﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]
"البسيسة: أن يُلَتَّ (أي يُخْلَط) السَويق - أو الدقيق أو الأَقِطُ المطحون - بالسمن أو بالزيت أو بالماء ثم يؤكل ولا يطبخ. والبَسّ أشد من اللتّ بلَلًا. والبسيسة: خبز يُجفَّف ويُدَق (ويبس) ويُشرب " [الأقط لبن رائب مطبوخ ومجفف، والسويق: دقيق الحن أو الشعير]. [كل ما لا يمضغ يمكن أن يُعبَّر عن تناوله بالشرب. ل شرب].
° المعنى المحوري هو: تسيب (كُثَب) الدقاق الجافة بتسريب مائع (سمن أو نحوه) بينها ييسر ابتلاعها (١): كما وصف. (لنا ملحظ هنا هو أن الأصل هو
_________________
(١) (صوتيًا) الباء للتجمع الرخو مع تلاصق ما، والسين للتسرب بقوة وامتداد في خط دقيق =
[ ١ / ١١٦ ]
تسيّب مادة الشيء ذرات دقيقة مهما كثفت أو كثرت مع جفافها. والتسيب هكذا يحقق تصور أن تصير هباء منبثًا. كما قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. فكأن الخلط بالسمن أو الزيت أو الماء هو لتيسير البلع لا لإحداث التسيب. وقد فسروا ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أيضًا بأنها "فُتَّتْ خُلِطت بالتُرْب "فتكون صيرورتها هباء مرحلة أخرى تالية.
وتسيب مادة الشيء يتأتى منه معنى الطواعية والانقياد والحركة الخفيفة، ومن هنا قالوا: "بَسَّ بالناقة وأبَسَّ بها: دعاها للحلب " (حاول إلانة صلابتها
_________________
(١) = قوي كخط الهواء الخارج عند نطق السين، والفصل منهما يعبر عن جعل الدقاق الجافة المجتمعة رخوة متسيبة بتسريب لطيف بينها كالبسيسة. وكأن الهمزة في (بأس) عبرت عن ضغط واشتداد في ذلك المتجمع مع قلة التسريب، فعبر التركيب عن الشدة في الأثناء جفافًا وجوعًا أو شدةً وصلابة. وفي (بسر) تضيف الراء معنى الاسترسال على ذلك، فيعبر التركيب عن كون الشيء فجًّا غير ناضج فيكون غير طيب الطعم وهذا معنى الجفاف والحِدّة هنا. وفي (بسط) تضيف الطاء معنى الضغط على ذلك المتسيب الأثناء فيعبر التركيب عن التوسيع عرضًا بالضغط. وفي (بسق) تضيف القاف معنى خروج الغليظ المتعقد من العمق، ويتمثل هذا - مع ما تعبر عنه السين من امتداد - في امتداد النخلة طولًا بقوة النمو التي في عمقها. وفي (بسل) تعبر اللام عن التعلق مع الاستقلال، ويعبر التركيب عن احتباس الجفاف الذي في بسس متمثلًا في مرارة كريهة. وفي (بسم) تعبر الميم عن استواء الظاهر، ويعبر التركيب عن اتساع ظاهر الشيء، وكأن الاستواء هنا يتمثل في بشاشة وجه المبتسم وانبساطه مع انفراج الشفتين، وهذا الانفراج من جنس التسيب في دلالة (بسس)، فالتسيب يكون بانفصال الدقاق ووجود فراغ بينها، وانفراج الشفتين انفصال وفراغ، والأصل أن تكونا ملتقيتين. فكأن اللفظ (بسم) عبّر عن واقع انفراج الشفتين بأن حدّة نفاذ السين تسلطت على انطباق الشفتين الذي في نطق الميم فانفرجتا.
[ ١ / ١١٧ ]
بصوت لطيف)، وكذلك "بَسَسْتُ الناقة وأبْسَسْتُها: سُقْتُها سوقًا لطيفًا (السير حركة وانتقال فهو تسيب)، وبَسَسْتُ المالَ في البلاد فانبسّ: أرسلتُه فتفرق فيها، والرجلَ: طردتُه. وانبسّت الحيةُ: انسابت على وجه الأرض، والرجلُ: ذَهَب. وفي الحديث "يخرج قوم من المدينة يُبِسّون أي يَسِيحون في الأرض (وقد أُرجع البس بالناقة وإبساسها إلى قولهم لها بَسْ). "وبَسّ فلان لفلان من يتخبّر له خبره ويأتيه به: دَسَّه إليه " (كل ذلك من الحركة الخفيفة اللطيفة أو السريعة وهي صورة من التسيب). والبَسْبَسة: السِعاية بين الناس (دسٌّ بلطف أو خفاء وهما من باب واحد) والبَسباس - بالفتح - من النبات: الطيبُ الريح (ينتشر ريحه ويتسرب لطيفًا).