وهذا ما انتهجه في الكتاب، وصرف جل عنايته له، وقد استخدم الوسائل اللغوية الممكنة لتحقيق ذلك، ولم أر غيره ممن شرح غريب الفقه توسع بمثل توسعه في شرحه اللغوى، أو استقصى استقصاءه لألفاظ الفقه فقد بَذَّ سابقيه، ومنهم الأزهري في شرحه لألفاظ المختصر، وفاق المطرزي، والنسفي، وغيرهم، ولم يجاره الفيومي في المصباح المنير، فقد توسع في النقل عن أئمة اللغة، في غريب الفقه، والحديث، والتفسير واستطرد، بل ألح في اجتلاب الشواهد المختلفة والمتعددة في تفسير اللفظ الواحد، واستخدم الظواهر اللغوية المختلفة في توضيح
[ المقدمة / ٤٩ ]
الاستعمال الفقهى، عرض آراء اللغويين بأمانة وتخير منها أقربها إلى المعنى المقصود وأدلى بدلوه بين هؤلاء الأئمة، وساعده ذوقه الأدبي، وحسه الشاعر في عرض ذلك كله بأسلوب شيق متميز. ومن أمثلة ذلك ما ذكره في الربط بين الصلاة بمعناها الشرعي، وأصل معناها اللغوي فيبدأ بذكر الأصل اللغوي المشهور، وهو: الدعاء، ويذكر أيضًا من شعر الأعشى شاهدا له، يذكره دائما أئمة اللغة، وهو:
عليك مثل الذى صليت فاغتمضى نوما فإن لجنب المرء مضطجعا
وهذا الأصل وشاهده، ذكره كل من ابن الأنباري (١)، وأبو عبيد (٢)، والزمخشري (٣)، وأصحاب المعجمات (٤)، ومن ثم نجده يقدمه. ثم يذكر آراء الإشتقاقيين جملة، فيقول: "وفي تسمية الصلاة صلاة لأهل الاشتقاق ثلاثة اقوال: قيل لما فيها من الدعاء، وقيل: لرفع الصلاة في الركوع، وهو: مغرز الذنب من الفرس، وقيل: لما فيها من الخشوع، واللين". ويذكر استعمالا للعرب، كدليل لهذا المعنى الأخير، في قلهم: "صليت العود بالنار: إذا لينته" ثم يربط الصلاة بمعناها الإصطلاحي به، قائلا: "والمصلى يلين ويخشع" (٥١).
وفي الأذان: يثبت أن أصل الأذان في اللغة: الإعلام، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ (٦) ثم يربط بين الأذان بمعناه الشرعي بالأصل اللغوي، فيقول: "فالمؤذن يعلم الناس بدخول الوقت" ثم يؤكد مذهبه، بنقله عن الزجاج قوله: "واشتقافه من الأذن؛ لأن بها يسمع الأذان، أى: الإعلام" (٧) ثم يذكر استعمالا عربيا، وهو قولهم: آذنتك بالأمر، أي: أوقعته في أذنك، فسمعته (٥٦) ثم أضاف معلومات لغوية أخرى، فيذكر أن في فعله لغتان: أذَّن، وآذن: بمعنى الإعلام، وعلل اختلاف الصيغتين، بأن أذَّن- بالتشديد: للمبالغة والتكثير، واستشهد بقوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ (٨) وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٩) ثم قال: "فاستويتا في العلم" (٥٦). يذهب بذلك إلى أن فَعَّل وأفْعَل بمعنى مع زيادته في صيغة فَعَّلَ. وهذا ما ذكره كثير من اللغويين، ومنهم الأزهري (١٠)، والهروي (١١). وبعضهم عبر بما هو أدل وأدق، فجعل أذَّن المشدد للإعلام بصوت، يقول سيبويه: وآذنت: أعلمت، وأذّنت: النداء والتصويت بإعلان (١٢) وقال ابن الأثير (١٣): يقال: آذن يُؤذن إيذانا، وأذَّن يؤذن تأذينا، والمشدد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة.
_________________
(١) في الزاهر ١/ ١٣٩.
(٢) في غريب الحديث ١/ ١٧٩.
(٣) في الفائق ٢/ ٣٠٩.
(٤) أنظر تهذيب اللغة ١٠/ ٢١٥ واللسان (صلو ٢٤٩٠).
(٥) سورة الحج آية ٢٧.
(٦) سورة التوبة آية ٣.
(٧) معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٧٤.
(٨) سورة الأعراف آية ٤٤.
(٩) سورة الأنبياء آية ١٠٩.
(١٠) في شرح ألفاظ المختصر لوحة ٢٧.
(١١) في الغريبين ١/ ٣١، ٣٢.
(١٢) الكتاب ٤/ ٦٢.
(١٣) في النهاية ١/ ٣٤.
[ المقدمة / ٥٠ ]
ولكى يوثق العلاقة بين الصوم في اللغة، وفي الشرع: يذكر استعمالات عربية، وشواهد قرآنية وشعرية، وهي:
صام الفرس: إذا قام وأمسك عن الجرى.
صام النهار صوما: إذا قام قائم الظهيرة.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (١). أى: إمساكا عن الكلام.
وقول الأعشى: وفيها إذا ما هجرت عجرفية ذمول إذا صام النهار وهجرا
_________________
(١) سورة مريم آية ٢٦.
[ المقدمة / ٥٠ ]
وقول امرىء القيس: كأن الثريا علقت في مصامها بأمراس كتان إلى صمم جندل
ويقول الراجز: *والبكرات شرهن الصائمة*
أى: التى لا تدور. ثم يذكر قول أبي عبيدة: كل ممسك عن طعام، أو كلام، أو سير، فهو صائم.
ثم يعقب هذا بأن الصوم في الشرع: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع. (١٦٩).
ونلاحظ أنه داخل بين بيتين لامرىء القيس، وللأعشى، فبيت امرىء القيس (٢).
فدع ذا وسل الهم عنك بجسرة ذمول إذا صام النهار وهجرا
وبيت الأعشى (٣):
وفيها إذا ما هجرت عجرفية إذا خلت جرباء الظهيرة أصيدا
فداخل بين البيتين، والشاهد: في قول امرىء القيس.
وهكذا كان يحيط المصطلح الشرعي بسياج لغوي، متنوع، من أجل توضيح الصلة بينهما، وقد سبق ذكر اهتمامه بالأصل المادي والمعنوي في المشتقات، إذ كان يعول دائمًا على أصل استعمال اللفظ.