الِإمام العلامة الحافظ الكبير الثّقة شيخ المحَدّثين أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد بن أبي عيسى المديني الأصفهاني الشافعي.
صاحب التصانيف، مولده في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة، ومولد أبيه المقريء أبي بكر سنة خمس وستين وأربعمائة، حَرَص عليه أبوه، وسمَّعه حضورا، ثم سمَّعه كثيرا من أصحاب أبي نعيم الحافظ وطبقتهم، وعمل أبو موسى لنفسه مُعجَمًا لنفسه روى فيه عن أكثر من ثلثمائة شيخ. ذكر منهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي في سير أعلام النبلاء: أبا سعد محمد ابن محمد المُطَرِّز حضورا وإجازة، وأبا منصور محمد بن عبد الله بن مندويه، وغانم ابن أبي نصر البُرْجِيّ، وأبا عليًّ الحدَّادِ فأكثر جدًّا، والحافظ هبة الله بن الحَسَنِ الأَبَرْقُوهِيَّ، والحافظ يحيى بن مَنْدَةَ، والحافظ محمد بن طاهر المَقْدسِي [ويعرف بابن القَيْسَرانِي]، وأبا العباس أحمد بن الحسين بن أبي ذَرًّ، ومحمد بن إبراهيم الصَّالْحانيّ، وابن عَمِّه أبا بكر محمد بن أبي ذر، خاتمة مَن رَوَى عن
_________________
(١) جاءت ترجمته في المصادر التالية: سير أعلام النبلاء للذهبي (مخطوط) جـ ١٣ - ١/ ٦٢ - ٧٢ والجزء ٢١/ ١٥٢ ط بيروت ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م تاريخ الِإسلام للذهبي (مخطوط) لوحة: ٩٧، ذيل تاريخ مدينة السلام (بغداد) لابن الدبيثي ٢/ ٩٨، تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/ ١٣٣٤، وفيات الأعيان لابن خلكان ٧/ ٣٣٠، الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي ٤/ ٢٤٦، كتاب الروضتين لأبي شامة ٢/ ٦٨، طبقات الشافعية الكبرى ٦/ ١٦٠، البداية والنهاية لابن كثير: إسماعيل بن عمر ١٢/ ٣١٨، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغرى بردى ٦/ ١١، غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري ٢/ ٢١٥، شذرات الذهب لابن العماد ٤/ ٢٧٣، إيضاح المكنون للبغدادي ١/ ٤٧٢، ٢/ ٤٠٥، هدية العارفين للبغدادي ٢/ ١٠٠، ١٠١، كشف الظنون لحاجي خليفة في صفحات كثيرة مختلفة ذكرناها في مؤلفاته، طبقات الحفاظ للسيوطي / ٤٧٥، تاريخ ابن الوردي ٢/ ٩٥، العبر للذهبي ٤/ ٥٤٦، المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء ٣/ ٧٠، مرآة الجنان لليافعي ٣/ ٤٢٣، ٤٢٤، معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ١١/ ٧٦، الأعلام للزركلي ٧/ ٢٠٢، ٢٠٣.
[ مقدمة / ١٥ ]
أبي طاهرِ بن عبد الرحيم، وأبا غالب أحمد بن العبّاس بن كُوشيذ، وإبراهيم بن أبي الحسين بن أَبرويه، سِبْط الصالحانيَّ، وعبد الواحد بن محمد الصبَّاغ، وأبا الفتح إسماعيل بن الفضل السَّراج، والحافظ أبا القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التَّيْميّ، لازَمَه مدّة، وتخرَّجَ به، وأبا طاهر إسحاق بن أحمد الراشتينانيّ، والواعظ تميم بن عليّ القَصَّار، والرئيس جعفر بن عبد الواحد الثقفيّ، وأبا محمد حمزة بن العبّاس العلوىّ، وأبا شُكرٍ حَمْدِ بن علي الحبَّال، وأبا الطّيبِ حبيب بن أبي مسلم الطِّهرانيَّ، وأبا الفتح رجاء بن إبراهيم الخبَّاز، وطلحة بن الحُسَيْن بن أبي ذرٍّ الصَّالْحانيَّ، وأبا القاسم طاهر بن أحمد البَزَّار، والحافظ أبا الخير عبد الله ابن مرزوق الهَرَوِىّ، وأبا بكر عَبد الجبار بن عُبَيْد الله ابن فُورويه الدَّلَّال، من أصحاب أبي نُعَيْم، وأبا نهشل عبد الصمد بن أحمد العَنْبَرِىّ، ومحمود بن إسماعيل الصَّيْرَفيّ الأَشْقَر، والهيثم بن محمد بن الهيثم الأَشْعَرِيّ، وخُجَسْتة بنت علي بن أبي ذَرٍّ الصالحانيَّة، وأمّ الليث دَعْجاء بنت أبي سهل الفضل بن محمد، وفاطمة بنت عبد الله الجُوْزدَانِيّة.
