رتَّب المادة وفْقَ الحروف الهجائية، بدأ في اختيار الحرف الأخير من الكلمة بعد تجريدها من الحروف الزائدة، ورَدِّ الحرف الأصليِّ المحذوف، ثم العودة إلى الحرف الأول من الكلمة.
وقد يذكر أصل الكلمة بعد أن يوردها على ظاهر لفظها، وأحيانًا يكررها بوضعها في حقِّ موضعها، فيذكرها مرتين، مرة على ظاهر اللفظ ويبالغُ في ذلك أحيانًا، ومرة على حقِّ اللفظ، مثلًا «آبض» و«الأفكل». (^١)
إذا كان الحديث الواحد يتضمن أكثر من مفردة غريبة، فإنه يُوَزِّع نصَّ الحديث إلى مقطعات عديدة، فيذكر كل لفظ غريب وفْقَ ترتيبه الهجائي
_________________
(١) «النهاية» (١/ ١٥)، و(٤/ ٢٨٨)، ولم يلتزم ابن الأثير هذا المنهج في أبواب الكتاب كله. أفاده: أ. د. محمود الطناحي «مجد الدين بن الأثير وجهوده في علم غريب الحديث» (في اللغة والأدب ١/ ٤٠١ - ٤٠٤)، وانظر: «الدراسات اللغوية عند مجد الدين بن الأثير» أ. د. سعود آل حسين (ص ٦٩).
[ ٥٠ ]
الأول. بخلاف الزمخشري في «الفائق» فإنه يَسْرد النص كاملًا وفق الترتيب الهجائي لأول لفظٍ غريب، ثم يَذْكر اللفظ الغريب الثاني في الموضع نفسه.
بدأ بحرف الهمزة، ويندرج تحته عنوان بارز: «باب الهمزة مع الباء»، وتحت هذا العنوان مادة أَبب، ثم مادة أبد، ثم أبر، أبس، أَبض، وهكذا، ويراعي ترتيب الأوائل فالثواني فالثوالث داخل المادة الواحدة.
يكرر إيراد الحديث الذي تضمن أكثر من لفظة غريبة بحسب موقعها من الترتيب الهجائي: فيشرح اللفظة الغريبة التي تدخل في المادة اللغوية التي عقدها، فإن ورد غريبان أو أكثر في الحديث نفسه، اكتفى بغريب الباب، وإن أراد المُراجِع معرفة باقي غريب الحديث الذي أورده فَلْيتتبَّعْ مَظانَّه في سائر المواد وَفْقَ حرفه الهجائي، بيد أنَّ ابن الأثير في أحيان نادرة يضطر إلى شرح ألفاظ الحديث مجتمعةً، فإنَّه إذا فُرِّقَ لا يكاد يُفهم الغرض منه، وذلك كما في الحديث: «وإنَّ ممَّا يُنْبِتُ الربيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ، إلا آكلة الخَضِر فإنها أكلَتْ، حتى إذا امتدَّتْ خاصِرتاها استقبلَتْ عينَ الشمسِ فثَلَطَتْ وبالَتْ ثم رَتَعَتْ …». (^١)
_________________
(١) «النهاية» (٢/ ٤٠)، وانظر: «ابن الأثير المحدِّث ومنهجه في كتاب النهاية» د. أميمة بنت رشيد بدرالدين (ص ٢٢٠)، و«مجد الدين بن الأثير وجهوده في علم غريب الحديث» أ. د. محمود الطناحي (في اللغة والأدب ١/ ٤١٠).
[ ٥١ ]
وفي حديث الكوثر: (طِينُه المِسْكُ، ورَضْراضُه التُّوم»، يقول: «الرَّضْراض: الحصى الصِّغار، والتُّوم: الدُّرُّ). (^١)
وحديثُه في المادة يختلف طُولًا وقصرًا (^٢)، فتجد في المادة اللغوية الواحدة عشرات النصوص من أحاديث الغريب، وذلك من مثل: هود، خلف، ركب، دين، دخل، سمع، وفي مقابل ذلك قد لا يتوافر في بعض المواد أكثر من حديث غريب واحد في المادة من مثل: رصح، رصغ، رتت، رتم، رثأ.
وقد يورد مادةً لغويةً ولا يذكر ضمنَها أيَّ حديث، وإنما يشير إلى تكرار ذكر لفظة معينة، فيتحدث عنها مفردةً، كقوله في «هَلُمَّ»: (قد تكرر في الحديث ذكر «هَلُمَّ» ومعناه: تعال، ومنه لغتان، فأهل الحجاز يُطْلقونه على الواحد والجميع والاثنين والمؤنث، بلفظ واحد مبني على الفتح، وبنو تميم تُثَنِّي وتجمع وتؤنث فتقول: هلُمَّ وهَلُمّي وهَلُمَّا وهَلُمُّوا). (^٣)
وكقوله: «تكرر ذكر التوكل في الحديث، يقال: تَوَكَّل بالأمر إذا ضَمن
_________________
(١) «النهاية» (٢/ ٢٢٩)، وانظر: «منهج ابن الأثير في النهاية» أ. د. الخراط (ص ٢٦)، وتحقيق الخراط أيضًا ل «النهاية» (١/ ٣٥). ومنه استفدتُ كثيرًا في وصف الكتاب.
(٢) قارن مثلًا بين المواضع الثلاثة (١/ ١٦٦)، و(٢/ ٣٥٣)، و(١/ ٣٧)، وانظر مقدمة تحقيق أ. د. الخراط ل «النهاية» (١/ ٣٧).
(٣) «النهاية» (٥/ ٢٧٢).
[ ٥٢ ]
القيام به، ووكَلْتُ أمري إلى فلان أي: ألجأته إليه، واعتمدت فيه عليه. (^١) وكقوله: (قد تكرر ذكر «المُزْن» وهو الغيم والسَّحاب، واحدته مُزْنة. وقيل: هي السحابة البيضاء). (^٢)
وليس له منهج في ترتيب المشتقات في المادة الواحدة، شأنه شأن كثير من المعاجم العربية. (^٣)