رب يسر برحمتك١
قال الشيخ الإمام العالم الأوحد، الصدر الكبير الكامل، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن أبي الفتح، ابن أبي الفضل "البعلي"٢ الحنبلي، تغمده الله برحمته.
الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تبويء قائلها دار الأمان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بأوضح حجة وأظهر برهان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وتابعيهم بإحسان، ما اختلف الملوان٣، وتعاقب الجديدان٤.
أما بعد: فهذا مختصر يشتمل على شرح ألفاظ في كتاب المقنع٥ في الفقه، على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁، تأليف الإمام أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن
_________________
(١) في "ط": "رب يسر واختم بالخير يا كريم"
(٢) لفظة "البعلي" لم ترد في "ش" واثبتناها من "ط".
(٣) الملوان: الليل والنهار، وقيل: هما طرفا النهار، واحدهما ملا مقصور. انظر "لسان العرب" "ملا".
(٤) الجديدان، ويقال: الأجدان: الليل والنهار، وذلك لأنهما لا يبليان أبدا. انظر "لسان العرب" "جدد".
(٥) وقد قمنا بتحقيقه ونشرته الدار الناشرة لهذا الكتاب.
[ ٥ ]
قدامة المقدسي ١ وتقييدها لفظًا.
وقد تُذكر ألفاظ تشكل على بعض المبتدئين دون غيرهم، وربما ذكرت فيه إعراب بعض اللفاظات، التي قد يغلط فيها.
وهو مرتب على أبوابه، ولا تؤخر لفظة من باب إلى آخر غالبًا، إلا أن يكون مضافا إليها بعض الأبواب٢، كلفظة الغُسل، والصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، ونحو ذلك، فتطلب في أول ذلك الباب، وأخرت الكلام على الأسماء الأعلام٣، فبدأت باسم النَّبيِّ، ﷺ، ثم بالأنبياء، ﵈، ثم بالصحابة، ثم من بعدهم على حسب وفياتهم، ثم ختمت بالمصنف ﵃، وعلى الله أعتمد، وإليه أتوجه وأستند، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قوله: "الحمد لله"، الحمد: هو الثناء عليه بجميع٤ صفاته، وبينه وبين الشكر عموم وخصوص، فعمومه أنه يكون٥ لمسدي النعمة
_________________
(١) ١ هو، شيخ الإسلام الإمام القدوة، العلامة المجتهد، موفق الدين أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقسدي، الجماعيلي الدمشقي الصالحي، عالم الشام في زمانه، وصاحب كتاب: "المغني"، قال عمر بن الحاجب: هو إمام الأئمة: ومفتي الأمة، خصه الله تعالى بالفضل الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل، طنت بذكره الأمصار، وضنت بمثله الأعصار، وما أظن الزمان يسمح بمثله، مات سنة ٦٢٠هـ، انظر: "سير أعلام النبلاء": ٢٢/ ١٦٥- ١٧٣، و: "المنهج الأحمد": ٤/ ١٤٨-،١٦٥ و: "شذرات الذهب: ٧/ ١٥٥-١٦٣". ٢ كذا في "ش": "إلا أن يكون مضافا إليها بعض الأبواب"، وفي: "ط": "إلا أن تكون مضافة إلى بعض الأبواب ثَمَّ"، فاقتضى التنويه. ٣ كذا في: "ش" "الأسماء الأعلام"، وفي: "ط": "أسماء الأعلام". ٤ كذا في: "ش" "بجميع" وفي: "ط": "بجميل". ٥ زيادة من: "ط" "وغيره" في: "ط" "ولغيره" بإعادة الجار.
[ ٦ ]
وغيره، وخصوصه أنه لا يكون إلا باللسان، وعموم الشكر، أنه يكون بغير اللسان١، وخصوصه أنه لا يكون إلا لمسدي النعمة، قال الشاعر: "من الطويل"
أفادتكم النَّعْمَاء عندي ثلاثةً يَدِي ولساني والضمير المُحَجَّبا٢
وقيل: هما سواء.