وارتحل فسمع من أبي القاسم بن الحُصَيْنِ، وهبة الله بن أحمد الحريري (١)، وقاضي المارستان أبي بكر، وأبي الحَسَنِ ابن الزاغونىّ، وأبي العِزّ ابن كادِشِ، وخلقٍ سواهم (٢).
ويستأنف الِإمام الذهبي الكلام عن أبي موسى فيقول:
وصنّف كتاب الطوالات في الأحاديث في مجلدين، وكتاب اللطائف في رواية الكبار ونحوهم عن الصغار، وكتاب عوالى التابعين يُنبِيء عن تقدُّمِه في معرفة العالي والنازل، وكتاب تضييع العمر والأيام في اصطناع المعروف إلى اللئام،
_________________
(١) سير أعلام النبلاء المطبوع / ١٥٤: هبة الله بن أحمد بن الطَّبر.
(٢) نكتب عن ثلاثة منهم بشيء من التوسع إن شاء الله لتعرف مدى مكانة هؤلاء الشيوخ.
[ مقدمة / ١٦ ]
وأشياء كثيرة، نذكر شيئا منها عند تعداد مؤلفاته إن شاء الله.
هذا وقد حَفِظ كتابَ علوم الحديث للحاكم وعَرَضَه على شيخه: قوام السنة: الحافظ إسماعيل التَّيمىِّ.
وحدّث عنه: أبو سَعْدٍ السَّمْعانيُّ، وأبو بكر محمد بن الحازِميُّ، وأبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المَقْدِسيُّ (١)، وأبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرُّهَاوِىُّ، ومحمد بن مكِّيًّ الأَصبهانِيّ، وأبو نجيحِ بن معاويةَ، والناصِحُ عبد الرحمن بن الحنبليّ.
ولو سَلِمَتْ أصفهانُ من سيفِ التّتَار سنة اثنتين وثلاثين وستمائة لعاشَ أصحابُ أبي موسى إلى حدود نيفٍ وستين وستمائة.
وقد رَوَى عنه بالِإجازة: عبد الله بن بركات الخُشُوعِيُّ وطائفةٌ.
قال أبو سعد السَّمْعانِيُّ: سَمِعتُ من أبي موسى، كتَبَ عنِّى، وهو ثقةٌ صدوقٌ.
وقال الحافظ عبد القادر الرُّهَاوِىّ: حصل أبو موسى من المسموعات بأصبهان ما لم يتحَصَّل لأحدٍ في زمانِه، وانضمَّ إلى كثرة مسموعاته الحِفظُ والِإتقان.
وله التصانيف التي أربَى فيها على المُتقدّمين مع الثقة، وتعفّفه الذي لم نره لأحدٍ من حفاظ الحديث في زماننا. وكان له شيء يسير يكتسب منه ويُنفِقُ على نفسه، ولا يقبلُ من أحدٍ شيئا قطُّ. أوصى إليه غيرُ واحدٍ بمال فيردَّه، وكان يقال له: فرِّق على مَن تَرَى، فَيَمتنع، وكان فيه من التواضع بحيث أنه يُقرِيء الصغيرَ والكبيرَ، ويُرشِدُ المبتديء.
ويقول تلميذه الحافظ الرُّهَاوِىّ: رأيته يُحَفِّظُ الصَّبيانَ القرآن في الألواح.
