بعد عرض هذه اللغات على مصادر اللغة ظهر أن الركبي متابع في تسجيل هذه اللغات للجوهرى، والفارابى، وابن السكيت، وابن قتيبة؛ وأنه يهتم أولا بجمع اللغات، ولا يعنيه ترتيبها، وأن متابعته لهؤلاء اللغويين وضعه في زمرة أصحاب التنقية اللغوية، ولذا نراه يقتصر على ما أجمع عليه اللغويون من لغات. وثمة اختلاف بين اللغويين، في ترتيب ما يحتمل ثلاث لغات، فعلى سبيل المثال لفظ "السقط" يضعه ابن السكيت فيما ورد على فَعْل وفُعْل وفِعْل، ثم يقول: وهو سُقْط الرمل، وسَقْط، وسِقْط. وكذلك: سِقْط النار والولد. كذا الضبط بالشكل. وقد لاحظت أنه جمع الفتح والضم والكسر في فاء فعل، كعنوان، ثم ذكر ما ورد من أمثلة، تارة على ترتيب شكل العنوان، وتارة على غير ترتيب شكله، كما ذكر في السقط (١).
ثم نرى ابن قتيبة يخالف هذا، فيقول (٢): يقولون للولد: سِقْط، رالأجود: سُقط (الأول: بكسر السين، والثانى: بضمها) ثم يجمع اللغتين في موطن آخر (٣)، فيما جاء بلغتين واستعمل الناس أضعفهما، سُقْط للولد، وسِقْط ثم يجمع ثلاث لغات فيه من غير ترتيب: سِقْط، وسُقْط، وسَقْط (كذا) (٤) للرمل.
ولا أستطيع الجزم بأن الشكل المذكور من تصحيف المحققين؛ لعدم نص ابن السكيت وابن قتيبة
_________________
(١) إصلاح المنطق ٨٤، ٨٥.
(٢) أدب الكاتب ٤٢٣، ٤٢٤.
(٣) السابق ٥٣١.
(٤) نفسه ٥٧٠.
[ المقدمة / ٣٥ ]
بالعبارة. والمعروف ابن قتيبة ينقل عن ابن السكيت، فكيف تناقض ترتيب التشكيل؟؟ ولعل التثليث شائع في اللفظ فتسنى بذلك جمعها كما اتفق.
ثم إن الفارابى وهو الذى يتبع ابن السكيت، يقول في "فَعْل" بفتح الفاء: وَسَقْطُ الولد، فيه ثلاث لغات سَقط وسُقَط وسِقَط. (بفتح الأول، وضم الثانى، وكسر الثالث) ثم يقول: وكذلك سقط النار وسقط الرمل في اللغات الثلاث (٥). ثم يقول في "فُعْل" بضم الفاء: والسُّقْطُ: لغة في السَّقْطِ من الرمل (٦). ثم يقول في "فِعْل" بكسر الفاء: وهو سِقْط الولد، وسِقْط النار، وسِقْط الرمل (٧).
ورأيت ابن سيدة (٨) يفرق في الترتيب بين سقط الولد وسقط النار، وسقط الرمل، على النحو الاتى:
في سقط الولد: هو السِّقْط، والسُّقْط، والسَّقْط
في سقط النار: هو سَقْطُ، وسِقْط، وسُقْط
في سقط الرمل: هو سِقْط، وسُقْط، وسَقْط
ويتابعه ابن منظور (٩) ثم يقول الفيومي (١٠): وهو المحقق المدقق: سقط الولد من بطن أمه، فهو سِقْط بالكسر والتثليث لغة. وسقط النار، وسقط الرمل: بالوجوه الثلاثة. ونقل ابن السيد (١١) عن أبي عبيدة التثليث في الثلاثة. وكذا الأزهري (١٢)، والقالى (١٣) عن أبي عبيدة. وعلى هذا الفيروز ابادى (١٤).
ومما سبق يتضح أن جمع لغات اللفظ على التثليث: خروج من هذا التضارب الذى نشأ عن عدم النص بالعبارة على أفصح اللغات المسموعة عن العرب. ومن ثم تعارض نص الفيومي الذى صرح فيه بالكسر في سقط الولد، مع نص ابن قتيبة الذى صرح فيه بالضم في سقط الولد أيضًا.
والركبي بين هؤلاء متابع للجوهري، نقل نص عبارته، فجمع اللغات التى يعنيه جمعها في المقام الأول، ولم يبال بالترتيب.