١ - صدّر كراعٌ كتابَه بمقدِّمهَ قصيرةٍ، شرح فيها منهجه على الوجه الآتي:
(أ) هذا كتابٌ ألَّفْتُه فيما اجتمعت عليه الخاصّةُ والعامّةُ من الألفاظ التى عَمّت مرائيها، وخصت معانيها.
(ب) الكتاب مقسم إلى ستة أبواب:
الباب الأول منها: في ذكر أعضاءِ البَدَن من الرّأس إلى القَدَم.
والباب الثاني: في ذكر صنُوف اَلحيوانِ من الناس والسِّباع والبهائم والهَوامّ.
والباب الثالث: في ذكرِ الطَّير: الصوائد منها، والبغاث، وغير ذلك.
والباب الرابع: في ذكر السِّلاخ وما قاربه.
والباب الخامس: في ذكر السماءِ وما يليها.
(ج) وفي هذا الباب (السادس) ٢٨ فصلًا، على عدد حروف الهجاء من الألف إلى الياء.
(د) أثبت في كلِّ باب ما سَنَح من الشواهد .. ممّا يكون فيه الدَّلالة دون الإكثار والإطالة.
٢ - وتلا ذلك بالمادة اللغوية موزَّعة على أبوابها.
[ ١٨ ]
وحيث كانت مقدمةُ كراع مختَصَرةً جدًا لا تفي بالمُرادِ، فإننا نُضِيف إليها النِّقاط الآتية:
(أ) تَقِلُّ كلماتُ كل باب من الأبواب الخمسة الأولى عن مائة، أما كلمات الباب السادس فتقرب من سبعمائة.
(ب) ليس هناك أي من الترتيب في الأبواب الخمسة الأولى نظرًا لصغر حجمها.
أما الباب السادس فقد رَتَّب كراعٌ كلماتِهِ ترتيبًا هجائِيًّا بحسب أوائلها، بغضِّ النظر عن كونِها أصليَّة أو زائدة (١). وقد راعى في الترتيب ثوانى الكلمات كذلك.
(ج) مراعاة للاختصار ترك كَراعٌ الإشارةَ إلى معنى الكلمة المفهوم من عنوان الباب (إلا إذا كان يتّسِمُ بشيء من الغموض) واكتفى بذكر سائر المعانى. ولهذا فإنه في الباب الأول لم يشرح معانى الكلمات: الرأس، والجمجمة، والوجه، والجبهة، والحاجب، باعتبارها أجزاء من البدن. وإنما ذكر معانيها الأخرى، كقوله -عن الرأس-: إنها لمكة، والرأس أيضا: الرئيس. ولكن في كلمات مثل: عارِض اللحية، أو القَطَن، كان لابد أن يشير إلى معانِيها كلِّها: نظرًا لغُموض معناها، كأجزاء من البدن. ولذا قال في شرحهما: عارض اللحية: الشعرُ النابتُ على الخَدّ، والقَطَن: أصلُ الذَّنَبِ من الطائر، ومن الإنسان: ما بين الوَرِكَيْن إلى عَجْبِ الذَّنَب.
_________________
(١) فهو مثلا يضع أشوه في فصل الألف. وشوهاء في فصل الشين. وهو مثلا يضع المجاعة -من الجوع- مع المجاعة من المجع (وهو الفحش).
