"الشروط" جمع شرط، قال المصنف ﵀: في "الروضة": ومما يعتبر لحكم، الشرط، وهو: ما يلزم من انتفائه انتفاء الحكم، كالإحصان مع الرجم، والحول في الزكاة.
فالشرط: مالا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده، وهو عقلي ولغوي وشرعي:
فالعقلي: كالحياة للعم، واللغوي: كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، والشرعي كالطهارة للصلاة، والإحصان للرجم١.
وسمي شرطًا؛ لأنه علامة على المشروط، يقال: أشرط نفسه
_________________
(١) ١ في "تحرير التنبيه" صفحة: "٦٤": "شرط الصلاة ما يعتبر في صحتها متقدما عليها ومستمرًّا فيها".
[ ٧٢ ]
للأمر: إذا جعلها علامة عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ١: أي: علاماتها، هذا آخر كلامه.
فالشَّرْط بسكون الراء، يجمع على شروط، كما قال هنا، وعلى شرائط، كما قال في "العُمْدَة"، والأشراط: واحدها، شَرَطٌ "بفتح الراء والسين" والله أعلم.
قوله: "وهي ست": كذا في أصل المصنف بخط يده بغير هاء، وقِيَاسُهُ: وهي ستة بالهاء؛ لأن واحدها شرط، وهو مذكر تلزم الهاء في جمعه، كقوله تعالى: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ ٢ وتخريجه: أن يُؤَوَّلُ الشرط بالشريطة، قال الجوهري: الشرط معروف وكذلك الشريطة، وجمعها شرائط فكأنه قال: باب شرائط الصلاة وهي ست كما قال في "العمدة" وكذا قال الإمام أبو الخطاب: في "الهداية".
قوله: "الظُّهْرُ وهي الأولى": الظُّهْرُ لُغَة: الوقت بعد الزوال، "قال الجوهري: الظُّهر "بالضم" بعد الزوال"٣ ومنه صلاة الظهر، آخر كلامه.
والظهر شرعا، اسم للصلاة، وهي من تسمية الشيء باسم وقته،
_________________
(١) ١ سورة محمد ﷺ: الآية: ١٨. ٢ سورة الحاقة: الآية ٧، وانظر في تذكير العدد وتأنيثه بالنسبة للمعدود كتاب: "الجمل في النحو" للزجاجي صفحة: "١٢٥-١٢٨"، و"شرح الأشموني": ٤/ ٦١، وفيه: أنه إذا لم يذكر المعدود جاز تذكير العدد وتأنيثه مع المعدود مذكرا كان أو مؤنثا وعلى هذا فقول المصنف ﵀ "وهي ست" صحيح ولا يحتاج إلى تأويل، وانظر ما قاله النووي ﵀ في شرح مسلم: باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعا لرمضان الحديث "٢٠٤": "من صام رمضان ثم أبتعه ستا من شوال" من كتاب الصيام: ٨/ ٣٠٤. ٣ ما بين الحاصرتين زيادة من "ط".
[ ٧٣ ]
وقولُنا: صلاة الظُّهر، أي: صلاة هذا الوقت.
قال القاضي عياض: الأولى اسمها المعروف، سميت بذلك؛ لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ.
قال المصنف ﵀: في "المغني"١ وبدأ بها النبي -ﷺ- حين علم أصحابه٢ مواقيت الصلاة، في حديث بُرَيْدَةَ وغيره، وبدأ بها أصحابه، حين سئلوا عن الأوقات وتسمى: الأولى، والهجير، والظهر.
قوله: "ووقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله": زوال الشمس ميلها عن كبد السماء، ويعرف ذلك بطول الظل بعد تناهي قصره، كذا ذكره في "المغني".
والظل، أصله السَّتْر، ومنه، أنا في ظل فلان، ومنها ظل الجنة وظل شجرها، وظلُّ الليل: سواده، وظل الشمس: ما ستر الشخوص من مسقطها ذكره ابن قتيبة، قال: والظل يكون غدوة وعشية من أول النهار وآخره، والفيء لا يكون إلا بعد الزوال؛ لأنه فاء: أي: رَجَعَ.
قوله: "ثم العصر": وهي الوسطى، قال الجوهري: والعصران، الغداة والعشي، ومنه سميت صلاة العصر، وقال الأزهري: وأما العصر، فإنما سميت عصرًا، باسم ذلك الوقت، "والغداة والعشي يسميان العصرين"٣ والعرب تقول: فلان يأتي فلانا العَصْرَيْن والبَرْدَيْن، إذا كان يأتيه طرفي النهار، آخر كلامه.
