كتاب البيع
وهو مصدر بِعْتُ، يقال: باعَ يبيعُ، بمعنة مَلَكَ، وبمعنى اشترى، وكذلك شرى يكون للمعنيين، وحكى الزَّجاجُ وغيره: باع وأباع بمعنى واحد. وقال غير واحد من الفقهاء: واشتقاقه من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ وللإعطاء، وهو ضعيف لوجهين:
أحدهما: أنه مصدر، والصحيح: أن المصادر غير مشتقةٍ.
والثاني: أن الباع عينهُ واو، والبيع عينه ياء، وشرط صحة الاشتقاق موافقة الأصل والفرع في جميع الأصول، قال أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم السامري في كتابه "المستوعب": البيع في اللغة: عبارة عن الإيجاب والقبول، إذا تناول عينين أو عينًا بثمن، ولهذا لم يسموا عقد النكاح والإجازة بيعًا.
وهو في الشرع: عبارة عن الإيجاب والقبول إذا تضمَّن مالين، للتمليك، وهو غير جامع لخروج البيع بالمعاطاة منه، ولا مانع لدخول الربا فيه١ وأجود منه حد المصنف ﵀ في "المقنع"، لكنه غير مانع لدخول الرِّبا فيه؛ لأنه مُبادلةُ المال بالمال لغرض التملك، ويقال: بائِعٌ وبَيِّعٌ، ويطلق على المشتري أيضًا فيقال: البائعات والبيعان. والمبيع اسم للسلعة نفسها، وبنو تميم يصححون مفعولًا معتلَّ العين، فيقولون: مبيوع. قال الشاعر: "من الكامل"
_________________
(١) ١ ما بين الرقمين مستدرك على الهامش في "ش".
[ ٢٧٠ ]
قد كان قومُك يحسبونَك سيِّدًا وإخالُ أنَّك سيدٌ مَغْيُونٌ١
والمحذوف من "مبيع" الواو الزائدة عند الخليل، وعند الأخفش المحذوف عين الكلمة.
قوله: "الإِيْجَابُ والقبولُ": فالإيجاب: الإيقاع، يقال: وَجَبَ البيع يجب جبة، وأوجبته إيجابًا، أوقعته، وهو في الشَّرع، عبارة عن "بِعْتُ" ونحوه من جهة البائع.
والقبول: مصدر قبل قبولًا، وهو مصدر شاذ، قال المطرز: لم أسمع غيره بالفتح، وهو في الشرع: عبارة عن قبلتُ ونحوه من جهة المشتري.
قوله: "الْمُعَاطَاةُ": مفاعلة، من عطوت الشيء، تناولته. قال الجوهري: المعاطاة المناولة.
قوله: "الرشيد": من رَشِدَ "بكسر الشين" يرشد "بفتحها" فهو رشيد. كَنَحِلَ يَنْحَلُ، فهو نَحِيْلٌ، ومصدره، الرشد والرشد، ويقال: رشد يرشد، كخرج يخرج لغتان، وهو نقيض الغي، وقيل: إصاة الخير، وقال الهروي: هو الهدى والاستقامة.
والسَّفيهُ: فعيل من سَفِهَ "بكسر الفاء" يسفه سفهًا، وسفاهةً، وسفاهَا وأصله: الخفة والحركة، فالسفه، ضعف العقل، وسوء التَّصَرُّفِ،
_________________
(١) ١ البيت رواه ابن هشام في "أوضح المسالك" "٣/ ٣٤٢-٣٤٥" وهو عنده منسوب إلى العباس بن مرداس السلمي وفيه: معيون من: عانه يعينه: إذا أصابه بالعين وقال في الحواشي: وتروى بالغين معجمة من قولهم: غين على قلب فلان أي غطي على قلبه وقال في الحواشي أيضًا والشاهد فيه: مغيون حيث صحح اسم المفعول من الأجوف اليائي.
[ ٢٧١ ]
وسمي سفيهًا لخِفَّةِ عقله، ولهذا سمى الله تعالى النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ ١.