قوله: "المحمود": يجوز جره ورفعه ونصبه، وجره الوجه، وكذلك ما بعده من الصفات.
قوله: "الموجِدِ خَلْقَهُ"، أي: مخلوقاته أنشأها من العدم، على غير مثال لكمال قدرته.
قوله: "وذرَاتِ الرِّمَالِ": الذرات واحدتها ذرَّةٌ، وهي صغرى النمل، ثم استعمل في الرمل تشبيهًا، "ويجوز أن يكون جمع ذرة وهي المرة من ذر، بمعنى مذرورة"٣.
وله: "لا يَعْزُبُ": بضم الزاي وكسرها، أي: لا يَبْعُدُ ولا يَغيبُ.
_________________
(١) ١ أي قد يكون عملًا، يقوم به المنعم عليه تجاه المسدي مكافأة له على جميله ونعمته، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ سبأ - الآية: "١٣"، ومما يؤكد هذا المعنى، كما في التاج - شكر"، قول أبي نخيلة: "من الطويل" شكرتك إنَّ الشكر حبلُ من التقي وماكُلُّ من أوليته نِعْمَةً يقْضِي فالشكر يكون عملا ردا على عمل، وانظر البيت أيضًا في: اللسان، و: طبقات الشعراء، لابن المعتز: صفحة "٦٤". ٢ أنشده الزمخشري في: "الكشاف": ١/ ٧، وقبله: وما كان شكري وافيًا بنوالكم ولكنني حاولت في الجهد مذهبا فقوله: "يدي" أراد عمل يدي، حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ٣ ما بين الحاصرتين سقط من: "ط".
[ ٧ ]
قوله: "وصلى الله": الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدمي: التضرع والدعاء، وقال أبو العالية١: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء:
قوله: "على سيدنا": السيد: هو الذي يفوق في الخير قومه، قاله الزَّجاج٢، وقيل: التَّقِيُّ، وقيل: الحليم، وقيل: الذي لا يغلبه غضبه، وجميع ذلك فيه ﷺ.
قوله: "مُحَمَّدٍ": سمي محمدًا لكثرة خصاله المحمودة، وهو علم منقول، من التحميد، مشتق من الحميد اسم الله تعالى.
وقد أشار إليه حسان بن ثابت ﵁ بقوله٣: "من الطويل"
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش مَحْمُودٌ وهذا مُحَمَّدُ
قوله: "المصطفى": هو الخالص من الخلق كافة.
قوله: "وآله": الصواب جواز إضافته إلى المضمر خلافا لمن أنكر ذلك، وآلُهُ أتباعه على دينه، وقيل: بنو هاشم، وبنو المطلب،
_________________
(١) ١ هو، رفيع بن مهران الرياحي، البصري المقرئ المفسر، دخل على أبي بكر ﵁، وقرأ القرآن على أُبَيّ، وكان ابن عباس يرفعه على السرير وقريش أسفل، وفاته ﵁ سنة: ٩٣هـ، بخلف، انظر: ترجمته في: "سير أعلام النبلاء": ٤/ ٢٠٧، "وشذرات الذهب": ١/ ٣٦٧. ٢ هو، أبو إسحاق، إبراهيم بن السري بن سهل، النحوي الزجاج، كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، وله مؤلفات حسان منها كتاب: "الاشتقاق"، وكتاب: "النوادر"، لزم المبرد حتى استقل مات سنة: "٣١١هـ" انظر: ترجمته في: "سير أعلام النبلاء": ١٤/ ٣٦٠، و"شذرات الذهب": ٤/ ٥١. والزَّجَّاج: نسبة إلى خرط الزُّجاج. ٣ انظر: "ديوانه"، تحقيق: د: وليد عرفات: "١/ ٣٠٦. وفيه: "كيّ يُجِلَّهُ"، بدل "لِيُجِلَّهُ".
[ ٨ ]
وهو اختيار الشافعي، وقيل: آله: أهله، ولو قال في التَّشَهُّدِ: وعلى أهل محمد، أجزأ على الوجهين١.