فكأنها والله أعلم، سميت باسم وقتها، كما تقدم في الظهر، "والوُسْطى" مؤنث الأوسط، والأوسط والوَسَطُ: الخيار، قال أبو
_________________
(١) ١ انظر: "المغني": "٢/ ٨". ٢ في: "المغني": "الصحابة" في الموضوعين وقد نقل المؤلف عنه بتصرف. ٣ ما بين الحاصرتين زيادة من "ط".
[ ٧٤ ]
إسحاق الزجاج في "المعاني" وقيل: في صفة النبي ﷺ، إنه من أوسط قومه: أي: من خيارهم والعرب تصف الفاضل النسب بأنه من أوسط قومه، وهذا يعرف حقيقته أهل اللغة، قال الجوهري: وفلان وسط في قومه، إذا كان أوسطهم نسبا، وأرفعهم محلا١.
ولا يستقيم أن تكون العصر وسطى بمعنى متوسطة؛ لكون الظهر هي الأولى، لثبوت ذلك فيهما٢ عن النبي صلى الله عليه وسلم٣.
قوله: "ثم المَغْرِبُ": المغرب في الأصل مصدر غربت الشمس غُرُوبا، ومَغْرِبا، ثم سميت الصلاة مغربا، كما تقدم في الظهر والعصر، أو على حذف المضاف، أي: صلاة المغرب.
قوله: "إلا لَيْلَة جَمْعٍ"، المراد بها، ليلة مزدلفة، وهي ليلة عيد الأضحى، وسميت مُزْدَلِفَةً جمعا لاجتماع الناس بها،
قوله: "ثم العشاء": قال الجوهري: العشي٤، والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة والعشاء بالكسر والمد مثله، وزعم قوم، أن العشاء
_________________
(١) ١ المعنى ذكره صاحب "التاج" وأنشد للعرجي: "من الوافر". كأني لم أكن فيهم وَسِيْطًا ولم تك نسبتي في آل عَمْرُو وعمرو هو جده عمرو بن عثمان بن عفان ﵁، والعرجي اسمه عبد الله، وأبوه اسمه عمر فهو: عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان ﵁، والبيت أيضا في "اللسان" و"الصحاح" و"العباب". ٢ كذا في "ش" وفي "ط" "فيها". ٣ وقال الحافظ ابن الجوزي في كتابه "زاد المسير في علم التفسير" ١/ ٢٨٣: "وفي المراد بالوسطى ثلاثة أقوال: أحدها: أنها أواسط الصلوات محلًّا، والثاني: أوسطها مقدارا، والثالث: أفضلها، ووسط الشيء خيره وأعدله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ "البقرة: ١٤٣". ٤ كذا في "ش" وفي "ط": "العشاء".
[ ٧٥ ]
من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، والعِشَاءَان: المغرب والعتمة، آخر كلامه.
فكأنها سميت باسم الوقت الذي تقع فيه كما ذكر في غيرها.
وقال الأزهري: والعشاء هي التي كانت العرب تسميها العتمة، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك، وإنما سَمَّوْهَا عتمة باسم عتمة الليل: وهي ظلمة أوله، وإعتمامهم بالإبل، إذا راحت عليهم النعم بعد المساء أناخوها ولم يحلبوها حتى يُعْتِمُوا، أي: يدخلوا في عتمة الليل، وهي ظلمته، وكانوا يسمون تلك الحلبة عتمة باسم عتمة الليل، ثم قالوا لصلاة العشاء العتمة؛ لأنها تؤدى في ذلك الوقت، آخر كلامه.
ويقال: أعتم الليل إذا أظلم، وعتم لغة.
وقال المصنف ﵀ في "المغني"١: ولا يستحب تسميتها العَتَمَةَ.
وقال صاحب "المُسْتَوْعب"٢: ويكره أن تسمى العشاء، العتمة.
قوله: "وعنه نِصْفُهُ" يجوز ضم نون نصفه كما تقدم، وهو مرفوع بالابتداء، ولا يجوز جره لما فيه من إعمال حرف الجر محذوفا، وهو في مثل هذا مقصور على السماع، كقول الشاعر٣: "من الطويل".