_________________
(١) نتكلم عن هؤلاء التلاميذ بشيء من التوسع إن شاء الله لتقف أيها القاريء الكريم على مدى تأثير الإمام الجليل في تلاميذه.
[ مقدمة / ١٧ ]
وكان يَمنعُ مَنْ يمشي معه، فَعَلْتُ ذلك مَرّةً فزَجَرني وتردَّدتُ إليه نحوًا من سنة ونصف، فما رأيتُ منه، ولا سمعتُ عنه سقطةً تُعابُ عليه.
ويستأنف الذهبي كلامه فيقول: كان أبو مسعود كُوتاه (ت: ٥٥٣ هـ) يقول: أبو موسى كَنْزٌ مَخْفِىّ.
وسمعتُ شيخَنا العلامة أبا العباس بن عبد الحليم يُثْنِي على حفظ أبي موسى، ويُقدّمه على الحافظ ابن عساكر باعتبار تصانيفه ونفعها.
وقال ابن النجار: انتشر عِلْمُ أبي موسى في الآفاق، ونفع الله به المسلمين، واجتمع له ما لم يجتمع لغَيْره من الحِفظ والعلم والثّقة والإتقان والصلاح، وحُسْن الطريقة، يصحة النقل. قرأ القرآن بالروايات، وتفقّه للشافعي، ومهر في النحو واللغة، وكتب الكثير.
رحل إلى بغداد، وحجّ سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وسنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
وقال إسماعيل التَّيميّ شَيخُه لِطالب عِلْم: الْزَم الحافِظَ أبا موسى فإنَّه شاب مُتقِن.
وقال محمد بن محمود الُرَّوَيْدَشْتِيُّ: صنَّف الأئمة في مناقب شيخنا أبي موسى تَصانيفَ كثيرة.
وقد توفّى الحافظ أبو موسى في تاسع جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وكان يومئذ حافظ المشرق، وفي هذه السنة مات حافظ المغرب أبو محمد عبد الحقّ بن عبد الرحمن الأزدىُّ مُصنِّف الأَحكام، وعالم الأندلس الحافظ أبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أَصْبَغ الخَثْعَمِيّ السُّهَيْلِيّ المالَقِيّ الضّرِيرُ، صاحب "الرَّوْضِ الأُنُف".
رأى علماء آخرين فيه:
١ - قال ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات (ت: ٦٠٦ هـ): "كان أبو موسى المديني إماما في عصره، حافظًا متقنا تُشَدُّ إليه
[ مقدمة / ١٨ ]
الرحال، وتُناطُ به من الطلبة الآمال" (١).
٢ - وقال ابنُ الدُّبَيْثِيّ مُحمدُ بنُ سَعِيد (ت: ٦٣٧ هـ): "أبو موسى المديني حافظ للقرآن المجيد، له معرفة بالأدب، قد سمع الكثير، وكتب بخطه، ورحل وطلب العلم، ولقى الشيوخ والحفاظ، وعاش حتى صار أوحد وقته، وشيخ زمانه إسنادًا وحفظا" (٢).
وقال أيضا (٣): "سمعت أبا بكر، محمد بن موسى الحازمي ببغداد مرارًا يذكر الحافظ أبا موسى المديني، ويثنى عليه الثناء الحسن، ويصفه بالحفظ والمعرفة، وحسن السمت والطريقة.
وقالَ أيضا (٤): كتب إليّ أبو غانم المهذب بن الحسن الواعظ من أصبهان يقول: "الحافظ أبو موسى المديني من الحفاظ المتقنين، وتصانيفه كثيرة ومسموعاته".
٣ - وقال أبو شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل (ت: ٦٦٥ هـ): "أبو موسى المديني محدّث مشهور، وله تصانيف كثيرة (٥) ".
٤ - وقال ابن خلكان (ت: ٦٨١ هـ): "كان الحافظ أبو موسى المديني إمام عصره في الحفظ والمعرفة، وله في الحديث وعلومه تآليف مفيدة، قرأ القراءات، وتفقَّه على مذهب الشافعي على أبي عبد الله الحسن بن العباس الرُّسْتمِي، وقرأ النحو واللغة حتى تمهّر فيهما، وله التصانيف المفيدة "منها:
_________________
(١) مقدمة كتاب النهاية/ ٩.
