الوَقْفُ مصدر وقف، يقال: وقف الشيء وأوقفه، وحبسه وأحبسه وحبسه، وسبله، كله بمعنى واحد، وهو مما اختص به المسلمون. قال الشافعي ﵀: لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته، إنما حبس أهل الإسلام، وسمي وقفًا؛ لأن العين موقوفة، وحبسًا؛ لأن العين محبوسة. وحد المصنف ﵀ لم يجمع شروط الوقف، وحده غيره فقال: تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه، يقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته، يصرف ريعه إلى جهة بر تقربًا إلى الله تعالى.
قوله: "أو سِقَايَةً" السقاية "بكسر السين": الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم، وغيرها، عن ابن عباد والمراد هنا بالسقاية: البيت المبنى لقضاء حاجة الإنسان فلعله سمي بذلك تشبيهًا بذلك، ولم أره منصوصًا عليه في شيء من كتب اللغة والغريب، إلا بمعنى موضع الشراب، وبمعنى الصواع.
قوله: "أو يَقْرُنُ"أي: يجمع "ويَضُمُّ"١ "والمشهور ضم الراء" وقد حكي كسرها.
قوله: "والرَّيَاحِين" جمع ريحان "بفتح الرَّاء". قال أبو السعادات: هو كل نبت طيب الريح من أنواع المشموم.
_________________
(١) ١ زيادة من "ط".
[ ٣٤٤ ]
قوله: "والقناطِرِ" تقدم في الفيء.
قوله: "وكِتَابَة التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيل" التوراة: الكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى ﵇. وقال العُزيزيُّ في: "تفسير غريب القرآن": التوراة: معناها: الضياء والنور، وقال البصريون: أصلها وَوْرَيَةٌ فَوْعَلَةٌ من ورى الزند ووري لغتان: إذا خرجت ناره، لكن قلبت الواو الأولى تاء، كما قلبت "في "يولج" وأصله "وَوْلَجُ" من ولج أي: دخل، والياء قلبت١ ألفا لتحركها وانفتاج ما قبلها. وقال الكوفيون: توراة أصلها "تَوْرَيَةٌ" على تفعلة ويجوز أن يكون تورية على "تَفْعِلَةُ" فنقل من الكسر إلى الفتح، كقولهم: جارية وجَارَاةٌ.
والإنجيل: الكتاب المنزل على عيسى بن مريم ﵉، وهو فعيل من النجل وهو الأصل، والإنجيل: أصل لعلوم وحكم، ويقال: هو نجلت الشيء: إذا استخرجته وأظهرته فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم،
قوله: "والْمَلَكُ" الملك "بفتح اللام": أحد الملائكة، أصله مالك مشتق من المألكة "بفتح اللام وضمها" وهي الرسالة، سمي بذلك؛ لأنه مبلغ عن الله تعالى، ثم حولت الهمزة إلى موضع اللام، ثم خففت الهمزة بحذفها والقاء حركتها على الساكن قبلها، فوزنه حينئذ "فَعَلٌ" وقد جاء على الأصل في الضرورة قال الشاعر:
"من البسيط"
فَلَسْتَ لإنسي ولكن لِمَأْلَكٍ تنزل من جو السماء يَصُوبُ
فَوَزْنُ مَأْلَكِ "مَعْفَلٌ"٢.
_________________
(١) ١ ما بين الحاصرتين مستدرك على الهامش في "ش". ٢ "مَعْفَل" كذا في "ش" وفي "ط": "مَفْعَل" وكلاهما صحيح؛ لأنه ورد فيه مَأْلَكٌ وملأك بالتقديم والتأخير بين الهمزة واللام. والبيت أنشده في "التاج في المواد: أَلَكَ وَلَأَكَ وَمَلَكَ" وهو منسوب فيه لعلقمة بن عبدة يمدح الحارث بن جبلة بن أبي شمر وهو أيضًا في اللسان والتكملة والجمهرة.
[ ٣٤٥ ]
قوله: "على مَنْ لا يَجُوزُ ثم عَلى مَنْ يَجُوزُ" الأصل: على من يجوز عليه، والضمير في يجوز عائد على الوقف الدال عليه وقف؛ لأن ذكر الفعل، مشعر بالمصدر، وحذف العائد على "من"؛ لأنه مجرور بحرف جر الموصول بمثله، كقوله تعالى: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ ١ أي: منه، وقول الشاعر: "من الوافر"
نصلي للذي صلت قريشٌ ونعبده وإن جَحَدَ العُمُومُ٢
قوله: "ولم يذكر له مآلًا" المآلُ "بهمزة مفتوحة بعد الميم المفتوحة" المرجع، يقال: آل يؤول مآلًا، أي: مَرْجِعًا.
قوله: "يُشْتَرى بِهِما مِثْلُهما" الضمير في بهما ومثلهما عائد إلى قيمتها وقيمة ولدها.
