من أبرز سمات شرح الركبي: اهتمابه برد المعانى إلى أصولها، يفعل هذا مبالغة في توضيح المعنى المراد، بمختلف الوسائل اللغوية، ولا تكاد تخلو مادة من المواد التى تناولها من هذه المحاولات الملحة.
والوسائل المتنوعة التى نلمسها من اللغويين على تفاوت مذاهبهم في رد معانى المشتقات إلى أصولها تسير حسب اجتهاد وميل كل واحد منهم، وذلك؛ لأن اثبات أصول المعانى لهذه المشتقات لا يخضع إلى قياس محدد، ومن ثم نرى تفاوتًا بين هذه الأصول. وقد ثبت هذا في شرح الركبي على عدة صور، منها:
- التنبيه بدء على أصل المعنى، ثم ذكر الاستعمالات التى تؤيد ما يذهب إليه.
وذلك نحو قوله: "أصل العَفو: المحو، يقال: عفا الأثرُ، أى: امّحى وذهب وعفا الربع: امحى رسمُه ودرس، فكأنه مُحى عنه الذنبُ، ولم يكتب عليه (٣٣). وقوله: "أصل الفحش": القبح، والخروج عن الحق، وذلك قيل للمفرط في الطول: إنه لفاحش الطول، والكلام القبيح غير الحق: كلام فاحش، والمتكلم به: "مُفحش" (٣٤) وقوله: "أصل الفجر": الشق، ومنه سمى الفجر، كما سمى فَلَقا وفَرَقا، والعاصى: شاق لعصا الطاعة" (٣٥) وقوله: "تحريم المبتوتة" أصله: من بَتَّ الحبلَ: إذا قطعه، كأنه قطع بالطلاق مواصلتها ومعاشرتها (٣٦) وقوله: "أصل الفطر: الشق، يقال: فطر ناب البعير: إذا انشق موضعُه للطلوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (٣٧) أى: انشقت، فكأن الصائم يشق صومه بالأكل" (٣٨).
وهذا فيما كان أصل معناه واضحا، ويكاد يجمع عليه أهل اللغة. ولا شك في أنه يعول على الأصل الذى يتصل بالمعنى المراد، لأن مادة (ع ف و) تحتمل أصول معان كثيرة، فمنها مثلا: العفو: بمعنى الكثرة، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (٣٩) ومنه الحديث: "أنه - ﷺ - أمر أن تُحْفى الشوارب وتُعْفى اللحى" (٤٠).
قال الكسائى: قوله: "تعفى" توفر وتكثر (٤١)، وقال الخطابي (٤٢): غلام عاف أى: وافر اللحم، وأصله: من قولك: عفا الشىءُ: إذا كثر، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أى: كثروا ونموا: وأنشد أبو عبيدة (٤٣) شاهدا له قول لبيد:
ولكنا نُعِضُّ السيفَ منها بأسْوُقٍ عافياتِ اللحمِ كومِ
ومن أصول معانيه أيضًا: الطلب، ومنه قول الأعشى (٤٤):
_________________
(١) النظم ص ١٦.
(٢) السابق ص ٧٠.
(٣) نفسه ص ٥٤.
(٤) نفسه ص ١٢٦.
(٥) سورة الانفطار آية ١.
(٦) النظم ص ١٥٩.
(٧) سورة الأعراف آية ٩٥ وانظر مجاز القرآن ١/ ٢٢٢.
(٨) غريب الحديث ١/ ١٤٨.
(٩) السابق.
(١٠) غريب الحديث ٢/ ٢٩٣.
(١١) في مجاز القرآن ١/ ٢٢٢.
(١٢) ديوانه ص ٧١.
[ المقدمة / ١٥ ]
يطوف العُفاة بأبوابِه كَطَوْفِ النصارى بِيَيْت الوَثَنْ
ومنه الحديث: "من أحيا أرضًا ميتة فهى له، وما أصابت العافية منها، فهو له صدقة" (٤٥) وفي هذا يقول الزمخشري: كل طالبٍ رزقًا من طائر أو بهيمة أو إنسان: فهو عاف (٤٦). وقبله ذكر ذلك أبو عبيده (٤٧) وغيره (٤٨).
