غريب الحديث، هو كما قال ابن الصلاح ﵀ في تعريفه: (ما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة من الفهم؛ لقلة استعمالها). (^١)
وتكمن أهميته في أنه بوابة لفهم الحديث النبوي؛ فلا يمكن معرفة المراد على وجهه الصحيح دون فتح مقفل الألفاظ الفصيحة التي تبعد عن أفهام الناس، بسبب قلة استعمالها، وبُعد الناس في القرون اللاحقة عن الفصحى، وانتشار اللحن، فاحتاج الناس للمعاجم اللغوي، وبيان غريب القرآن والسنة النبوية.
قال أبو منصور الأزهري (ت ٣٧٠ هـ) ﵀: (فعلينا أَنْ نجتهدَ فِي تعلُّم مَا يُتوصَّل بتعلمه إِلَى معرفَة ضروب خطاب الكتاب، ثمَّ السُّنن المبيِّنة لجمل التَّنزِيل، الموضِّحَةِ للتأويل؛ لتَنْتَفِيَ عَنَّا الشبهةُ الداخلةُ على كَثيرٍ مِنْ رُؤَسَاءِ أهلِ الزَّيْغ والإلحاد، ثُمَّ على رُؤوسِ ذَوي الْأَهْوَاء والبِدَع، الَّذين تأوَّلوا بآرائهم المَدخُولَةِ فأخطئوا، وتكلَّموا فِي كتاب اللهِ جَلَّ وعَزَّ بلَكْنَتِهِم العَجَمِيَّةِ دُونَ مَعرفَةٍ ثاقِبَةٍ، فضَلُّوا وأَضَلُّوا). (^٢)
_________________
(١) «علوم الحديث» (ص ٢٧٢).
(٢) «تهذيب اللغة» (١/ ٦).
[ ١٠ ]
وقد ذكر ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀ من أسباب الاختلاف بين العلماء: عدم المعرفة بدلالة الحديث، تارةً لغرابة لفظِه عند العالِم، وتارةً لكون معناه في لغته وعُرْفه غير معناه في لُغةِ النبي ﷺ، وهو يحملُه على ما يفهَمُه في لُغتِه، بناءً على أن الأصل بقاء اللغة. (^١)
قال ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) ﵀ عن علم غريب الحديث: (فَنٌّ مُهمٌّ يقبُحُ جَهلُهُ بأهلِ الحَديثِ خاصَّةً، ثمَّ بأهلِ العِلْمِ عامَّةً، والخَوضُ فيهِ لَيسَ بِالهَيِّنِ، والخَائِضُ فيهِ حَقِيقٌ بِالتَّحَرِّي، جَدِيرٌ بِالتَّوَقِّي). (^٢)
قال النووي (ت ٦٧٦ هـ) ﵀: (وَهُوَ فَنٌّ مُهِمٌّ، وَالخَوْضُ فِيْهِ صَعْبٌ، فَلْيَتَحَرَّ خَائِضُهُ، وَكَانَ السَّلَفُ يَتَثَبَّتُوْنَ فِيْهِ أَشَدَّ تَثَبُّتِ). (^٣)
قال السخاوي (ت ٩١١ هـ) ﵀: (وَهُوَ مِنْ مَهَمَّاتِ الْفَنِّ؛ لِتَوَقُّفِ التَّلَفُّظِ بِبَعْضِ الْأَلْفَاظِ فَضْلًا عَنْ فَهْمِهَا عَلَيْهِ. وَتَتَأَكَّدُ الْعِنَايَةُ بِهِ لِمَنْ يَرْوِي بِالْمَعْنَى). (^٤)
_________________
(١) «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» (ص ١٣٩).
(٢) «علوم الحديث» (ص ٢٧٢).
(٣) «تدريب الراوي شرح تقريب النوواي» للسيوطي (٢/ ٧٦٣).
(٤) «فتح المغيث» للسخاوي (٣/ ٤١٢). وانظر: «الوجيز في علم غريب الحديث» للعلايمي (ص ٣٩)، «القول الحثيث في غريب الحديث» للشهري (ص ٢٣٨)، «غريب الحديث وعناية المسلمين به» لبازمول (ص ٥٦).
