يقال: خفرت الرجل أخفره بالكسر خفرًا: إذا أجرته، وكنت له خفيرا تمنعه، وأخفرته: إذا نقضت عهده، وغدرت به (١٨٢) ويقال سقيته لشفته، وأسقيته لماشيته وأرضه (١١٩) شعر بالشيء: إذا علمه، وأشعر الهدى، أى: جعل له علامة يعرف بها (٥٧) فَرَطَ بالتخفيف: إذا تقدم، وأفرط: إذا جاوز الحد (١٥٩) نشطت الحبل: عقدته أنشوطة، وأنشطه: حللته (٢٠١).
وبمقارنة ما ذكره ابن بطال في هاتين الصيغتين بمعنى وباختلاف معنى، تحقق ما ذهب إليه، فمثلا ما نص عليه في صيغتى خلف وأخلف أكده كثير من اللغويين وفي مقدمتهم الزجاج في فعلت وأفعلت (١) والجواليقى (٢) والفارابي (٣) والجوهري (٤) والزمخشري (٥) وهو الذى تابعه المصنف فنقل عنه نص عبارته.
وفي صيغتى سجد وأسجد اختار الركبي كونهما بمعنى، غير أن المشهور أنهما مختلفان في المعنى، فقد وضعهما الزجاج في فعل وأفعل والمعنى مختلف، وقال: سجد الرجل من السجود، وأسجد إسجادا: إذا طأطأ رأسه وانقاد (٦) وهذا ما ذكره ابن السكيت حيث فرق بينهما، فوضع أسجد بإزاء فتور النظر والتطا من والانحناء، وجعل سجد لوضع الجبهة بالأرض (٧)، وقرر ذلك السرقسطى في أفعاله (٨) وابن الأثير في النهاية (٩) وكل من ذهب إلى اختلافهما في المعنى، ومن ذهب إلى اتفاقهما في المعنى، ينشد على مذهبه قول حميد بن ثور:
فضول أزمتها أسجدت سجود النصارى لأربابها
وليس من العسير لمح الصلة بين الانحناء والتطامن وفتور الطرف، ووضع الجبهة في الأرض عند السجود وما يلزمه من الانحناء، مما يقرب المعنى بينهما، أو يجعله واحدًا. ولهذا قال ابن حمزة الأصبهاني تعليقا على قول ابن السكيت وإنشاده لبيت حميد، وبيت كثير:
أغرك منا أن ذُلَّكِ عندنا وإسجاد عينيك الصيودين رابح
قال (١٠): وهذا أيضًا، يقال على فَعَل وأفْعَلَ بمعنى، ولولا ذلك للزم حميدا أن يقول: إسجاد النصارى ولكنه لما كان يقال: سجد وأسجد بمعنى، قال: سجود النصارى.
ولهذا، ولما هو ظاهر من المعنى: اختار الركبي كونهما بمعنى واحد. وقد كان تناوله لهاتين الصيغتين مشاكلا لموقف أصحاب التنقية اللغوية، الذين لا يثبتون في اللغة سوى المجمع على صحته، وفي مقدمتهم الأصمعى الذى كان كثيرا ماينكر صيغة أفعل أو يصفها بالرداءة، وكان الجوهرى ممن يعتنقون هذا المذهب، والتزامه بما أثبته في صحاحه شاهد لهذا، وكان ابن بطال يتابع الجوهرى فيما ذكره في صيغتى فعل وأفعل ومن ثم
_________________
(١) ص ٣١، ٣٢.
(٢) في ما جاء على فعلت وأفعلت ٣٧.
(٣) في ديوان الأدب ٢/ ٣١٤.
(٤) في الصحاح (خلف).
(٥) في الفائق ١/ ٣٨٧.
(٦) فعلت وأفعلت ٥١.
(٧) إصلاح المنطق ٢٤٧.
(٨) ٣/ ٥٠٤.
(٩) ٢/ ٢٤٢.
(١٠) في التنبيهات ٢٩٤.
[ المقدمة / ٢٣ ]
تحقق صحة ما ذهب إليه فيهما.
كما تناول كثيرا من الصيغ التى تختلف مبنى وتتفق معنى، ومنها:
فَاعَل وفَعَّل: نحو قوله في الأذان: وفيه لغتان: آذن وأذَّن: إذا كان بمعنى الأعلام (٥٥).
فَعَّل وتَفَعَّلَ: كقوله في التأويل: أولته تأويلا وتأولته بمعنى (١٤٨).
فَعَّل وأفْعَلَ: مثل قوله: جوَّزَ له ما صنع وأجاز له (٢٧١) وقوله: يقال: أسعر أهل السوق وسعروا: إذا اتفقوا على سعر (٢٥٥).
افْتَعَلَ وَتَفَاعَلَ وافَّاعَل: وهذا في قوله: يقال: صَالح صِلَاحا، وقد اصطلحا، وتصالحا، واصَّالحا (٢٧٣).
