١. تأويله عددًا من صفات الله ﷾، مخالفًا ما عليه الصحابةُ والتابعون وتابعوهم، وأئمةُ الإسلام بإثبات الصفات كما وردت، من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف. (^٣)
٢. مِنْ منهجه الذي نص عليه أن يُورد كثيرًا من ألفاظ الغريب وَفْقَ لفظِها المنطوقِ به، وليس وفْقَ منهج أصحاب المعاجم، في تجريد الكلمة من الأحرف الزائدة، وإيرادها وفْقَ جذرها الثلاثي، أو الرباعي. وحُجَّته في
_________________
(١) «النهاية» (٣/ ٢٠٢).
(٢) «النهاية» (٣/ ٤٣٨)، وانظر: «مجد الدين بن الأثير وجهوده في علم غريب الحديث» أ. د. محمود الطناحي (في اللغة والأدب ١/ ٤١١)، ومقدمة تحقيق أ. د. الخراط ل «النهاية» (١/ ٥٨).
(٣) قارن بالمصادر التالية: «الإبانة» لأبي الحسن الأشعري، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للالكائي، و«شرح السنة» للمزني، و«السنة» لعبد الله بن أحمد، و«شرح السنة» للبربهاري، و«اعتقاد أئمة الحديث» للإسماعيلي، و«الإبانة» لابن بطة، وغيرها.
[ ٦٢ ]
ذلك كما يقول: وإنما أَوْرَدْنَاها هاهنا حملًا على ظاهر لفظها. (^١)
ويقول: (إلا أني وجدت في الحديث كلماتٍ كثيرة، في أوائلها حروف زائدة، قد بُنِيت الكلمة عليها حتى صارت من نفسها، وكان يلتبس موضعها الأصلي على طالبها، لاسيما وأكثر طلبة غريب الحديث لا يكادون يُفَرِّقون بين الأصلي والزائد، فرأيت أن أُثبتها في باب الحرف الذي هو في أولها وإن لم يكن أصليًا، ونَبَّهْتُ عند ذكرِه، لئلا يراها أحدٌ في غير بابها، فيظن أني وضَعْتُها فيه للجهل بها). (^٢)
ولم يكن هذا المنهج منه مطردًا، فقد عمل به في بعض الكلمات، وأغفله في كلمات أخرى. وقد لحظ ابنُ منظور في «اللسان» هذا الاضطراب في منهج ابن الأثير فقال: (غير أنه لم يضع الكلمات في محلِّها، ولا راعى زائد حروفها من أصلها). (^٣)
مثاله: أورد في مادة (أبرد) في باب الهمزة، حديث: «إنَّ البطيخ يقلَعُ الإبْرِدَة»، وشرَحَها، ثم قال: وهمزتها زائدة، وإنما أوردناها هاهنا حملًا على
_________________
(١) «النهاية» (١/ ١٤).
(٢) «النهاية» (١/ ١١)، وانظر مقدمة تحقيق أ. د. الخراط لِ «النهاية» (١/ ٧١)، و«الدراسات اللغوية عند مجد الدين بن الأثير» أ. د. سعود آل حسين (ص ٦٩ و٧٢).
(٣) «اللسان» (١/ ٨).
[ ٦٣ ]
ظاهر لفظها. وفي مادة (برد) لم يُورد هذا الحديث، ولم يُشر إلى شيءٍ منه. (^١)
وأورد في مادة (أجدل) في باب الهمزة حديث: «يهوي هُوِيَّ الأجادل»، وشرحها ثم قال: والهمزة فيها زائدة. وفي مادة (جدل) لم يُورد الحديث. (^٢)
وأورد في مادة (إذْخر) في باب الهمزة حديث: «إلا الإِذْخِر»، ثم قال: وهمزتها زائدة، وإنما ذكرناها هاهنا حملًا على ظاهر لفظها. وفي مادة (ذخر) لم يورد الحديث. (^٣)
لذلك انتقده ابن منظور (ت ٧١١ هـ) فقال في مقدمة كتابه «لسان العرب» عن ابن الأثير: (قد جاءَ في ذلك بالنهاية، وجاوَزَ في الجَودَة حدَّ الغايَة، غيرَ أنه لم يَضعْ الكلمات في محَلِّها، ولا راعى زائدَ حُرُوفِها مِنْ أَصلِها؛ فوضَعتُ كُلًّا مِنهَا في مَكانِهِ، وأظهَرتُهُ مع بُرْهَانِهِ). (^٤)
٣. عامة ما في «النهاية» من كتابَي: الهروي، وأبي موسى، وقد أشار لِمَا نقَلَ منهما، وهناك شروح ومواد أُخذت من غيرهما من كتب الغريب، ولم يُنبِّه على ذلك.
