الشواهد القرانية، وقد يركن إلى بعض القراءات المتواترة أو الشاذة؛ ليُجلي المعنى الذي يذهب إليه في شرح غريبه. (^١)
والشواهد الحديثية فيشرح الحديث بالحديث، مثاله: في مادة (حثل) يورد حديث: «لا تقوم الساعة إلا على حُثالةٍ من الناس» ثم يقول: (الحُثالة الرديء من كل شيء). ومنه الحديث: «كيف أنت إذا بَقِيتَ في حُثالة من الناس» يريد: أراذلهم، ومنه الحديث: «أعوذ بك من أن أبقى في حَثْلٍ من الناس». (^٢)
وفي مادة (دأل) يورد حديث خزيمة: «إنَّ الجنة محظورٌ عليها بالدآليل». ويقول: (أي: بالدواهي والشدائدِ. وهذا كقوله: «حُفَّت الجنةُ بالمكاره»). (^٣)
والشواهد الشعرية من ذلك قوله في مادة (بدر) في حديث المبعث «فرجَعَ بها ترجُفُ بوادِرُه». هي جمع بادِرَة، وهي: لَحْمَةٌ بين المَنكِب
_________________
(١) «النهاية» (٣/ ١٥٣)، (٤/ ٢٧٤)، وانظر: «الدراسات اللغوية عند مجد الدين بن الأثير» أ. د. سعود آل حسين (ص ٢٥٣).
(٢) «النهاية» (١/ ٣٣٩)، وانظر: «الدراسات اللغوية عند مجد الدين بن الأثير» أ. د. سعود آل حسين (ص ٢٥٥).
(٣) «النهاية» (٢/ ٩٥).
[ ٥٥ ]
والعنق، والبادِرَة من الكلام الذي يسبق الإنسان إليه في الغضب. ومنه قول النابغة:
ولا خيرَ في حِلْمٍ إذا لم تكن له … بوادِرُ تَحْمي صَفْوَه أن يُكَدَّرا (^١)
ويستطرد أحيانًا بفوائد لها علاقة قوية بالمادة، ففي حديث: «فهذا أوان قطعتْ أَبْهَري»، يذكر: (أنَّ الأَبْهرَ عرقٌ منشؤه من الرأس ويمتد إلى القدم، وله شرايينُ تتصل بأكثرِ الأطراف والبدن، فالذي في الرأس منه يسمَّى النَّأْمة، ويمتد إلى الحلق فيسمّى فيه الوريد، ويمتد إلى الصدر فيسمّى الأبهر، ويمتد إلى الظهر فيسمَّى الوَتين، ويمتد إلى الفخذ فيسمَّى النَّسَا، ويمتد إلى الساق فيسمَّى الصافِنَ). (^٢)
ويبين المعرَّب والدَّخِيل، كما في «الأسبرنج» مثلًا (^٣)
ويعتني بمسائل التأنيث والتذكر، كما في «الطَّسْت» (^٤)
_________________
(١) «النهاية» (١/ ١٠٦)، وانظر مقدمة تحقيق أ. د. الخراط ل «النهاية» (١/ ٤١)، و«ابن الأثير المحدِّث ومنهجه في كتاب النهاية» د. أميمة بنت رشيد بدرالدين (ص ٣١٠)، وانظر: «الدراسات اللغوية عند مجد الدين بن الأثير» أ. د. سعود آل حسين (ص ٢٥٦).
(٢) «النهاية» (١/ ١٨).
(٣) «النهاية» (١/ ٤٧)، وانظر: «ابن الأثير المحدِّث ومنهجه في كتاب النهاية» د. أميمة بنت رشيد بدرالدين (ص ٣٤٧ و٣٥٧)، وانظر: «الدراسات اللغوية عند مجد الدين بن الأثير» أ. د. سعود آل حسين (ص ٣٧٤).
(٤) «النهاية» (١/ ٢٤٦)، وانظر: «الدراسات اللغوية عند مجد الدين بن الأثير» أ. د. سعود آل حسين (ص ٣٦١).