قوله: "لغير ضَرُوْرَةٍ": قال الجوهري: الضرورة: الحاجة. وقال ابن قرقول: المشقة وهي بفتح الضاد.
قوله: "دودِ القَزِّ وَبِزره، والنَّحْلِ في كواراته": القزُّ: نوع من الإبريسم معرب، وبزره: "بفتح الباء وكسرها". والكُوَارَاتُ "بضم الكاف" جمع كوارة. وهي ما عسل فيه النخل، وهي الخلية أيضًا.
وقيل: الكوارة من الطين، والخليَّةُ من الخشب، ولا فرق بينهما في جواز البيع.
قوله: "بيع الهِرِّ": الهِرُّ، والسِّنّوْرُ، والضّيَونُ كله القط المعروف.
قوله: "الْحَشَراتِ": جمع حشرة "بفتح الشين جمعًا" وإفرادًا، وهي صغار دواب الأرض، كالفأر، والخنافس، والصَّراصير، ونحو ذلك، وقيل: هيو هوام الأرض مما لا اسمَ لَهُ.
قوله: "ولا السِّرجين": هو الزِّبْلُ: يقاله: سِرْجِيْنٌ، وسِرْقِينٌ "بفتح السين وكسرها فيهما" عن ابن سيده.
"ويَعْلَمُ نَجَاسَتَها": أي: يعتقد، بمعنى أنه يجوز له في شريعته الانتفاع بها.
قوله: "كأرض الشَّأْمِ إلى آخر الفصل": الشَّأْمُ: تقدم ذكره في باب المواقيت، وأما العراق، فبلاد تُذَكَّرُ وتؤنث، يقال: إنه فارسي معرب، والعراق في اللغة: شاطئُ البحر والنهر، وقيل: العراق: الخرز الذي أسفل القربة، وفي تسميته بالعراق، ستة أقوال:
_________________
(١) ١ سورة النساء: الآية "٥".
[ ٢٧٢ ]
أحدها: أنها على شاطئ دِجْلَةَ.
والثاني: أنه سُمِّيَ به لاستِفَالِهِ عن أرض نجدٍ، أخذًا من خرز أسفل القرية.
والثالث: لامتداده كامتداد ذلك الخرز.
الرابع: لإحاطته بأرض العرب كإحاطة ذلك الخرز بالقربة.
الخامس: لكثرة عروق الشجر فيه.
السادس: لتواشج عروق الشجر والنَّخل فيها، والتواشج: الاشتباك.
وقال صاحب "المستوعب": سمي عراقًا لامتداد أرضه، وخلوها من جبال مرتفعة وأودية منخفضة. ومصر: مذكور في باب المواقيت١.
وأما الحِيْرَةُ: فمدية بقرب الكوفة "بكسر الحاء" والنسبة إليها، حِيْرِيٌّ، "وحَارِيٌّ" على غير قياس. عن الجوهري. ومحلَّةٌ معروفةٌ بنيسابور، والمراد هنا الأولى.
" وأُلَّيْسُ" "بضم الهمزة وتشديد اللام، بعدها ياء ساكنة، وبعدها سين مهملة" على وزن "خُبَّيْز" بَلَدٌ بالجزيرة٢. قال أبو النجم٣: "من الرجز"
_________________
(١) ١ انظر ص "٢٠٠". ٢ وفي "التاج": وأُلَّيْسُ كقُبَّيْط بلدة بالأنبار. كذا في كتاب الفتوح والعباب وفي التكلمة: موضع وقد جاء ذكره في شعر أبي محجن الثقفي وكان حضر غزاة بها وأبلى بلاء حسنًا فقال: "من الطويل" وقرَّبت رواحًا وكورًا وعَرْقةً وغودر في أُلَّيْسَ بَكْرٌ وَوَائلُ وانظر: معجم البلدان: "١/ ٢٩٤". ٣ لم نجده في "ديوان أبي النجم العجلي" الذي صنعه علاء الدين آغا.