_________________
(١) «النهاية» (١/ ١٤).
(٢) «النهاية» (١/ ٢٥).
(٣) «النهاية» (١/ ٣٣).
(٤) «لسان العرب» (١/ ٨).
[ ٦٤ ]
٤. يقول في مقدمته: (وجعلتُ على ما فيه من كتاب الهروي «هاء» بالحمرة، وعلى ما فيه من كتاب أبي موسى «سينًا»، وما أضفته من غيرهما مهملًا، بغير علامة؛ ليتميَّز ما فيهما عمَّا ليس فيهما). (^١) ويعني بذلك أنَّ ما اقتبسه من كلٍ من الكتابين بَيِّنٌ معلوم، بيد أنَّ الموازنة (^٢) بين ماهو مسجَّل على النسخة المطبوعة من «النهاية»، والنسخة المطبوعة لكلٍ من كتابي: الهروي وأبي موسى، تُظْهِرُ أنَّ ما ذكره ابن الأثير غير دقيق؛ لأنَّ كثيرًا من النصوص التي ليس لها علامة، ويُفْترض أنَّها ليست فيهما، هي مودعةٌ في أحد الكتابين، كما أنَّ كثيرًا من النصوص المسبوقة بعلامة لأحدهما ليست فيه، وإنما هي لغيره أو لصاحبه، ويحتمل أن هذا الخلل من النُّسَّاخ، وليس في أصل كتاب ابن الأثير، خاصة مع وجود اختلاف في الألفاظ والأحاديث المنقولة من الكتابين. (^٣)
_________________
(١) «النهاية» (١/ ١١).
(٢) والحديث هنا من بحث أ. د. الخراط، وانظر: وانظر مقدمة تحقيقه أ. د. الخراط لِ «النهاية» (١/ ٧٦)، و«ابن الأثير المحدِّث ومنهجه في كتاب النهاية» لأميمة بنت رشيد (ص ١٩٨، ٢٠٠).
(٣) ومن أمثلة الموازنة بين النهاية والغريبين: في «النهاية» (١/ ١٣٢) (هـ): ومنه حديث تبوك: «والعين تَبِضُّ بشيء من ماء». ولم يرد هذا الحديث في «الغريبين». وفي «الغريبين» (١/ ١٨٥): «أنَّه كان يُبْعِد في المذهب إلى الخلاء». وورد في «النهاية» (١/ ١٣٩) من غير إشارة إلى كتاب الهروي. وورد في «الغريبين» (١/ ١٨٨): «العجوةُ شفاءٌ من السّم ونزل بَعْلُها من الجنة» وورد كذلك في «النهاية» (١/ ١٤٢) من غير أن يتقدمه الحرف (هـ).
[ ٦٥ ]
وهذه العلامات لا تعني رمزًا لاقتباس المادة العلمية التابعة للتأصيل اللغوي، وإنما تعني اقتباس نصِّ الحديث الغريب فقط، وعزوه لأحد الكتابين: «الغريبين»، أو «المجموع المغيث»؛ وذلك لأننا لدى الموازنة بين المادة العلمية الواردة في «النهاية» وهذين الكتابين، نجد أنَّ عملية الاقتباس لا تنضبط، فكثير من هذه المادة العلمية الواردة في «النهاية» مسبوقة بِ «هـ» و«س» ليست في كتابَيْ الهروي وأبي موسى، وكثير من المادة الواردة في «النهاية» مسبوقة ب «هـ» وحدها ليست في كتاب الهروي، أو مسبوقة بِ «س» وحدها ليست في كتاب أبي موسى.
وكذلك قد تَرِد مادةٌ علمية في «النهاية» غير مسبوقة بعلامة «هـ» أو «س»، وهي واردة فعلًا في أحد الكتابين، وهذا الأمر كثير في «النهاية» لا يحتاج إلى تمثيل، وإنَّما يظهر بأدنى تأمل.