قوله: "وفي التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ" وبقية الصور، فمثال التقديم والتأخير: يبدأ ببني هاشم، ثم ببني المطلب، ومثال الجمع والترتيب: وقفت على أولادي، ثم على أولاد أولادي، ومثال التسوية: الذكر والأنثى سواء. ومثال التفضيل: للذكر مثل حظ الانثيين. ومثال الإخراج
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون: الآية "٣٣". ٢ أي صلت إليه قريش حيث حذف العائد المجرور بحرف جر مماثل لما جر الموصول واتفاق العامل فيهما والبيت لم أقع عليه في شواهد الألفية وأنشد ابن عقيل مكانه قول عنترة بن شداد: "من الطويل" وقد كنتَ تُخْفِي حُبَّ سَمْرَاءَ حِقْبَةً فبح لَانَ منها بالذي أنت بائحُ أي: بالذي أنت بائح به فحذف العائد المجرور؛ ولأن أصلها: الآن.
[ ٣٤٦ ]
بصفة: من تزوجت فلا نصيب لها، ومثال الإدخال بصفة من طلقت قسم لها.
قوله: "من غَلَّتِهِ" غَلَّتُهُ: ثمرته، وكسبه، ونحوهما.
قوله: "على عقِبِهِ" عقبه "بكسر القاف وسكونها" قال القاضي عياض: هو ولد الرجل الذي يأتي بعده.
قوله: "أو ذُرِّيَّته" قال أبو السعادات: الذرية: اسم نسل الإنسان من ذكر وأنثى، وأصلها الهمز، لكنهم لم يستعملوه إلا غير مهموز، ويجمع على ذريات، وذراري مشددًا، وقيل: أصلها من الذر، بمعنى التفريق؛ لأن الله تعالى ذرهم في الأرض، وقيل: أصلها ذرورة بوزن فُعُولَةٍ، فلما كثر ذلك التضعيف أبدلت الراء الآخرة ياء، فصارت ذروية. ثم أدغمت الواو بعد قلبها ياء في الياء، فصارت ذرية فُعْلُولَة من ذرأ الله الخلق.
قوله: "بصُلْبِي" الصلب: قال الجوهري: كل شيء من الظهر فيه فقار فهو صلب، والصلب "بفتح الصاد واللام لغة فيه" وقال أبو السعادات: الصلب: الظهر، وقال ابن عباد: الصُّلْبُ والصُِلْبُ، والصَّلَبُ والصَّالِبُ: عظم الظهر، وقال صاحب "المطالع":
قوله: "الوَلَدُ للصُلب"، أي: الذي باشر ولادته.
قوله: "إلا أن يكونوا قبيلَةً" قال ابن عباد: القبيلة من قبائل العرب: الثلاثة فصاعدًا وقال الجوهري: بنو أب واحد، وقال الماوردي في "الأحكام السلطانية" في الباب الثامن عشر، رتبت أنساب العرب ست مراتب جمعت طبقات أنسابهم وهي:
شعب، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة.
فالشعب: النسب الأبعد، كعدنان، سمي شعبًا؛ لأن العرب منه تَشَعَّبَتْ.
[ ٣٤٧ ]
ثم القبيلَةُ وهي: ما انقسمت فيه أنساب الشعب، كريمة، سميت قبيلة، لتقابل الأنساب فيها.
ثم العمارة وهي: ما انقسمت فيها أنساب القبائل، كقريش وكنانة.
ثم البطن وهو: ما انقسمت فيه أنساب العمارة، كعبد مناف.
ثم الفخذ وهو: ما انقسمت فيه أنساب البطن، كبني هاشم.
ثم الفصيلة، وهي: ما انقسمت فيها أنساب الفخذ، كبني العباس.
فالفخذ: يجمع الفصائل، والبطن: يجمع الأفخاذ، والعمارة: تجمع البطون، والقبيلة: تجمع العمائر، والشعب: يجمع القبائل، فإذا تباعدت الأنساب، صارت القبائل شعوبًا، والعمائر قبائل، آخر كلامه، وقد نظمتها في هذا البيت ليسهل حفظها: "من الكامل"
الشَّعْبُ ثم قبيلةٌ فعمارةٌ فالبطنُ ثم الفخذُ ثم فصيلتُهْ
قوله: "على قرابته" قال الجوهري: القرابة: القربى في الرحم، وهو في الأصل مصدر، تقول: بيني وبينه قرابة، وقُرْبٌ، وقُرْبى، ومَقَرَبَةٌ ومَقْرُبَةٌ، وقُرْبَةٌ بضم القاف، وهوي قريبي وذو قرابتي، والعامة تقول: هو قرابتي. آخر كلام الجوهري.
وكلام المصنف هنا يحتمل حذف مضاف، تقديره: على ذوي قرابته، أو ذوي قرابة فلان، وليس هذا من كلام العامة بل من كلام العرب، والله أعلم.
قوله: "ونُسَبَاؤُه" واحدهم نسيب، كقريب لفظًا ومعنى، عن الجوهري.