فَعِلَ وأفْعَلَ: ومنه: كلئت الأرض وأكلأت، فهى مكلئة، وكلئة (١٦٤).
فَعَلَ يَفْعَل في معنى افْتَعَلَ يَفْتَعِلُ: وذلك قوله: وقد نجعوا ينجعون في معنى: انتجعوا ينتجعون عن يعقوب (١٦٣).
أفْعَلَ: اسْتَفْعَلَ وتَفَعَّلَ: في قوله: أنقذه من فلان، واستنقذه منه، وتنقذه: بمعنى، أى: نحاه وخلصه (٢٧٣).
فَعِلَ وَتَفَعَّلَ وافْتَعَلَ: وفي مثله يقول: وقد وَسِخَ الثوب يوسخ، وتوسخ، واتسخ: كله بمعنى (١٥٩).
فَعَلَ وَافْتَعَلَ واسْتَفْعَلَ: نحو قوله: نجوت الشجرة، وانتجيتها، واستنجيتها: إذا قطعتها (٢٠).
فَعَلَ وَأفْعَلَ وافْتَعَلَ: في قوله: شرت العسل، وأشرته، واشترته، فهو مشور ومشتار ومشار (٥٦).
أفْعَلَ وَفَعَّلَ واسْتَفْعَلَ: في مثل: أوطنت الأرض، ووطنتها توطينا واستوطنتها، أى: اتخذتها وطنا (٦٧).
فَعَل وافْتَعَل وتَفَعَّل: نحو: لثمت المرأة، والتثمت، وتلثمت: إذا شدت اللثام، وهى حسنة اللثمة (٧٣).
فَعَلَ وَفَعَّلَ: نحو قوله: قدر الله الأمر يقدره قدرًا وقدر الله الأمر تقديرا (١٧٨).
فَعَلَ وتَفَعَّل: في قوله: تلمظ يتلمظ، ولمظ يلمظ: إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فيه، أو أخرج لسانه فمسح شفتيه، فجعله في فيه (٢٢١).
واهتم ابن بطال بذكر لغات الفعل الواحد، ماضيا كان أو مضارعا، يبتغى بذلك توجيه لغة الفقهاء على الوجوه الجائزة في استعمال الفعل، وبخاصة والفقهاء لا يدققون في اختيار الأفصح لغة، وإنما يستخدمون في توجيه الأحكام ما طاع لهم من الأفعال والأسماء على أي وجه صحيح فمن ذلك في الماضى: قوله: طَهَرَ الشيء بالفتح وَطَهُر بالضم طهارة فيها (٩) وقوله: وقد بَثَرَ وجهُهُ يَبْثُر ثلاث لغات: بَثِرَ، وبَثرَ، وبَثُر بالفتح
[ المقدمة / ٢٤ ]
والكسر والضم (٦٦) وقوله: سَخَن الماء وسخُن وسخِن (١١) وقوله: ورغم أنفه ورغم بالفتح والكسر (٩٥). وقوله: يَنْبَعُ وَيَنْبُعُ وَيَنْبعُ نبع الماء ينبع وينبغ وينبع ثلاث لغات (٩).
ونلاحظ أنه حريص على جمع لغات الفعل حرصا يكاد يفوق حرص كثير من اللغويين الذين يهتمون بجمع الأفعال خاصة فقد جمع في الفعل "بثر" ثلاث لغات، بينما لم ينص السرقسطي (١) في أفعاله على أكثر من لغتين منها، وهما: بَثِرَ، وَبَثَر وعبارته: بَثِرَ الجسد بَثَرًا: خرجت فيه أورام صغار، ويقال: بَثَر أيضًا بفتح الثاء وقد ذكر الفارابي (٢) اللغات الثلاث، وتابعه الجوهري (٣)، وتابعه الركبي كما ذكرها الفيومي (٤) والفيروز آبادى (٥)، وابن منظور (٦)، وكثير غيرهم من اللغويين، مما يؤكد صحتها.
وكان شديد الحرص في التنبيه على لغات الفعل المعتل، واويًا كان أو يائيا، والجمع بينهما إذا ما سُمِعَ فيه اللغتان ونص عليه اللغويون، ومنه قوله: حثا التراب يحثو ويحثى حثوا وحثيا (١٣٥) وقوله: قنوت الغنم وغيرها قنوة، وقنيت أيضًا قنية بالكسر، وقنية بالضم: إذا اتخذتها لنفسك لا للتجارة (١٥٥) وقولا: نقوت العظم ونقيته: إذا استخرجت نقيه: أى: مخه (٢١٧) وقوله: نما الشيء ينمى: إذا زاد نماء ونموا، وربما قالوا: ينمو، بالواو: (٢٦٤).
اهتمامه بالفصل بين المهموز وغير المهموز، وموقفه من الهمز والتسهيل.