وممَّا يؤكد أنَّ علامَتَي «هـ»، «س» عند ابن الأثير لا تعني اقتباس مادة علمية، وإنما تعني اقتباس نصّ حديث غريب قوله في مقدمته وهو يصف الكتابين: (فاتهما الكثير الوافر، فحيث عرفتُ ذلك، تنبَّهتُ لاعتبار غير هذين الكتابين من كتب الحديث المدوَّنة المصنَّفة، في أول الزمان وأوسطه وآخره،
[ ٦٦ ]
فتتبَّعْتُها واستقريت ما حضرني منها، وأضفتُ ما عثرتُ عليه من الغرائب إلى ما في كتابيهما في حروفها مع نظائرها). (^١)
لقد لحظ ابنُ الأثير أنَّ ثمة مادةً من غريب الحديث قد فاتت هذين الكتابين؛ فاضطر للبحث عنها في غيرهذين الكتابين، يقول: (فتتبعتُها وأضفت ماعثرت عليه من الغرائب إلى ما في كتابيهما في حروفها مع نظائرها). (^٢) فهو إذن يأخذ من كتابَيْ الهروي وأبي موسى أحاديث غريبة ويميزها بين الحرفين «هـ»، «س»، والذي ترجَّح لي والحديث للدكتور أحمد الخراط أنَّه لا يعني المادة العلمية، وإنَّما يعني نصوص غريب الحديث.
مثال ذلك: ورد في «النهاية» في مادة «أبل» (^٣) بعد الحرف «س»: وقيل: هو من الوبال، فإن كان من الأول فقد قُلبت همزته في الرواية الثانية واوًا، وإن كان من الثاني فقد قُلبت واوه في الرواية الأولى همزة. وهذا كله ليس في كتاب أبي موسى. (^٤)
وأورد ابن الأثير في المادة نفسها (^٥): («س» يعني أنَّ المَرْضِيَّ
_________________
(١) «النهاية» (١/ ١٠).
(٢) «النهاية» (١/ ١٠).
(٣) «النهاية» (١/ ١٥).
(٤) انظر: «المجموع المغيث» لأبي موسى (١/ ١٩).
(٥) «النهاية» (١/ ١٥).
[ ٦٧ ]
المنتخب من الناس في عزَّة وجوده، كالنجيب من الإبل القوي على الأحمال والأسفار الذي لا يوجد في كثير من الإبل. قال الزهري: …). وهذا كله ليس في كتاب أبي موسى (^١)، وإنَّما في كتاب أبي موسى نصُّ الحديثين: «لا تبع الثمرة»، و«الناس كإبل مئة».
ذكر كثيرًا مما سبق أ. د. أحمد الخراط وقال: بناءً على هذا أرجِّح أن تكون علامتا (س، هـ) الواردتان في «النهاية» رمزَين لاقتباسه نصَّ حديث غريب من كتابَيْ الهروي وأبي موسى، ولا تدلان على اقتباس مادة علمية في شرح الحديث الغريب. (^٢)
٥. عدم التنبيه على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وهذا تبع لمن سبقه، وعليه عامة من كتب في الغريب؛ لأن القصد هو شرح المفردة الغريبة، أما بيان الصحة والضعف فلها كتب أخرى، ولو أراد أصحاب الفن تمييز ذلك، لطالت الكتب كثيرًا، نظرًا لكثرة الأحاديث.
_________________
(١) انظر: «المجموع المغيث» (١/ ١٩).
(٢) «منهج ابن الأثير في نهاية» د. أحمد الخراط، وانظر: «ابن الأثير ومنهجه في النهاية» لأميمة بنت رشيد (ص ١٩٨، ٢٠٠)، و«الدراسات اللغوية عند مجد الدين بن الأثير» أ. د. سعود آل حسين (ص ٥٧) وذكر (ص ٥٩) أن الكتاب ملئ بهذه الأخطاء في الإحالات والرموز.
[ ٦٨ ]
٦. كثرة نقله عن الزمخشري دون عزو أو إحالة. (^١)
٧. وله ﵀ أوهام يسيرة، لا يخلو منها كتاب بشري، فضلًا عن معجم كبير متعدد العلوم والمعارف، والوهم من طبيعة البشَر. (^٢)
* * *
_________________
(١) سبق ذكر كلام أ. د. الطناحي في مسألة عن تأثُّر ابن الأثير بمَن قبله.
(٢) انظر: «مجد الدين بن الأثير وجهوده في علم غريب الحديث» أ. د. محمود الطناحي (في اللغة والأدب ١/ ٤١٣ و٤٢٠).
[ ٦٩ ]