﷽
وأحمده (^١) على أن خوّل جزيلَ الطّوْل، وسدَّد للإصابة في الفعل والقول، وأرشد إلى مناهج الهدَى، وأنقَذ من مدارج الرّدى، حَمْدَ من وُفِّق لإصلاح ما فَسد، وتنفيق ما كسَد، ورَقْعِ ما خرَقت أيدي التحريف ورَتْق ما فتقت ألسُن التصحيف.
وأصلي على من ذَرَّت له حَلوبة البلاغة، وغزُرت في عهده أخلافُ الفصاحة، حتى استَصفَى بعد مَخْضها الزُّبَدَ (^٢). ونَفَى عن مَحْضها الزَّبد، محمدٍ الموصوفِ بالبهجة، المخصوصِ بخُلوص اللهجة، وعلى آله وأصحابه ذَوي الأوجُه الصّبِاح، والألسُن الفِصاح، وأسلم تسليمًا كثيرًا، وقبل (^٣) وبعد:
فهذا ما سَبق به الوعدُ من تهذيب مصنَّفي المترجَم «بالمُعْرِب» (^٤) وتنميقه، وترتيبه على حروف المعجم وتلفيقه. اختصرتُه لأهل المعرفة، من ذوي الحميّة والأنفَة من ارتكاب الكَلِم (^٥) المحرَّفة، بعد ما سرّحت الطَّرف في كُتبٍ لم يتعهَّدها في تلك النَّوْبة نظَري، فتقصَّيتُها
_________________
(١) معطوف على متعلق البسملة، كأنه قيل: بسم اللّه أفتتح وأحمده.
(٢) جمع زبدة، بضم الزاي.
(٣) ط: الآن وقبل.
(٤) ع: بالمغرب، بالمغرب.
(٥) ط: الكلمة.
[ ١ / ١٩ ]
حتى قضَيتُ منها وَطري، كالجامع (^١) بشرح أبي بكرٍ الرازي، والزيادات (^٢) بكَشْف الحَلْوائيّ، ومختَصر الكَرْخيّ بفَسْر (^٣) أبي الحسين القُدوري، والمنتقَى للحاكم الشهيد الشهير (^٤)، وجمع التفاريق (^٥) لشيخنا الكبير، وغيرِها من مصنَّفات فقهاء الأمصار، ومؤلّفات الأخبار والآثار.
وقد اندّرج في أثناء ذلك ما سألني عنه بعضُ المختلِفة إليّ، وما أُلقِيَ في المجالس المختلِفة عليّ ثم فرّقتُ ما اجتمع لديّ وارتفع إليّ، من تلك الكلمات المُشْكِلة، والتركيبات المُعْضِلة، على أخواتٍ لها وأشكال، خالعًا عنها ربْقة الإشكال، حتى انضوى كلٌّ إلى مَأرِزه (^٦) واستقرّ في مركزه، ناهجًا فيه طريقًا لا يَضِلّ سالِكه، ولا تَجهَل (^٧) عليه مَسالِكه، بل يهجُم بالطالب على الطَلَب (^٨)، عفوًا من غير ما تَعب.
والذي اتَّجه لتلفيقه اختياري من البين ترتيبُ كتاب الغريبين (^٩)،
_________________
(١) في فروع الحفية، وهما كتابان: الجامع الصغير والجامع الكبير، لمحمد بن الحسن الشيباني المتوفى ١٨٧ هـ. وقد شرحهما أبو بكر الجصاص الرازي المتوفى ٣٧٠ هـ.
(٢) في فروع الحنفية، ألفه محمد بن الحسن الشيباني، وممن شرحه شمس الأئمة عبد العزيز الحلوائي (- ٤٤٨ هـ).
(٣) الفسر: الشرح والتفسير. والكرخي هو عبد اللَّه بن الحسين (- ٣٤٠ هـ) ومختصره في فروع الحنفية، شرحه جماعة منهم أحمد القدوري (- ٤٢٨ هـ).
(٤) قتله الأتراك في مرو (٣٣٤ هـ) وكتابه (المنتقى) في فروع المسائل.
(٥) في الفروع، لمحمد البقالي الخوارزمي الحنفي (- ٥٨٦ هـ).
(٦) المأرز، كمجلس: الملجأ.
(٧) أي لا تشق ولا تصعب.
(٨) ط: المطلب.
(٩) يعني غريب القرآن والحديث لأبي عبيد الهروي (- ٤٠١ هـ).
[ ١ / ٢٠ ]
إذْ هو الأكثرَ بينهم تَداولًا، والأسْهَل عندهم تَناولًا، فقدَّمت ما فاؤه همزةٌ ثم ما فاؤه باءٌ حتى أتيتُ على الحروف كلِّها، وراعيتُ بعد الفاء العينَ ثم اللامَ ولم أراع فيما عدا الثلاثيَّ بعد الحرفين إلا الحرفَ الأخير الأصليّ، ولم أعتدَّ في أوائلِ الكَلِم بالهمزة الزائدة للقطع أو للوصْل (^١) ولا بالمبدَلة في أواخرها وإن كانت من حرفٍ (^٢) أصلٍ، ولا بنونِ فَنعْلٍ (^٣)، ولا بالواو وأُختها في فَوْعلٍ وفَعْوَل، وربما فسَّرت الشيءَ مع لِفْقه (^٤)، في موضع ليس بوَفْقه. لئلا ينقطع الكلام ويتضلَّع (^٥) النظام. ثم إذا انتهيتُ إلى موضعه الذي يقتضيه أثبتُّه غير مفسّر فيه، كل ذلك تقريبًا للبعيد، وتسهيلًا على المستفيد.
ثم ذيَّلْت الكتاب بذكْر ما وقع في أصل «المُعْرب» من حروف المعاني، وتصريفِ كلماتٍ متفاوتةِ المباني، وشيءٍ من مسائل الإعراب بلا إسهابٍ ولا إغرابٍ في عدّة فصول، محكمة الأصول، كثيرةِ المحصول. وأما ما اتَّفق لي من بسْط التأويل، فيما تضمَّن الكتابُ من آي التنزيل، وغير ذلك من بثّ الأسرار، وما يختصّ بعلم التاريخ والأخبار، فباقيةٌ على سَكِناتها (^٦)، متروكَةٌ على مَكِناتها (^٧)، لم يُرفع عنها الحجابُ، ولم يَحْلَ بها [هذا] (^٨) الكتاب. ولقد تلطَّفت في الإدماج والوصل، بين الألفاظ المتَّحدة الأصل، حتى عادت بعد تباينها ملتئمة، وعلى تبدّدها منتظِمة. وأعرَضتْ (^٩) لطالبها مُصحَبةً في قِران، لا كما يَسْتَعصي على قائِدِه في حِرَانٍ، وترجمتُه بكتاب «المُغْرِب في ترتيب المُعْرِب» لغرابة تصنيفه، ورصانة ترصيفه، ولقرابةٍ بين الفرع والمَنْمَى، والنتيجة والمُنْتَمى. وإلى اللّه ﷾ أبتهل في أن ينفعني به وأئمةَ الاسلام، ويجمعني وإياهم ببركات جمعه في دار السلام.
_________________
(١) ط: الوصل.
(٢) ط: حروف.
(٣) ط: في فنعل.
(٤) اللفق: شقة الثوب.
(٥) أي يعوج.
(٦) جمع سكنة وهي في الأصل مقر الرأس من العنق.
(٧) مكنات الطير: بيضها.
(٨) زيادة من ع، ط.
(٩) أي ظهرت.
[ ١ / ٢١ ]