خَيرُ مَنْ يُبيِّن منهجَ الكتاب مُؤلِّفُهُ، فقدَ بيَّنَ ابنُ الأثير في مقدمتِه مَعالِمَ في عِلمِ «غريب الحديث»، وبَيَّنَ منهجَه، فتحَدَّث فيها عن أهمية عِلم الحَدِيث والأثر، وأنه ينقسم إلى قسمين، أحدهما: معرفةُ ألفاظِه، والثاني: مَعرفة معانيه. ويرى أنَّ معرفةَ ألفاظِه مقدمةٌ في الرُّتْبَةِ؛ لأنها الأصل في
_________________
(١) بيَّنَ ذلك في مقدمةِ كتابه.
[ ٣٩ ]
الخطاب، وبها يَحْصُل التفاهمُ، فإذا عُرِفَتْ تَرَتَّبَتْ المعاني عليها، فكانَ الاهتمامُ ببيانها أولى. ويُقسِّم بعد ذلك الألفاظَ إلى: مُفرَدَةٍ ومُرَكَّبَةٍ، ويرى أنَّ مَعرِفَةَ المُفرَدَةِ مُقَدَّمةٌ على معرفةِ المُرَكَّبَةِ؛ ويُقسِّمُ الألفاظَ المُفردَةَ إلى قسمين: خاص، وعام.
أمَّا العامُّ فهو: ما يشتركُ في معرفتِه جُمهورُ أهلِ اللسانِ العربي، ممَّا يدورُ بينهم في الخطاب، وتناقلوه.
وأمَّا الخاصُّ فهو: ما ورد فيه من الألفاظ اللغوية والكلماتِ الغريبة التي لا يَعرفُهَا إلا مَنْ عُنيَ بها، فكان الاهتمامُ بمعرفة هذا النوع الخاص مِنْ الألفاظِ أهمَّ ممَّا سواه، إذْ الحاجةُ إليه ضَرورِيَّةٌ في البيان …
ثم تحدَّثَ ابنُ الأثير (^١) عن أوَّلَ مَنْ جمعَ في هذا الفن: أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى، والمؤلَّفات بعده، مع تعليقات عليها موجزة، وينتقدُ بعضَ مناهِجَها في الشمول والترتيب، وغيره.
ثم ذكر اعتمادَه على كتابَيْن: «الغريبين» للهروي، و«المجموع المغيث» لأبي موسى المديني، مع الترتيب والإضافة عليهما.
ونبَّهَ ابنُ الأثير القارئَ على أنَّ ما اقتبسَه مِنْ كتاب الهرَوي مَيَّزَهُ بالحرف «هـ» بالحمرة، وما اقتبسه من كتاب أبي موسى ميَّزَه بالحرف «س»،
_________________
(١) «النهاية» (١/ ٥).
[ ٤٠ ]
وما أضافه مِنْ غيرِهما أهملَه بغيرعلامة؛ ليتميَّزَ ما فيهما عمَّا ليس فيهما، كما أفاد القارئ بأنَّ جميع ما في كتابه ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: مُضافٌ إلى مُسَمَّى، وقد يكون ذلك المسمَّى هو صاحب الحديث، أو يكون راويًا للحديث، أو يكون سببًا في ذكر ذلك الحديث فأُضيف إليه، أو يكون له فيه ذِكْرٌ عُرِفَ الحديث به.
والثاني: غيرُ مضافٍ إلى مُسَمَّى، والغالبُ عليه أنه من أحاديثِ رسول الله ﷺ إلا القليل الذي لا تُعْرَف حقيقته: هل هو مِنْ حديثه أو من حديثِ غيره؟ (^١)
ثم تحدَّثَ عن الترتيب المعجمي الذي سلَكه، فقد التزمَ الحرف الأول والثاني مِنْ كل كلمة، وأتبع ذلك بالحرف الثالث مِنْ الكلمة على سياق الحروف.
ثم تحدَّثَ عن المشكلة التي واجهَتْه، وهي: (أني وجدتُ في الحديث كلماتٍ كثيرة في أوائلها حروف زائدة قد بُنِيت الكلمة عليها، حتى صارت كأنها من نفسها، وكان يلتبس موضعها الأصلي على طالبها)، ورأى حَلَّ هذه المشكلة: (أنْ أُثبتَها في باب الحرف الذي هو في أولها، وإنْ لم يكن
_________________
(١) «النهاية» (١/ ١٢).
[ ٤١ ]
أصليًا، ونَبَّهْتُ عند ذِكْرِهِ على زيادتِه؛ لئلا يراها أحدٌ في غير بابها، فيَظنُّ أنّي وَضَعْتُها فيه للجهلِ بها). (^١)