قوله: "بالغُدوِّ والآصالِ": والغُدُوُّ: نفس الفعل، تقول: غدا غدوًا، عُبِّر بالفعل عن الوقت، والمراد بالغدوات، كما تقول: أتيتك طلوع الشمس، أي وقت طلوعها.
"والآصال" الآصال: جمع أُصُل، والأُصُل: جمع أصيل، وهو ما بين العصر وغروب الشمس٢.
قوله: "وايجازه" أي: تقصيره، يقال: أوجز الكلام: إذا قصره، فهو كلام موجَزٌ، وموجِزٌ، وَوَجِيزٌ، وَوَجْزٌ، كله عن الجوهري٣.
_________________
(١) ١ ما بين الرقمين، كذا في: "ش"، ومكانه في: "ط": "والآل"، ويطلق بالاشتراك اللفظي على ثلاثة معان: - أحدهما: الجند والأتباع كقوله تعالى: ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ - "آل عمران: الآية ١١، وغيرها من المواضع" - أي أجناده وأتباعه. - والثاني: النفس كقوله تعالى: ﴿آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ "البقرة الآية: ٢٤٨"، بمعنى: أنفسهما. - والثالث: أهل البيت خاصة، وآله: أتباعه على دينه، وقيل: بنو هاشم وبنو المطلب، وهو اختيار الشافعي ﵁، وقيل: آله أهله، ولو قال في التشهد: وعلى أهل محمد أجزأ في أحد الوجهين، وهو أجود وأوضح لذلك أثبتناه بتمامه. ويفهم من كلام صاحب: "الإفصاح"، الوزير العالم يحيى بن محمد بن هبيرة، الحنبلي، أن بني هاشم خمسة بطون: آل العباس، وآل عليّ، وآل جعفر، وآل عقيل، وولد الحارث بن عبد المطلب. و"الإفصاح": مجلدة مفردة من كتاب: "الإفصاح في معاني الصحاح"، الذي شرح فيه ابن هبيرة الصحيحين، انظر: "المنهج الأحمد": ٣/ ١٧٧- ٢١٣. ٢ في: "ش": "والغروب الشمس"، والمثبت من:"ط". ٣ هو، إسماعيل بن حماد الجوهري، صاحب الصحاح، أبو نصر الفارابي، قال ياقوت كان من أعاجيب الزمان، إماما في اللغة والأدب، جيد الخط، انظر: ترجمته في: "بغية الوعاة": ١/ ٤٤٦، و: "سير أعلام النبلاء": ١٧/ ٨٠.
[ ٩ ]
قوله: "وسَطًا بين القصير والطويل"، أي: متوسطا بينهما، قال الواحدي١: الوسط اسم لما بين طَرَفَي الشيء، فأما اللفظ به وبما أشبهه في لفظه: فقال المُبَرِّدُ بن يزيد٢: ما كان اسمًا، فهو وسط محرك السين، كقولك: وسط رأسه صلب، وما كان ظرفا، فهو مسكن، كقولك: وسط رأسه دهن، أي: في وَسْطِهِ، وقال ثعلب٣: ما اتخدت أجزاؤه فلم يتميز بعضه من بعض، فهو وَسَطَ بتحريك السين، نحو: وَسَطِ الدار، وما التُفَّتْ أجزاؤُهُ مُتَجَاورَةً، فهو وَسْط كالعِقْدِ، وحَلْقَةِ الناس.
