وعنايته بأصول المعانى كان قسيما لاهتمامه بأصول اشتقاقات المادة ذاتها، وقد كان مولعا بهذا مما سوغ لنا القول بأنه كان من كبار الاشتقاقين. ودليل هذا قوله (٧٩): "وفي تسمية الصلاة صلاة لأهل الاشتقاق ثلاثة أقوال: قيل لما فيها من الدعاء؛ وقيل: لرفع الصلا في الركوع، وهو مغرز الذنب من الفرس؛ وقيل: لما فيها من الخشوع واللين، يقال: صليت العود بالنار: إذا لينته والمصلى يلين ويخضع"، وقوله (٨٠): "أيام التشريق، في اشتقاق تسميتها بذلك أوجه، أحدها: لأنهم يشرقون فيها اللحم، بمعنى أنهم يشمسونه، وقيل:
_________________
(١) تهذيب اللغة.
(٢) في النظم ص ١٣٩.
(٣) سورة الكهف آية ٧٤.
(٤) سورة مريم آية ١٩.
(٥) سورة الأعلى آية ١٤.
(٦) سورة الكهف آية ١٨.
(٧) الزاهر ٢/ ٨٦١، ١٨٧.
(٨) غريب الحديث ١/ ١٨٤.
(٩) العين ٥/ ٣٩٤.
(١٠) الفائق ٢/ ١١٩.
(١١) ٢/ ٣٠٧.
(١٢) النظم ص ١٦.
(١٣) السابق ص ٢١.
(١٤) نفسه ص ٣٥.
(١٥) ص ١٦٤.
(١٦) النظم ص ٥١.
(١٧) السابق ص ١١٧.
[ المقدمة / ١٧ ]
يشققونه ويقددونه، ومنه الشاة الشرقاء، وهى مشقوقة الأذن طولا؛ وقيل: من قولهم في الجاهلية: "أشرق ثبير كيما نغير. وقيل: لأن الضحايا والهدى يذبح فيها عند شروق الشمس، وهو طلوعها". وقوله (٨٢): في البيت العتيق: سمى عتيقًا؛ لأنه قديم، وقيل: لأن الله تعالى أعتقه من جبابرة الملوك .. وقال مجاهد: سمى عيتقا؛ لأنه لم يملك قط. وقال ابن السائل: سمى عتيقا؛ لأنه أعتق من الغرق زمان الطوفان".
فقد أرجع اشتقاق لفظ الصلاة إلى ثلاثة أصول مرتبة حسب اشتهارها بين اللغويين، والإجماع على الدعاء عند العرب كان يسمى صلاة، وشاهده قول الأعشى (٨٣):
تَقُولُ بِنْتي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحِلًا يَاربِّ جنِّبْ أبي الأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
عَلَيْكِ مِثلُ الذِى صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِى نَوْمًا فَإنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
وقوله أيضًا:
وَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنَّهَا وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ
ذكر هذا الخليل وابن قتيبة وابن الأنباري والأزهري، وابن دريد، والجوهري، والزمخشري، وابن الأثير (٨٤)، وغيرهم.
- والأصل الثاني: الصلا، وهو: واحد الصلوين، وهما مكتنفا الذنب من الناقة وغيرها (٨٥)، وأول موصل الفخذين من الإنسان (٨٦) وهما عن يمين العصعص وشماله، وقد ذكر ذلك اللغويون بعد الأول، فقد نقل أبو عبيد (٨٧) عن الأصمعي: أن أصل ذلك في الخيل، فالسابق؛ والمصلى: الثانى الذى يتلوه، قال: وإنما قيل له المصلى. لأنه يكون عند صلا الأول. وأكد هذا ابن دريد في قوله: وقال قوم: بل اشتقاق الصلاة: من رفع الصلا في السجود، والمصلى من الخيل: الذى يجىء وجحفلته على صلا السابق، ثم كثر في كلامهم حتى سموا الثانى من كل شىء مصليا. وعلق بأن الأول أعلى (٨٨).
والأصل الثالث: يدل على شغفه بالاشتقاق؛ لأنه ربط بين اللين والخشوع في الصلاة، بتقويم العود بسبب تليينه بالنار، وقد ذكر اللغويون هذا الاستعمال (٨٩)، ففى العين (٩٠): وصلى عصاه: إذا أدارها على النار يثقفها، قال:
فَلَا تَعْجَلْ بِأَمْرِكَ وَاسْتَدِمْهُ فَمَا صَلَّى عَصَاكَ كَمُسْتَدِيمِ
غير أنهم لم يحاولوا رد اشتقاق الصلاة المعروفة إليه. وإن ألمح الزمخشري إلى هذا في قوله (٩١): وأصل التصلية: من قولهم: صلى عصاه: إذا سخَّنها بالصلاء، وهى النار ليقومها، وأنشد البيت المذكور. وقال: وقيل للرحمة صلاة، وصلى عليه الله: إذا رحمه؛ لأنه برحمته يُقوِّم أمر من يرحمه، ويذهب باعوجاج حاله وَأَوَدِ عمله.