(٢) ذيل تاريخ مدينة السلام بغداد ٢/ ٩٨.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق.
(٥) كتاب الروضتين ٢/ ٦٨.
[ مقدمة / ١٩ ]
أسماء الصحابة، والأمالي الكبير، وكتاب اللطائف، وعوالي التابعين، وكان ثِقة دَيّنا صالحا، وكان متواضعا يُقريء كلَّ من أراد" (١).
٥ - وقال أبو الفداء، إسماعيل بن علي الملك المؤيد (ت: ٧٣٢ هـ): لأبي موسى المديني في الحديث وعلومه تآليف مفيدة" (٢).
٦ - وقال الذهبي: (ت: ٧٤٨ هـ): "لأبي موسى المديني التصانيف النافعة الكثيرة، والمعرفة التامة، والرواية الواسعة، انتهى إليه التقدّم في هذا الشأن مع علو الِإسناد" (٣).
وقال أيضا: "كان مع براعته في الحفظ والرجال صاحبَ وَرَعٍ وعبادةٍ وجلالة وتُقًى" (٤).
٧ - وقال صلاح الدين الصفدي (ت: ٧٦٤ هـ): "أبو موسى المديني صاحب التصانيف، وبقية الأعلام، كان واسع الدائرة في معرفة الأحاديث وعِلَله وأبوابه ورجاله وفنونه، ولم يكن في وقته أعلم منه ولا أحفظ ولا أَعلى سندًا" (٥).
٨ - وقال السبكي (ت: ٧٧١ هـ): "أبو موسى المديني الأصبهاني، صاحب التصانيف" (٦)، وذكر طائفة من مشايخه وتلاميذه.
٩ - وقال الحافظ بن كثير، إسماعيل بن عمر بن كثير (ت: ٧٧٤ هـ):
_________________
(١) وفيات الأعيان لابن خلكان ٧/ ٣٣٠.
(٢) المختصر في أخبار البشر ٣/ ٧٠.
(٣) تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/ ١٣٣٤.
(٤) العبر ٤/ ٥٤٦.
(٥) كتاب الوافي بالوفيات للصفدي ٤/ ٢٦٤.
(٦) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/ ١٦٠.
[ مقدمة / ٢٠ ]
"أبو موسى المديني أحد حفّاظ الدنيا الرحَّالين الجوَّالين، له مصنّفات عديدة وشرح أحاديث كثيرة" (١).
١٠ - وقال ابن الجزري، شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد الجزرى (ت ٨٣٣ هـ): "أبو موسى المديني أحد الحفاظ المشهورين، قرأ القراءات العشر على محمد بن الحسين المرزوقي، وسمع وروى، وصنّف الكثير من الحديث" (٢).
١١ - وقال ابن تغرى بردى (ت ٨٧٤ هـ): "توفّى العلامة أبو موسى المديني في جمادى الأولى وله ثمانون سنة" (٣).
١٢ - وقال الحافظ جلال الدين السيوطي (ت: ٩١١ هـ): أبو موسى المديني الحافظ الكبير شيخ الِإسلام، وصاحب التصانيف، سمع الكثير، ورحل وعنى بهذا الشأن، وانتهى إليه التقدّم فيه، مع علوّ الِإسناد، وعاش حتى صار أوحد زمانه، وشيخ وقته، إسنادًا وحفظا مع التواضع، لا يقبل من أحد شيئا قط" (٤).
١٣ - وقال ابن العماد (ت: ١٠٨٩ هـ): "أبو موسى المديني الحافظ، صاحب التصانيف، لم يخلف بعده مثله، وكان مع براعته في الحفظ والرجال - صاحب ورع وعبادة، وجلالة وتُقًى" (٥).
* * *
_________________
(١) البداية والنهاية ١٢/ ٣١٨.
(٢) غاية النهاية في طبقات القراء ٢/ ٢١٥.
(٣) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ٦/ ١٠١.
(٤) طبقات الحفاظ للسيوطي / ٤٧٥.
(٥) شذرات الذهب ٤/ ٢٧٣.
[ مقدمة / ٢١ ]