والأصل الذي ذكره الركبي: مجمع عليه من أهل اللغة، كأصل من الأصول المعنوية التى يؤديها يتساهل أحيانا في التعبير، فابن الأثير يقول في العفو: "وأصله: المحو والطمس" (٤٩) ثم يعود فيذكره بمعنى الطلب في الحديث المذكور.
وينقل الأزهري (٥٠) عن ابن الأنباري، أن الأصل في قول الله جل وعز: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (٥١): محا الله عنك، مأخوذ من قولهم: عفت الرياحُ الآثارَ: إذا درستها ومحتها. بيد أن ابن الأنباري لم ينص بلفظ "الأصل" وعبارته (٥٢): معناه: درس الله ذنوبك ومحاها عنك. . . . إلخ. وإن كان ابن الأنباري يكثر من التعبير بالأصل فيقول: أصل كذا، ولكنه يريد المعنى، وقد يذكر أكثر من أصل، وهو يريد المعانى.
وبعض اللغويين يدقق ويتحرز في التعبير تحسبا لمثل هذا كالخليل (٥٣) والجوهري (٥٤) وغيرهما. ولا شك في أن الفئة الأولى تميل إلى المذهب الاشتقاقي في الربط بين تفريعات المادة وأصولها (٥٥).
- والركبى متابع في أكثر الأمثلة التى يذكرها من هذا القبيل، فإذا تفرد بعضهم بمذهب ذكره مُسنَدًا إليه، وذلك في نحو قوله: "أصل الحفد: العمل والخدمة، ومنه الحفدة، وهم: الخدم" (٥٦) وقوله: "في تسجية الميت: قال الزمخشري، قال ابن الأعرابي: أصله: الغيبوبة ومنه قوله تعالى: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥٧) أى: ذهبنا وغبنا، فكأن الكافر جار عن الطريق الحق، أو غاب عنه الحق فلم يعرفه، ولم يهد له" (٥٨).
ونلاحظ أنه ذكر حسب تعبيره أصلين في معنى الضلال، وأسند الثاني إلى ابن الأعرابي. وهذا لأن الأصل الأول متفق عليه، قال ابن فارس (٥٩): كل جائر عن القصد: ضال، وكذلك ذكر في المظان اللغوية (٦٠).
وفي المعنى الثاني قال الخطابي (٦١): قال أبو عمر: أصل الضلال: الغيبوبة يقال: ضل الماء في اللبن: إذا غاب، وكذلك: ضل النَّاسِى: إذا غاب عنه حفظه، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (٦٢).
وفي الحديث: "ذروني في الريح لعلى أضل الله" (٦٣) يقال: أضللت الشيىء: إذا غيبته، وأضللت الميت: دفنته.
_________________
(١) غريب الحديث ١/ ١٤٨ والفائق ٣/ ٥.
(٢) الفائق ٣/ ٥.
(٣) غريب الحديث ١/ ١٤٨.
(٤) النهاية ٣/ ٢٦٦.
(٥) السابق.
(٦) تهذيب اللغة ٣/ ٢٢٢.
(٧) سورة التوبة آية ٤٣.
(٨) الزاهر ١/ ٥٣٥ وشرح القصائد السبع ٨، ٢٠، ٢١، ٢٦، ٢٦٤، ٤٨٧، ٥١٧.
(٩) انظر العين ١/ ٢٥٨ - ٢٦٠.
(١٠) انظر الصحاح (عفو).
(١١) النظم ص ٨٧.
(١٢) السابق ص ١٢٤.
(١٣) سورة السجدة آية ١٠.
(١٤) النظم ص ١٣٣.
(١٥) في المجمل ٢/ ٥٦٠.
(١٦) انظر العين ٧/ ٩ والصحاح (ضلل) واللسان (ضلل ٢٦٠١).
(١٧) في غريب الحديث ١/ ٤٨٤.
(١٨) سورة طه آية: ٥٢.
(١٩) الفائق ٢/ ٦٩ والنهاية ٣/ ٩٨.
[ المقدمة / ١٦ ]