[ ١١ ]
وقد اعتنى علماء الإسلام ﵏ أجمعين، وجزاهم خيرًا كثيرًا ببيان ما قد يشكل على طلبة العلم من غريب الحديث، سواء كان الغريب في حديث رسول الله ﷺ وهو الأصل، أو في حديث الصحابة والتابعين (^١)، فقد تكلم في البيان عدد من أتباع التابعين، حتى منتصف القرن الثالث، فبدأ التصنيف في غريب الحديث. (^٢)
من أبرز من ألَّف في ذلك: النضر بن شُميل (ت ٢٠٤ هـ)، والباجُدَّائي (ت ٢٠٤ هـ)، وأبو عمرو الشيباني (ت ٢٠٦ هـ)، وقطرب (ت ٢٠٦ هـ)، ويحيى الفراء (ت ٢٠٧ هـ)، وأبو عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢٠٩ هـ)، والأصمعي (ت ٢١٦ هـ)، وأبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ) (^٣)، وابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ)، وإبراهيم الحربي (ت ٢٨٥ هـ)، والمبرِّد (ت ٢٨٦ هـ)، وأبو العباس ثعلب (ت ٢٩١ هـ)، والسرقسطي (ت ٣٠٢ هـ)،
_________________
(١) «مجد الدين بن الأثير وجهوده في علم غريب الحديث» أ. د. محمود الطناحي (في اللغة والأدب ١/ ٣٩٣).
(٢) أثنى على جهود السلف والخلف في هذا بكلمات جميلة: الحافظ عبد الغافر الفارسي (٥٢٩ هـ) في مقدمة كتابه «مجمع الغرائب ومنبع الرغائب» (١/ ١٦٣).
(٣) على يديه البداية الحقيقية للتصنيف في علم غريب الحديث. قاله أ. د. محمود الطناحي في: «مجد الدين بن الأثير وجهوده في علم غريب الحديث» (في اللغة والأدب ١/ ٣٩٧).
[ ١٢ ]
وأبو محمد الأنباري (ت ٣٠٤ هـ)، والخطابي (ت ٣٨٨ هـ)، وأبو عبيد الهروي (ت ٤٠١ هـ)، وأبو منصور السمعاني (ت ٤٥٠ هـ)، ومحمد الحميدي (ت ٤٨٨ هـ) في «تفسير غريب ما في الصحيحين»، وعبد الغافر الفارسي (ت ٥٢٩ هـ)، والزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)، والقاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ)، وأبو موسى المديني (ت ٥٨١ هـ)، وابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، وابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ)، وغيرهم.
وقد عرض ابن الأثير ﵀ في مقدمة كتابه «النهاية» أهم الكتب المصنفة في هذا العلم، مع وصفها بإيجاز، وذكَر ما ينقصها.
هذا، وقد اختُلِف في أوَّل من ألَّف في «غريب الحديث» فقيل: النضر بن شميل، وقيل: معمر بن المثنى وهو الأرجح. (^١)
_________________
(١) قال أ. د. الطناحي: يكاد الإجماع ينعقد على أن أبا عبيدة معمر أول من صنَّف. انظر: «فتح المغيث» للسخاوي (٣/ ٤١٦)، «معجم المعاجم» لأحمد الشرقاوي (ص ٢٣)، «الوجيز في علم غريب الحديث» للعلايمي (ص ٤٩)،، «معجم الموضوعات المطروقة في التأليف الإسلامي» للحَبشي (٣/ ٤٤٥ - ٤٤٨)، «مجد الدين بن الأثير وجهوده في علم غريب الحديث» أ. د. محمود الطناحي (في اللغة والأدب ١/ ٣٩٧)، «معجم المعاجم» لأحمد الشرقاوي إقبال (ص ٢٣ - ٣٦)، «القول الحثيث في غريب الحديث» د. ملفي الشهري (ص ٢٦٩). ومن عناية المعاصرين بهذا العلم، انظر: «معجم الموضوعات المطروقة في التأليف الحديث» للحَبشي (٣/ ٥٠٨). فائدة: ذكر الأديب الرافعي (ت ١٣٥٦ هـ) ﵀ في «تاريخ آداب العرب» (١/ ٢٨٨) أنَّ رواة الأدب هم الذين جعلوا غريب الحديث علمًا، وخَصَّوه بالتدوين، وأوَّلُ مَنْ فعل ذلك منهم أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢١١ هـ) ثم ذكر النضر بن شميل، ثم الأصمعي، ثم قطرب، ثم أبو عُبيد القاسم بن سلام ووصفه بأنه الذي قرَّر هذا الفن، ثم تعقبه ابن قتيبة، ثم تتابع أهل اللغة بعد ذلك على التصنيف في علم غريب الحديث. وقال في موضع آخر «تاريخ آداب العرب» (٢/ ٣٢٢) عن مؤلفي كتب غريب الحديث: (… وهم يقتصرون على إيراد الألفاظ وتأويلها، ويُقفلون ما وراء ذلك من تاريخ اللفظ، ونَسَبِهِ في القبائل، وتَسلْسُلِه في الألسنة، فأحيوا بعمَلِهم فُروعًا في اللغة، وأماتُوا فُروعًَا في التاريخ، كما بسطناه في باب اللغة من تاريخ آداب العرب).
[ ١٣ ]