[ ٥٦ ]
ويُبيِّن الأمكنة ويحددها، كما في «الأبْواء» (^١)، و«بَرْثان». (^٢)
ويُبينُ اللحن الشائع العامة وتصحيفهم، أورد الحديث: «فَضْلُ عائشة على النساء، كفضل الثَّريد على سائر الطعام» أي: باقيه، ويقول: والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح، وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، وكلها بمعنى باقي الشيء. (^٣)
ويُبين اللغة العالية وما دونها كما في «مِلح»، و«مالح» فالثانية لغة ليست عالية. (^٤)
ويُبيِّن الأضداد، مثل: «التِّلاع» (^٥)
ويُبَيِّنُ أحيانًا المعنى العام للحديث الذي ورد فيه اللفظة الغريبة: ففي الحديث «الهَدْيُ الصالح والسَّمْتُ الصالح جزء من خمسةٍ وعشرين جزءًا من النبوَّة». يقول: أي إنَّ هذه الخِلال من شمائل الأنبياء، ومن جملة
_________________
(١) «النهاية» (١/ ٢٠).
(٢) «النهاية» (١/ ١١٣).
(٣) «النهاية» (٢/ ٣٢٧)، وانظر مقدمة تحقيق أ. د. الخراط ل «النهاية» (١/ ٥٢).
(٤) «النهاية» (٤/ ٣٥٥)، وانظر مقدمة تحقيق أ. د. الخراط ل «النهاية» (١/ ٤٦).
(٥) «النهاية» (١/ ١٩٤).
[ ٥٧ ]
الخصالِ المعدودةِ من خصالِهم، وأنها جزءٌ معلومٌ من أجزاء أفعالهم، فاقتَدوا بهم فيها، وتابِعوهم عليها. وليس أنَّ المعنى أنَّ النبوَّة تتجزَّأُ، ولا أنَّ من جَمَعَ هذه الخلالَ كان فيه جزءٌ من النبوَّة، فإنَّ النبوَّةَ غيرُ مكتسَبة ولا مجتلَبَةٍ بالأسباب، وإنما هي كرامة من الله تعالى، ويجوز أن يكون أراد بالنبوَّة هاهنا ما جاءت به النبوةُ ودَعَتْ إليه من الخيرات. (^١) وكذا في «النصيحة» (^٢)، و«صلة الرحم». (^٣)
وله براعة في النحو، والصرف، واللغة عمومًا، ومن شواهدِ المسائل النحوية، قوله في الحديث «فهذا أوانُ قَطَعَتْ أَبْهَري»: يجوز في «أوان» الضمُّ والفتح، فالضمُّ لأنه خبر المبتدأ، والفتحُ على البناء، لإضافته إلى مبني … (^٤) وذكر حديث لقيط «لَعَمْرُ إلهكِ» فقال: وهو رفعٌ بالابتداءِ، والخبر محذوفٌ تقديره: لَعَمْرُ الله قسمي، واللام للتوكيد، فإن لم تأت باللام نصَبْتَه نَصْبَ المصادرِ، أي بإقرارِك لله وتعميرك له بالبقاء. (^٥)
_________________
(١) «النهاية» (١/ ٢٦٥).
(٢) «النهاية» (٥/ ٦٣).
(٣) «النهاية» (٥/ ١٩١)، وانظر مقدمة تحقيق أ. د. الخراط ل «النهاية» (١/ ٥٤).
(٤) «النهاية» (١/ ١٨).
(٥) «النهاية» (٣/ ٢٩٨)، وانظر: «مجد الدين بن الأثير وجهوده في علم غريب الحديث» أ. د. محمود الطناحي (في اللغة والأدب ١/ ٤١٢)، و«ابن الأثير المحدِّث ومنهجه في كتاب النهاية» د. أميمة بنت رشيد بدرالدين (ص ٣٧١).
[ ٥٨ ]