[ ٢٧٣ ]
لَمْ ترع أُلَّيْسَ ولا عضاها ولا الجزيراتِ ولا قُرَاها
"وَبَانِقْيَا" "بزيادة الألف بين الباء والنون، وكسر النون بعدها قاف وياءٌ مثناةٌ تحت": أرض بالنجف، دون الكوفة. قال الأعشي: "من البسيط"
قد طُفْتُ ما بين بانِقْيا إلى عَدَنٍ وطال في العجم تردادي وتَسْيارِي١
قال ثعلب: سميت بذلك؛ لأن إبراهيم الخليل ولوطًا ﵉ نزلاها، وكانت تزلزل في كل ليلةٍ، فلم تزلزل تلك الليلة، ثم خرج حتى أتى النجف، فاشتراها بغنيمات كُنَّ معه، والغنم بالقبطية، يقال لها: نِقْيا، وكان شراؤها من أهل بَانِقْيا٢. وبانقيا "بالباء الموحدة أوله، والنون المفتوحة بعده، وسكون القاف بعدها ياء مثناة تحت مقصورًا".
"وأرض بني صَلُوبا": "بفتح الصاد المهملة" وضم اللام وبالباء الموحدة بعد الواو مقصورًا" كلها أماكن معروفة بالعراق.
"ورِبَاعُ مَكَّةَ" "بكسر الراء": جمع رَبْعِ: وهو المنزل، ودار الإقامة، وربع القوم محلتهم.
"والعِدُّ" "بكسر العين، وتشديد الدال المهملة": الذي له مادة لا تنقطع، وجمعُهُ: أعداد "ونَقْعُ البِئرِ": ماؤها المستنقع فيها، عن ابن فارسٍ.
_________________
(١) ١ انظر ديوان الأعشي صفحة: "١٤٦" ومعجم البلدان: "١/ ٣٣١" والبيت في التاج مع بيتين قبله وهو منسوب للأعشي وفيه: نقيا "بالكسر" انظر "التاج - نقي". وقال شارح الديوان: بانقيا: ناحية من نواحي الكوفة وهي بكسر النون وانظر معجم البلدان: "١/ ٣٩٤". ٢ قول ثعلب: سميت بذلك؛ لأن الخ. يحتاج إلى دراسة ليس هنا موضع بسط القول فيه. والذي يهمنا كما في القاموس والتاج: بانفيا: بلدة بالكوفة. ونِقْيا: بلدة بالأنبار. وكلاهما في العراق.
[ ٢٧٤ ]
وأما الكلأ، فمقصور مهموز، وهو النبات رطبة ويابسه، والحشيش والهشيم مختص باليابس.
"والخلا" مقصورًا غير مهموز، "والعُشْبُ" مخصوصان بالرَّطْبِ، كله عن الجوهري:
قوله: "الآبِق": الآبق: الهارب، أبق العبد، يأبق ويأبق إباقًا، فهو آبقٌ عن الجوهري.
قوله: "الحَمْلُ فِي الْبَطْنِ": الحمل "بفتح الحاء" ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والحمل "بالكسر" ما كان على ظهرٍ أو رأسٍ عن يعقوب، وحكى ابن دريد، في حمل الشجرة "الفتح والكسر".
قوله: "في الضرع": الضَّرْعُ: لكل ذات ظلف أو خف، والمسك تقدم ذكره في باب محظورات الإحرام. "والفأر" مهموزًا، جمع فأرة: وهي: النافجة، ويجوز ترك همزه، كناظائره، وفرق الصقلي عمر الحميدي فقال: فارة المسك غير مهموزة؛ لأنها من فار يفور، وفأرة الحيوان مهموزة، والمشهور بين أهل اللغة أن لا فرق.
قوله: "بَيْعُ المُلامَسَة": الملامسة: مفاعلة من لمس يلمس، ويَلْمُسُ، إذا أجرى يده على الشيءِ.
قوله: "والمُنَابَذَةُ": المنابذة، مفاعلة من نبذ الشيء ينبذه: إذا ألقاه.
قوله: "من بُستان": البستان: فارسي معرب، وجمعه، بساتين، ولم يحك أحد من الثقات عن العرب كلمة مبنية من "ب س ت".