وقال الفرَّاء٤: الوسط المثقل، "يعني المحرك السين": اسم،
_________________
(١) ١ هو، علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن الواحدي، إمام مصنف، مفسر نحوي لازم، مجالس الثعلبي في: التفسير، له: "البسيط"، و"الوسيط"، و"الوجيز"، في التفسير، انظر: ترجمته في: "بغية الوعاة": ١/ ١٤٥، و: "سير أعلام النبلاء": ١٨/ ٣٣٩، و"شذرات الذهب": ٥/ ٢٩١. ٢ هو، محمد بن يزيد، المبرِّد أبو العباس، إمام العربية بغداد في زمانه، وكان فصيحًا بليغًا مفوهًا، وهو ثقة، وينتمي إلى ثمالة قبيلة من الأزد، وفاته سنة: ٢٨٥ هـ، انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء": ١٣/ ٥٧٦، و"بغية الوعاة": ٢٦٩. ٣ هو، أحمد بن يحيى بن يسار الشيباني، مولاهم البغدادي أبو العباس، إمام الكوفين في النحو واللغة، وكان يعتمد على ابن الأعرابي في اللغة، وعلى سلمة بن عاصم في النحو، وفاته سنة: ٢٩١هـ، انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء": ١٤/ ٥، و"بغية الوعاة": ١/ ٣٩٦. ٤ هو، يحيى بن زياد بن عبد الله بن مروان، الفراء: كان أعلم الكوفيين بالنحو بعد الكسائي، أخذ عنه وعليه اعتمد، ومات سنة: ٢٠٧هـ، له ترجمة في: بغية الوعاة: ٢/ ٣٣٣، و"سير أعلام النبلاء": ١٠/ ١١٨، و"شذرات الذهب": ٣/ ٣٩.
[ ١٠ ]
كقولك: رَأْسٌ وَسَطٌ، وربما خُفِّفَ، وليس بالوجه، وجلس وَسْطَ القوم، ولا تقل وَسَطَ، لأنه في معنى: بَيْنَ، وقال الجوهري: وكل موضع صلح فيه بين، فهو: وَسْطَ، وما لم يصلح فيه"بَيْنَ"، فهو: وَسَطَ بالتحريك، وربما سُكِّن وليس بالوجه.
وقال الفَرَّاء: قال يونس: سمعت: وَسْطَ وَوَسَطَ بمعنى١.
قوله: "حجمه": يعني ضخامته.
قوله: "وَفَهْمُه": الفهم بسكون الهاء٢ وفتحها، لغتان، كَفلسٍ وَفَرْسٍ.
فصل٣
مما تكرر ذكره في الكتاب، خمسة أشياء:
أحدها: "الرِّواية" مثناة ومفردة ومجموعة، كقوله "على روايتين"، "وفيه روايتان".
فالرِّوَايةُ: في الأصل مصدر رَوَى الحديث والشعر ونحوهما رواية: إذا حفظه وأخبر به، وهي ههنا مصدر مطلق على المفعول، فهي رواية بمعنى مَرْوِيَّة، وهي الحكم المروي عن الإمام أحمد ﵁ في المسألة، وكذا هي في اصطلاح أصحاب أبي حنيفة ومالك، وأصحاب الشافعي يعبرون عن ذلك بالقول، فيقولون: "فيها قولٌ، وقولان وأقوال
_________________
(١) ١ كلمة: "بمعنى"، سقطت من "ط"، ويونس هو: ابن حبيب الضبي البصري، أبو عبد الرحمن، بارع في النحو وفاته، سنة: ١٨٢هـ، انظر: ترجمته في: "بغية الوعاة": ٢/ ٣٦٥. ٢ الهاء: كذا في: "ط"، وفي: "ش"، "الفاء"، وهو سهو. ٣ هذا الفصل بكامله سقط في: "ط"، من موضعه، واستدرك في آخر الكتاب.
[ ١١ ]
للشافعي"، وكل ذلك اصطلاح لا حَجْرَ على الناس فيه.
الثاني: "الوجه" مثني ومجموعا، فيقال، "فيه وجهان وعلى وجهين وثلاثة أوجه"، وهو في الأصل من كل شيء مستقبله، ثم استعمل في غير ذلك، وفي اصطلاح الفقهاء:
الحكم المنقول في المسألة لبعض أصحاب الإمام المجتهدين فيه، ممن رآه فمن بعدهم جاريًا على قواعد الإمام، فيقال: وجه في مذهب الإمام أحمد، أو الإمام الشافعي أو نحوهما، وربما كان مخالفًا لقواعد الإمام إذا عَضَدَهُ الدليل.