_________________
(١) نفسه ص ٦٧.
(٢) ديوانه ص ١٥٥.
(٣) السابق ص ٨٥.
(٤) العين ٧/ ١٥٤ وغريب الحديث للقتيبي ١/ ١٦٧ والزاهر ١/ ١٣٨، ١٣٩ وجمهرة اللغة ٣/ ٢٦٠ والصحاح (صلو) والفائق ٣/ ٣٠٩ والنهاية ٣/ ٥٠، ٥١ واللسان (صلو ٢٤٩٠).
(٥) خلق الإنسان للأصمعى ٢٠١، ٢١١، والثابت ٣٠٣، ٣٠٤، وللزجاج ٣٧.
(٦) في غريب الحديث ٣/ ٤٥٨.
(٧) جمهرة اللغة ٣/ ٦٥.
(٨) الصحاح (صلو) واللسان (صلو ٣٤٩٢).
(٩) ٧/ ١٥٥.
(١٠) الفائق ٢/ ٣٩، ٣١٠.
[ المقدمة / ١٨ ]
ولا ندري كيف لم يعرج الركبي على أصل ذَكَرَه اشتقاقى كبير، كالزجاج، هو أولى بالتقديم من هذا الأخير الذى ذكره، فقد استعرض الزجاج (٩٢) الأصول والمعانى السابقة، ثم قال: وأصل هذا كله عندى من اللزوم، يقال: صلى وأصلى واصطلى: إذا لزم، ومن هذا يصلى في النار، أى أنه يلزم. . . وكذلك الصلاة: إنما هى: لزوم ما فرض الله، والصلاة من أعظم الفرض الذى أمر بلزومه.
وما ذكره في أيام التشريق تابع فيه الجوهري، وكله ثابت ومقرر عن أئمة اللغة كالأصمعي، وابن السكيت وأبي عبيد، وابن الأنباري، والزمخشري، وابن الأثير، وغيرهم (٩٣).
وشرح الركبي ملىء بمثل هذه الاشتقاقات، يذكرها متابعة لأئمة اللغة، أو يستخلصها بحاسته اللغوية فيرد البئر إلى بأر بمعنى حفر، والاحتياط والحائط: من حاطه يحوطه، والاحتراز: من الحرز الذى يمنع وصول ما يكره، والمزادة: من الزيادة التى تزاد فيها من جلد ثالث، والمخمصة: من الخموص، وهو ضمور البطن، والجدرى: من جدر بمعنى نتأ وارتفع، ومنه الجدار، والحمام: من الماء الحميم وهو: الحار، والخمار: من التخمير، وهو التغطية، ومنه الخمر؛ لأنها تغطى العقل، والإزاز: من المؤازرة، وهى: المساعدة والمعاونة، والمحراب: من الحرب؛ لأنه يدافع عنه ويحارب دونه، والمعاركة بمعنى القتال: من عَرَكَت الرحى الحب: إذا طحنته، والجنين: من الجنة، وهو: ما استترت به من سلاح، ومن الجن؛ لاستتارهم، والبر قمح: من قامحت الناقة: إذا رفعت رأسها، وأقمح الرجل: إذا شمخ بأنفه، والسكين: من تسكين الذبيحة، والسحور: من السحر، وهو: آخر الليل. وغير ذلك مما يطالعنا به الركبي في شرحه.
وكنت أحسبه يبعد في المذهب حين جعل اشتقاق المائدة من ماد (٩٤): إذا مال؛ لأن حاملها يميل بها، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٩٥). حتى رأيت أبا عبيدة (٩٦) يقول في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٩٧).
أصلها: أن تكون مفعولة، فجاءت فاعلة، يقولون: تطليقة بائنة، وعيشة راضية، وإنما مِيدَ صاحبها بما عليها من الطعام، فيقال: مادنى يميدنى. ويعقب عليه الزجاج، قائلا (٩٨): والأصل عندى في مائدة أنها فاعلة من ماد يميد: إذا تحرك، فكأنها تميد بما عليها.