التَّقْدِير لَا يَخْلُو عَن أحد الْأَمريْنِ، وَقد (عرفت أَنه) لَا يتم بِهِ وَإِنَّمَا تعد تَامَّة فِي أَدَاء معنى التَّوْحِيد لِأَنَّهَا قد صَارَت علما عَلَيْهِ فِي الشَّرْع.
وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: وَإِنَّمَا قدر الْخَبَر فِي الْوُجُود أَو مَوْجُودا وَلم يقدر فِي الْإِمْكَان، وَنفي الْإِمْكَان يسْتَلْزم نفي الْوُجُود من غير عكس لِأَن هَذَا رد لخطأ الْمُشْركين فِي اعْتِقَاد تعدد الْآلهَة فِي الْوُجُود، وَلِأَن الْقَرِينَة وَهِي نفس الْجِنْس إِنَّمَا تدل على الْوُجُود دون الْإِمْكَان، وَلِأَن التَّوْحِيد هُوَ بَيَان وجوده تَعَالَى وَنفي إِلَه غَيره لَا بَيَان إِمْكَانه وَعدم إِمْكَان غَيره.
[وَقَالَ الْفَاضِل عِصَام الدّين عَلَيْهِ الرَّحْمَة: قس
[ ٩٧٣ ]
(لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) الى قَوْلنَا: (إِنَّمَا الْإِلَه هُوَ) يظْهر لَك أَنَّك كَمَا لَا تحْتَاج فِي (إِنَّمَا الْإِلَه هُوَ) الى خبر لَا تحْتَاج فِيهِ أَيْضا إِذْ الْمَعْنى وَاحِد، وَالْقَوْل الْجَامِع المندفع عَنهُ الْمَوَانِع فِي مَعْنَاهَا مَا ذكره بعض الْفُضَلَاء من أَنه لَا معبود مُسْتَحقّ لِلْعِبَادَةِ والألوهية الْوَاجِب لذاته فِي الْوَاقِع حَيْثُ يَنْفِي اسْتِحْقَاق الْعِبَادَة والألوهية عَن جَمِيع مَا سوى الْوَاجِب لذاته فِي الْوَاقِع نفيا عَاما للوجود والإمكان مفهومًا من الْإِطْلَاق وَيثبت الْوُجُود لَهُ تَعَالَى بطرِيق الْبُرْهَان لاستلزام الْوُجُوب وَكَذَا اسْتِحْقَاق الْعِبَادَة والألوهية للوجود] .
وَلَك أَن تَقول إِن كلمة (لَا) دخلت على الْمَاهِيّة فانتفت الْمَاهِيّة، وَإِذا انْتَفَت الْمَاهِيّة انْتَفَت كل أَفْرَاد الْمَاهِيّة، وَنفي الْمَاهِيّة أقوى بِالتَّوْحِيدِ الصّرْف من نفي الْوُجُود، وَالدّلَالَة على التَّوْحِيد تتَوَقَّف على كَون لَفْظَة الْجَلالَة علما دَالا على الذَّات الْمعينَة والحقيقة إِذْ لَو لم يكن علما لَكَانَ مفهومًا كليًا مُحْتَمل الْكَثْرَة فَلَا تكون تِلْكَ الْكَلِمَة توحيدًا لَا عقلا وَلَا شرعا وَلكنهَا تَوْحِيد نصا وإجماعًا، وَالْحق أَن هَذَا الِاسْم الْجَلِيل صفة فِي الأَصْل لقِيَام دَلِيل الِاشْتِقَاق وَهُوَ الْمُشَاركَة فِي اللَّفْظ والتركيب بَينه وَبَين بعض الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على الْمعَانِي الوصفية لكنه اخْتصَّ بطرِيق الْغَلَبَة بِالذَّاتِ البحت الْفَرد الْقَدِيم الأقدس المستجمع لجَمِيع الكمالات، النَّافِي للنقائص من الصِّفَات، الصَّالح فِي ذَاته، المصلح لغيره من الذوات،
المبدئ باخيتاره لجَمِيع الموجودات، المنتهي إِلَيْهِ سلسلة الكائنات من كل الْجِهَات فَصَارَ من الْأَعْلَام الْغَالِبَة كالثريا وَلذَلِك يُوصف وَلَا يُوصف بِهِ، وَصَارَ حصر الألوهية على مَدْلُوله توحيدًا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع، (وَأما ﴿الْعَزِيز الحميد الله﴾ فعلى قِرَاءَة الرّفْع مُبْتَدأ لَا وصف، وعَلى قِرَاءَة الْجَرّ بَيَان لَا وصف)، فَإِن قيل: إِن غير العَلَم إِنَّمَا يصير عَلَمًا بِغَلَبَة الِاسْتِعْمَال إِذا كَانَ الْمُسْتَعْمل فِيهِ متميزًا بشخصه عِنْد الْمُسْتَعْمل ليمكن اعْتِبَار التعين العلمي فِي مَفْهُومه قُلْنَا: كل حَقِيقَة تتَوَجَّه الأذهان إِلَى فهمها وتفهمها قد وضع لَهَا عَلَم فخالق الْأَشْيَاء أولى بذلك فَإِن تميز ذَاته ثَابت مَعْلُوم بالبراهين القطعية بل فِي سلك البديهيات وَذَلِكَ الْقدر من الْعلم بالامتياز كَاف فِي الِاسْتِعْمَال وَلَا حَاجَة فِي وضع الْأَعْلَام إِلَى معرفَة الْمَوْضُوع وملاحظة بشخصه بل يَكْفِي مَعْرفَته وملاحظته على وَجه ينْحَصر ذَلِك الْوَجْه بالخارج وَيجوز أَن يُسَمِّي الْحق سُبْحَانَهُ نَفسه باسم يدل على ذَاته بالمطابقة ثمَّ يعرفنا بذلك (والمعاني الْمقدرَة عقلا فِي هَذِه الْكَلِمَة المشرفة بِاعْتِبَار معنى الْمُسْتَثْنى والمستثنى مِنْهُ أَرْبَعَة، ثَلَاثَة مِنْهَا بَاطِلَة وَهِي أَن يَكُونَا جزئيين أَو كليين وَالْأول جزئيًا وَالثَّانِي كليًا، وَالرَّابِع وَهُوَ أَن يكون الأول كليًا وَالثَّانِي جزئيًا، فَإِن كَانَ المُرَاد بالكلي الَّذِي هُوَ الْإِلَه الْمُطلق المعبود لم يَصح لِكَثْرَة المعبودات الْبَاطِلَة، وَإِن كَانَ المُرَاد الْإِلَه المعبود بِحَق صَحَّ
[ ٩٧٤ ]
فَلَا يَصح من هَذِه الْأَقْسَام كلهَا إِلَّا أَن يكون الْإِلَه كليًا بِمَعْنى المعبود بِحَق فَإِذن هَذَا الِاسْم الْجَلِيل علم للفرد الْمَوْجُود مِنْهُ دَال على ذَات مَوْلَانَا لَا يقبل مَعْنَاهُ التَّعَدُّد ذهنًا وَلَا خَارِجا) .