﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]
"بَيْتُ الرجل: دارُه، وقَصْرُه. والبَيْت من الشَّعَر: ما كان أكبر من الخِبَاء أي ما زاد على شُقَّة واحدة. ثم هو مِظَلّة إذا كَبِر عن البيت وهي تسمَّى بيتًا أيضًا إذا كان ضَخْمًا مُرَوّقًا. والبيت أيضًا بيت العنكبوت. وجُحر السبع، وما تبنيه السُرْفة (دودة تبني لنفسها بيتًا كما تبني دودة القز) لنفسها ".
_________________
(١) = الذي يقر فيه الشيء ويَسْكُن (والاستقرار اتصال وَضْع ودوامُه)، وبذا يتقطع عن التجوال هنا وهناك. وفي (بتر) أضافت الراء معنى الاسترسال فانصبّ القطع على المسترسل من الشيء كبتر الذيل وما شابهه مما يسترسل. وفي (بتك) تعبر الكاف عن ضغط غئوري دقيق فيعبر التركيب عن وقوع القطع على ما هو دقيق متماسك كغضروف الأذن. وفي (بتل) تعبر اللام عن التعلق والاستقلال أو التميز. وبها يعبر التركيب عن كون المقطوع وافرًا قائمًا بذاته مستغنيًا بما عَلِق به كالبتيلة والبتول.
[ ١ / ٦٥ ]
° المعنى المحوري هو: حَيِّز محيط يُسكَنُ فيه أي يُسْتَقَرّ: كالبيت في ما وُصِف. قال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤]، ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨]، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١]، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠] فكل تلك مستقرات ومساكن، ومنها كل كلمة (بيت) وجمعه (بيوت). وهو لكل شيء بحسبه. وينبغي التنبه إلى أن "البيت "عند العرب هو ما يعرف عندنا بالحجرة. ولأن الكعبة شَرَّفها الله تعالى على صورة الحُجرة سميت بيتًا. وهي المراد بكل كلمة (بيت) إذا وردت في الكلام عن بناء إبراهيم البيت، أو عن عبادة رب البيت، أو عن الحج، أو وُصِف البيت بالمبارك، أو الحرام، أو العتيق، أو تقبيح المُكاء عنده. ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] هو بيت في السماء مُسامت للكعبة، وقيل هو الكعبة [بحر ٨/ ١٤٣ - ١٤٤].
وبما قدمنا من أن معنى البيت هو الحجرة يفهم قوله تعالى: ﴿ لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤]. وقد فُسّر البيت في قول نوح ﵇ ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨] بالسفينة - واللغة تجيزه، لأنها وهي بين الأمواج توفر لمن فيها أَمْنًا يساوي استقرار البيت. وفي ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] فهذا دعاء لآل بيت سيدنا إبراهيم لأنه بيت معهود من سياق القصة. وهو يشمل آل بيت سيدنا محمد - ﷺلأنه - ﷺ - حفيد الخليل عليهما صلوات الله وسلامه. ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾
[ ١ / ٦٦ ]
[الأحزاب: ٣٣] فهذه في آل مولانا سيدنا محمد - ﷺ -. والبيت معهود كذلك. ورُجِّح أن ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ [الأنفال: ٥] يعني به المدينة [بحر ٤/ ٤٥٨]. وأما ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ [النور: ٣٦] فهي مساجد الجماعات [بحر ٦/ ٤٢١].
ومن ملحظ السكون والاستقرار: "بات: أدركه الليل (زمن السكون)، وبات يفعل كذا: ظل يفعله ليلًا ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]، ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٥٠] أي في جَوْف الليل. وبيّتَ فلان بَنى فلان - ض: أوقع بهم لَيْلًا ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]، وبيّت الأمر - ض: عَمِله أو دَبَّره ليلًا [ل، وطب ٨/ ٥٦٢]. ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١] زوّرت وسوَّت غير الذي تقوله لك من الطاعة، أو دبّرت غير الذي تقوله وترسم به يا محمد [بحر ٣/ ٣١٧] ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]: يُدَبِّرون ويقدِّرون من السوء ليلًا [ل] ومثلها ما في [النساء ٨١]. ثم استعمل التركيب في ما لا يقع إلا بتدبير هاديء طويل وإن لم يكن ليلًا. و"بيّت رأيه - ض: فكّر فيه وخمَّره " (من استمرار التدبر فيه حتى نضج. والاستمرار دوامُ زمنٍ في أمر واحد، وهذا من باب الاستقرار. ويتأتى أيضًا أن يكون من تعميم التبييت، أي إطلاقه عن قيد الليلية).