الثالث: قوله بعد ذكر المسألة "وعنه"، فهو عبارة عن رواية عن الإمام، والضمير فيه له وإن لم يتقدم له ذكر، لكونه معلومًا، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ ١، والضمير للقرآن، مع عدم ذكره لفظًا، فعنه: جار ومجرور متعلق بمحذوف، أي نقل ناقل عنه، أو نقل أصحابه عنه، وفعل ذلك المتأخرون اختصارًا، وإلا فالأصل أن يقال: نَقَلَ عبد الله عن الإمام كذا، أو نقل صَالِحٌ، أو نقل المرُّوذي، كما فعله أبو الخطاب٢، وغيره من المتقدمين.
الرابع: التخريج، فيقولون: يتخرج كذا، وهو مطاوع خَرَّجَ٣ تقول،
_________________
(١) ١ سورة القدر: الآية: ١. ٢ هو، محفوظ بن أحمد الكلوذاني، له ترجمة في آخر الكتاب، وترجم له العليمي في: "المنهج الأحمد": ٣/ ٥٧، وابن العماد في: "شذرات الذهب": ٦/ ٤٥، وهو صاحب: "الهداية"، في الفقه. ٣ وهو، مُطاوعُ خَرَّجَ: أي صيغة "تَفَعَّلَ"، مأخوذة من صيغة "فَعَّل"، والمطاوعة: هي وقوع الفعل بعد معالجة ومحاولة، كما مثل: "فَعَلَّم" تعني عالجه ليتعلم أو حاول تعليمه، و"تَعَلَّم": ويدل على حصول العلم للمتعلم، والفعل المطاوع لا يكون إلا لازمًا.
[ ١٢ ]
خَرَّجَه فَتَخَرَّجَ، كما تقول عَلَّمَهُ فَتَعَلَّمَ، وخرَّجَ مُتَعَدِّي خَرَجَ يخرُجُ، ضد دَخَل يدخُلُ، وهو في معنى الاحتمال وإنما يكون الاحتمال والتخريج إذا فهم المعنى، وكان المُخَرَّج والمُحْتَمِلُ مساويًا لذلك المخرج منه في ذلك المعنى، كما إذا أفتى في مسالتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين، جاز نقل الحكم وتخريجه من كل واحدة منهما إلى الأخرى، ما لم يُعَرَّقْ بينهما أو يَقرُبِ الزمنُ.
الخامس: الاحتمال: وهو في الأصل مصدر احتمل الشيءَ، بمعنى حملهُ، وهو افتعالُ١ منه، ومعناه: أن هذا الحكم المذكورَ، قابل ومتهيءُ لأن يقال فيه بخلافِهِ، كاحتمالِ قبولِ الشهادة بغير لفظِ الشهادة، نحو، أعلمُ أو أَتحقق، أو أجزمُ، فإِنَّه قابل للقول فيه بذلك.
والاحتمال: تَبينُ أن ذلك صالِحٌ، لكونه وَجْهًا، وكثير من الاحتمالات في المذهب، بل أكثرها، للقاضي الإمام أبي يَعْلَى، محمد بن الفَرَّاء، وفي كتابه "المجرد" وغيره.
ومما تكرر فيه قوله: ظَاهرِ المَذْهَب، فالمذهب مَفْعَلٌ من ذهب يذهب، إذا مضى، مقصود به المصدر، أي ظاهر ذهابه، والألف واللام فيه للعهد؛ لأن المراد بذلك مذهب الإمام أحمد، والظاهر: البائنُ الذي ليس يخفى، يعني أنه المشهور في المذهب، كنَقْضِ الوضوء بأكل لحم الجَزُور ولمس الذَكرِ، وعدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة، ولا يكاد يُطلقُ إلا على ما فيه خلافٌ عن الإمام أحمد.
_________________
(١) ١ وهو، افتِعالُ منه: أي صيغة افتعال منه، وافتعال من افتَعَلَ تعني المصدر ويقولون في صوغه: إنه على وزن ماضيه بكسر ثالثه وإضافة ألف إلى ما قبل آخره: "افتعل: افتعال" مثل: "انتقل: انتِقال".
[ ١٣ ]