[ ١٩ ]
(د) والسؤال الآن هو: ما دام الكتاب مقسَّمًا إلى أبواب بحسب المعاني، وما دامت كل كلمة وردت في هذا الكتاب تحوي أكثر من معنى مما قد يجوَّز وضعها في أكثر من باب، فَتَحْتَ أي باب كان يضع كراع الكلمهَ؟ وبعبارة أخرى: هل كان لدى كُراع أي وسيلة للتمييز بين المعنى الأولى الذي يطابقُ عنوانَ البابِ وسائرٍ المعاني؟
ولتوضيح هذا السؤال دعنا نأخذ كلمة "الهلال" التى تعني "هلال السماء" و"الغبار" و"الحية" وغيرها. فبالنظر إلى المعنى الأول يجب وضع الكلمه في الباب الخامس، إلى المعنى الثاني في الباب الساس، وإلى المعنى الثالث في الباب الثاني. ولكن كُراعًا نظر إلى المعنى الأول فوضع الكلمة في الباب الخامس. هل هناك من سبب لذلك؟
يبدو أن كُراعًا بنى تمييزه بين المعانى على أساس أنّ ما يرد منها على الذهن أوَّلًا يجب أن ينظر إليه باعتباره المعنى الأساسي أو الرئيسي، وما سوى ذلك يعدُّ معانيَ ثانوية أو فرعية. ومن أجل هذا وضع كُراعٌ كلمةَ "السيف" في الباب الرابع، مع أن معناها كشعر ذنب الفرس يرشَّحُ وضْعَها في باب آخر. وكذلك فعل مع كلمهَ "وتر" التى تعني "وتر القوس" و"من الفرس: ما بين الأرْنَبة وأعلى الجَحْفَلة" و"من اليَدِ: ما بين الأصابع" و"من اللسان: العَصَبة تحته".
(هـ) ومما تجدر الإشارة إليه كذلك أنَّ كُراعًا كان حريصًا كلَّ الحرص على أن يوضحَ معنى الكلمة غايةَ الإيضاح بوضعها في عبارات مفيدة، كقوله: يُقال: هم يَدٌ على مَن سِواهم: إذا كان أمرهم واحِدًا، وأعطيته مالًا عن ظهْرِ يَدٍ: يعني تفضُّلًا، ليس من بيع ولا قرض ولا مكافأة،
[ ٢٠ ]
وخَلَع يَدَه من الطاعةِ، وثوبٌ قصيرُ اليدِ: إذا كان يَقصُرُ أن يُلتَحَف به واليد: الغني والقدرة، تقول: عليه يَدٌ، أى: قدرة .. ولا آتيه يَدَ الدَّهر: يعني الدَّهر كُلَّه، ولقيته أوَّلَ ذاتِ يَدَيْنِ، أي: أولَ شيءٍ"
(و) كذلك من المُفيدِ أن نُشِير إلى أنَّ كُراعًا ضمَّن كتابه كثيرًا من الكلماتِ
اللَّهجية الخاصة بالجنوب العربي -موطنه الأول- ومن ذلك قوله: المِقْود: الأنف عند أهل اليمن، وقوله: الواقف -بلغه أهل اليمن- القدم. وفي الورقة السابعة وحدها توجد أربع كلمات يمنية أخرى.
(ز) كذلك ضمَّن كراع كتابه بعضَ التعبيرات المُعَيَّنة التي ربما كانت تمثل عربية مصر في وقته. ومن ذلك قوله:
١ - يقال: رفَّ الحاجب: اخْتَلَج.
٢ - يقال: فشّ القفلَ: إذا فَتَحه بغير مِفتاح.
٣ - يقال: فَحَم الصبيُّ: إذا بكى حتى ينقطع صوتُه.
٤ - يقال -للذي يُوزَنُ به-: الصَّنْجَة، والعامة تقول: السنجة.
وما زالت هذه التعبيرات شائعةَ الاستعمالِ في مصر حتى الآن.
ومن الأهمية بمكانٍ أن نُشيرَ إلى أننا لم نجد هذه التعبيرات في جَمْهرةِ ابنِ دُرَيْد. مع أنَّ ابنَ دُرَيد كان مُعاصرًا لكُراع، ولكنَّهَ كان يَعيشُ في بِيئَة أخرى.
(ح) وأخيرًا لابدّ أن نُشير إلى أن نظامَ هذا الكتابِ لم يكن مألوفًا لدى اللُّغويين. ولا يوجد كِتابٌ في المُشْتَركِ اللفظُ اتبعه، سواء كان قبل كراع أو بعده. وإنما اتبع هذا النظام في كتب المُترادفات، حيث قُسّمت إلى أبوابٍ بحسبِ المعاني. ولعلَّ هذا هو السرُّ في الخَطأ الذى وقع
[ ٢١ ]
فيه الدكتور حسين نصار حين وصفَ كتاب كُراعٍ بأنه كتابُ مترادِفات (١).