قوله: "والعِتْرَةُ" هم العشرية: قال الجوهري: عِتْرَةُ الرَّجُلِ: ذريته ورهطه الأدنون، من مَضَى منهم ومن غَبَرَ١، قال ابن الأعرابي: عِتْرَةُ
_________________
(١) ١ من مضى منهم ومن غير: عطف للتفسير؛ لأن غبر بمعنى مضى.
[ ٣٤٨ ]
الرَّجُلِ: ولده، وذريته، وعقبه من صلبه. وأما العشيرة، فقال الجوهري: الْعَشِيْرَةُ: القبيلة، وقال عياض: عشيرة الإنسان: أهله الأدنون، وهم بنو أبيه.
قوله: "والأَيامى والْعُزَّابُ" الأيامى: واحدهم أيم. وحكى أبو عبيد: أَيِّمَةٌ، وقال الجوهري: رجل أيم وامرأة أيم سواء تزوج الرجل أم لم يتزوج، وسواء أكانت المرأة بكرًا أو ثيبًا، وقال الحربي١: اتفق أهل اللغة على أن الأيم: يطلق على كل امرأة لا زوج لها، وقال ابن خالويه: وقال آخرون: لا تكون الأيم إلا بكرًا، والأول أصح، وقال القاضي عياض وأكثر ما يكون في النساء، ولذلك لم يقل بالهاء كطالق، ويقول في الدعاء على الرجل: ماله عام وآم، أي: بقي بغير ابن ولا زوجة٢.
وأما العُزَّابُ: فجمع، قياس واحده: عازب. والمعروف في اللغة: رجل عزب، وامرأة عزب، وعزبة. قال الجوهري: العزاب: الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء. والاسم: العزبة والعزوبة، وقال غير واحد من أهل اللغة: ولا يقال: أعزب، وهي لغة حكاها الإمام أبو منصور الأزهري في كتاب: "تهذيب اللغة"، عن أبي حاتم.
وقد ثبت في "صحيح البخاري" عن ابن عمر ﵄: "وكنت غلامًا شابًا عزبًا"٣. وفي بعض ألفاظه "أعزب"٤.
_________________
(١) ١ كذا في "ش": "الحربي" وهو صاحب "غريب الحديث" وفي "ط": "الحريري". ٢ في "التاج - أيم": ما له آم وعام أي: هلكت امرأته وماشيته. ٣ قطعة من حديث رواه البخاري رقم "٧٠٣٠" من حديث عبد الله بن عمر ﵄، وما بين الحاصرتين تكملة منه. ٤ قطعة من حديث رواه البخاري رقم: "٣٧٨٣" من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٣٤٩ ]
قوله: "وأما الأرامل" الأرامل: جمع أرمل، وأرملة. قال أبو عبيد: الأرمل: الرجل الذي لا امرأة له، والأرملة: المرأة التي لا زوج لها، وقال ابن السكيت: الأرامل المساكين من رجال ونساء، قال: ويقال لهم ذلك١ وإن لم يكن فيهم نساء، قال أبو السعادات: الأرامل: الذي ماتت زوجته، والأرملة: التي مات زوجها، سواءً كانا غنيين أو فقيرين.
قوله: "وله مَوالٍ من فَوْقُ ومِنْ أَسْفَلُ" موال: واحدهم مولى، ذكر له صاحب "الوجوه والنظائر" عشرة معان:
المحب المتابع، والسيد، والمعْتَق، والمعْتِق، وابن العم، والحليف، والشريك، واللجار، والنديم، والولي.
وزاد غيره إطلاقه على الناصر، وعلى العبد، وعلى الرب، وعلى المالك، وغير ذلك. والمراد بالذي في "المقنع" المعْتِقُ والمعْتَقُ.
قال أبو السَّعَادَاتِ: وتختلف مصادر هذه الأسماء: فالولاية "بالفتح" في النسب والنصرة والمعتق، والولاية "بالكسر": في الأمر والولاء في المعتق، والموالاة: من والى القوم.
وفوق وأسفل مبنيان على الضم، ويجوز تنوينهما مجرورين مقصودًا بهما التنكير.
قوله: "واسْتِيْعَابهم" أي: يعمهم بالعطاء، وهو: استفعال من وعب الشيء، ويقال: أَوْعَبَهُ: إذا أخذه كله.
قوله: "فَيُبَاعُ" هو: مرفوع لا يجوز نصبه.
قوله: "الْحَبِيْسُ" هو فعيل بمعنى: مفعول، يقال: حبس الفرس،
_________________
(١) ١ ذلك: زيادة من "ط".
[ ٣٥٠ ]
وأحبسها، وحبسها مثقلا، واحتبسها فهو محتبس، وحبيس، وحبس "بضم الحاء".
قوله: "بعض آلتهِ" قال ابن سيده في "محكمه" الآلة: الشدة، والآلة: ما عملت به من الأداة، تكون واحدًا وجمعًا، وقيل: هو جمع لا واحد له من لفظه، ذكره فيما عينه واو، والمراد هنا بالآلة: ما كان من خشب أو أحجار، أو آجر، ونحو ذلك، مما يستغنى عنه، ولعها سميت بذلك لكونها أدوات يبنى بها.
[ ٣٥١ ]