إذا قيل أيُّ الناس شر قبيلة أشارتْ كليبٍ بالأكف الأصابعُ
_________________
(١) ١ انظر "المغني" "٢/ ٢٩". ٢ صاحب المستوعب: مر ذكره والتعريف به وبكتابه. ٣ البيت للفرزدق في "ديوانه" من قصيدة طويلة يهجو بها جريرًا وهي من النقائض والشاهد فيه جر كلمة: "كليب" على تقدير: أشارت إلى كليب، وروي بنصب كلمة "كليب" ورفعها فلا شاهد فيه عندئذ، وفي "ش" وسائر الأصول: "خيرُ قبيلة" وهو خطأ ظاهر والتصحيح من "شرح أبيات مغني اللبيب" للبغدادي: "١/٧".
[ ٧٦ ]
تقديره أشارت الأصابع بالأكف إلى كليب، فلو قال: وعنه إلى نصفه لم يحتج إلى هذا التكلف، فحيث حذف فالتقدير: وعنه: آخر وقتها نصفه، كأنه قال آخر وقتها ثُلُثُه، وعنه نصفه.
قوله: "ثم الفجر": قال الجوهري: الفجر في آخر الليل كالشفق في أوله، وقد أفجرنا كما تقول أصبحا من الصبح، وقال الأزهري: سمي الفجر فجرًا لانفجار الصبح وهما فجران:
فالأول: مستطيل في السماء يشبه بذنب السِّرْحَان، وهو الذئب؛ لأنه مستدق صاعد غير معترض في الأفق وهو الفجر الكاذب الذي لا يحل أداء صلاة الصبح ولا يحرم الأكل على الصائم.
- وأما الفجر الثاني فهو المستطير الصادق، سمي مستطيرا لانتشاره في الأفق قال الله تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرا﴾ ١، أي: منتشرا فاشيا ظاهرا.
قوله: "إنْ أَسْفَرَ المَأْمُومُونَ" يقال: سفر الصبح وأسفر وهي أفصح وبها جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَر﴾ ٢، قال الجوهري: وأسفر الصبح أضاء.
وفي الحديث "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" ٣، أي: صلوا صلاة الفجر مسفرين "أي: إسفارًا يتيقن معه طلوع الفجر، جمعا بينه وبين مواظبته ﷺ على التغليس"٤.
_________________
(١) ١ سورة الدهر: الآية "٧". ٢ المدثر: الآية "٣٤". ٣ رواه أبو داود رقم "٤٢٤" والترمذي رقم "٤٢٤" والنسائي "١/ ٢٧٢" وابن ماجة وأحمد في "المسند" من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ وإسناده حسن، وانظر "جامع الأصول" "٥/ ٢٥٢-٢٥٣". ٤ ما بين الحاصرتين زيادة من "ط".
[ ٧٧ ]
قوله: "اجْتَهَدَ وَصَلَّى"، قال الجوهري: الاجتهاد بذل الوسع والمجهود، وكذلك جهد وأجهد حكاهما شيخنا في فَعَلَ وأَفْعَلَ.
وقال المصنف ﵀ في "الروضة": والاجتهاد التام: أن يبذل الوسع في الطلب إلى أن يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب.
قوله: "لزمهم الصبح": أي: صلاة الصبح، والصبح "بضم الصاد" أول النهار، وكسر الصاد لغة، حكاها شيخنا١ في "مثلثه".
قوله: "على الفَوْرِ" أي: في الحال، قال الجوهري: ذهبت في حاجة، ثم أتيت فلانا من فوري أي: قبل أن أَسْكُنَ.
قوله: "أو نسي الترتيب" أي: نسي أن يقضي الصلوات مرتبة حال قضائها، إلا أنه نسي كيف فاتته، فإن ذلك لا يسقط الترتيب على الصحيح، وقد ذكر المصنف ﵀ في "المغني" في "من فاته ظهر وعصر ونسي أولاهما" روايتين: إحداهما يتحرى ويصلي، والثانية، يصلي الظهر ثم العصر صائرا إلى ترتيب الشرع ثم قال: ويحتمل أن يلزمه ظهر بين عصرين أو عصر بين ظهرين ليرتب يقينا، ولم يذكر في "الكافي" سوى هذا الاحتمال، والله أعلم.
_________________
(١) ١ يريد ابن مالك صاحب "الألفية" في النحو و"المثلث" "إكمال الإعلام بتثليث الكلام" وقد مر التعريف بابن مالك و"مثلثه"، وهو يريده دائما هنا في الموضعين ويريده عندما يقول شيخنا والشيخ.
[ ٧٨ ]