قوله: "من هذه الصُّبْرَةِ": الصبرة: الطعام المجتمع كالكومة، وجمعها، صبر١، سميت بذلك لإفراغ بعضها على بعض، يقال:
_________________
(١) ١ في "المصباح": الصيرة من الطعام جمعها: صبر مثل: غُرْفَة وعُرَف.
[ ٢٧٥ ]
للسحاب فوق السحاب صَبير١، ويقال: صبرت المتاع وغيره: إذا جمعته، وضممت بعضه على بعض.
قوله: "وبيعُ الباقِلاءِ": الباقلاء: الحب المعروف "يشدد ويخفف" فإذا شدد، كان مقصورًا، وإذا خُفِّفَ كان ممدودًا وقد يقصر، ذكر اللغات الثلاث: ابن سيده في "المُحْكِمَ".
قوله: "بِرَقْمِهَا": رقمها: مصدر بمعنى المرقوم أي: بالمكتوب عليها، فإن كان مجهولًا عند أحدهما، كان البيع فاسدًا، وإن كان معلومًا لهما، كان بيع التولية.
قوله: "نقطعُ به السِّعْرَ": السعر "بكسر السين" ما تقف عليه السلع من الأثمان لا يزاد عليه.
قوله: "أو بما باعَ فلان": فلان: تقدم في باب الإحرام.
قوله: "نسيئَة": يأتي تفسيره في باب الربا٢.
قوله: "من القطيعِ": القطيع: الطائفة من الغنم. قال ابن سيده: الغالب عليه أنه من العشرة إلى الأربعين، وقيل: ما بين خمسة عشر إلى
_________________
(١) ١ في "التاج - صبر": الصبير: هو السحاب الأبيض الذي يصير بعضه فوق بعض درجًا وأنشد في وصف جيش: "من المتقارب" كَكِرْفِئَةِ الغيث ذات الصبير الكِرْفِئَةُ والكِرْفِئُ والكِرْمئُ كزبرجة وزبرج السحاب السحاب المرتفع المتراكم واختلفوا حول عجز هذا البيت ولمن هو وفيه الصبير: السحاب الأبيض وقال أبو حنيفة الصبير السحاب يثبت يومًا وليلة ولا يبرح كأنه يصبر أي يحبس. في الصحاح لم يورد إلا هذا الشطر ولم يتمه ولم ينسبه وورد في اللسان متمًا ومنسوبًا لعامر بن الجوين الطائي مرة بتتمة ذكرها، وللخنساء مرة أخرى بتتمة مغايرة. "اللسان مادة "كرفأ" ومادة "أول". ٢ انظر ص "٢٨٦".
[ ٢٧٦ ]
خمسة وعشرين. وجمعه: أقطاعٌ وأقطِعَةٌ، وقطعان، وقطاع، وأقاطيع. قال سيبويه: ههو ما جمع١ على غير واحد كحديث وأحاديث.
قوله: "تفريقِ الصَّفقةِ" الصفقة: المرة من صفق له بالبيعة والبيع: ضرب بيده على يده. والصَّفْقَةُ: عقد البيع؛ لأن المتبايعين يفعلان ذلك. فقولهم: تفريق الصفقة أي: تفريق ما اشترى في عقد واحد.
قوله: "بقسطِه" قال الجوهري: القِسْط: الحصة والنصيب.
قوله: "بعد نِدَائها": النِّدَاء: الصوت "بكسر النون وقد تضم" كالرغاء والدعاء والنداء هنا: هو الثاني، وعنه الأول الذي على المنارة ونحوها، فإن باع في الوقت قبل النداء، فعلى روايتين.
قوله: "لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً": قال الجوهري: السلعة: المتاع، فكل مبيع سلعة.
قوله: "وفي بيع الحاضر للبادي" الحاضر: المقيم في المدن والقرى، والبادي: المقيم بالبادية.
_________________
(١) ١ ما جمع: كذا في "ط"، وفي "ش" مما جمع.
[ ٢٧٧ ]