والركبي ينبه الفقهاء إلى أخطاء لغوية مختلفة، فإلى ما ذكره في باب الهمز والتسهيل، نراه يهتم بما يقع فيه التصحيف، فيقول في قول الشيرازي: ويجوز الدباغ بكل ما ينشف فضول الجلد، كالشب والقرظ: قال بعضهم: الشب بالباء بنقطة واحدة من تحت، وليس بشىء، وهو الذى يستعمله الأساكفة والصباغون قال الأزهري: السماع فيه بالباء، وقد صحفه بعضهم، فقال: الشث، والشث: شجر مر الطعم، لا أدرى أيدبغ به أم لا. (١٧، ١٨).
وفي الحديث: أن قدح النبى - ﷺ - انكسر (مكان الشفة سلسلة من فضة (١). يقول الركبي: قوله: "مكان الشفة" ذكر القلعى أنه "مكان الشعب" وهو الشق و"الشفة" خطأ. ولم نسمعه إلا "الشفة" وليس بخطأ، إنما أراد الموضع الذى يضع عليه شفته حين يشرب، وهو حرف الإناء. . . إلخ (٢٠).
وفي قول الشيرازي: وإن كان مما يقصد منه الورق كالتوت. . . إلخ (٢) يقول الركبي: بتاءين معجمتين من فوق، شجر معروف يعلفه دود القز، وله حمل أحمر طيب يؤكل، ولا تقل "التوث" بالثاء المثلثة (٢٤٨).
والذى ذهب إليه الأزهرى أنه الشب بالباء، وليس الشث بالثاء (٣)، متابعة للإمام الشافعى، حيث قال (٤) الدباغ: بكل ما دبغت به العرب من قرظ وشب، يعنى بالباء الموحدة. ذكر نقيضه المطرزى: فقال (٥) قولهم: "يدبغ بالشب" بالباء الموحدة تصحيف؛ لأنه صباغ، والصباغ لا يدبغ به، لكنهم صحفوه من الشَّثَّ بالثاء المثلثة، وهو شجر مثل التفاح الصغار ورقه كورق الخلاف يدبغ به.
ويؤكد مذهب المطرزى قول الفارابى (٦): والشت: ضرب من شجر الجبال يدبغ به. وقال في الشب (٧): حجارة منها الزاج وأشباهه. وتابعه الجوهرى (٨) في الشث، فقال: ثبت طيب مر يدبغ به. وقال ابن الأثير (٩): في الحديث "أليس في الشث والقرظ ما يطهره" يعنى جلد الشاة الميتة: الشث والقرظ: نبتان يدبغ بهما، هكذا يروى هذا الحديث بالثاء المثلثة، وكذا يتداوله الفقهاء في كتبهم وألفاظهم.
ومن ثم فإن قول الأزهرى ليس بالقول الفصل، ولذا قال الفيومى (١٠): فحصل من مجموع ذلك أنه يدبغ بكل واحد منهما لثبوت النقل به، والإثبات مقدم على النفى.
والذى ذكره الركبي في حديث انكسار القدح، وأنه "مكان الشفة" ورد تخطئة القلعى، فيه نظر،
_________________
(١) ورد في المهذب ١/ ١٢.
(٢) في المهذب ١/ ٢٧٩.
(٣) في شرح ألفاظ المختصر لوحة ١٦.
(٤)
(٥) في المغرب (شبب).
(٦) ديوان الأدب ٣/ ٢.
(٧) السابق ٣/ ١.
(٨) الصحاح (شثث).
(٩) في النهاية ٢/ ٤٤٤.
(١٠) في المصباح (شبب).
[ المقدمة / ٣٢ ]
لأن الحديث روى في مشكل الآثار (١١) "الشعب" وكذا في النهاية (١٢)، وخطأ النووى (١٣) "الشفة" والرواية في بعض نُسخ المهذب "الشعب" كما هو مذكور في النسخة التى بين أيدينا، وعليه فإن في قول الركبي نظر كثير.
أما قوله: ولا تقل التوث بالثاء المثلثة، فقد جاء هذا نقلا عن الجوهري جماعة منعوا منه ومنهم ابن السكيت (١٤) وثعلب (١٥). وذكر ابن قتيبة (١٦) قول الأصمعى: الفُرسُ تقول: توث والعرب تفول توت.
وذكر أبو حنيفة الدينوري أنه بالثاء، وحكى عن بعض النحويين أنه بالتاء، قال أبو حنيفة: ولم يسمع في الشعر إلا بالثاء، وأنشد لمحبوب النهشلى (١٧):
لروضة من رياض الحزن أو طرف من القرية حزن غير محروث
أحلى وأشهى لعينى إن مررت به من كرخ بغداد ذى الرمان والتوث
فدل ذلك على أن التوث بالمثلثة لغة، والمنع منها من قبيل التشدد.
ومنها في التخفيف والتشديد:
في الحديث: أن رسول الله - ﷺ - خرج معتمرا، فحالت قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية" يقول: الحديبية: مخففة لا تشدد إلا في لغة رديئة. والجعرانة: مخففة، قال الربيع: سمعت الشافعى يقول: الحديبية: بالتخفيف. وقال ابن عبد الحكم: قال الشافعى: لا تقل: الجِعرّانة ولكن قل الجعرانة بالتخفيف (٢٠٢)